النظام الجزائري يلجأ إلى خيار العنف ضد الثورة

مع تدهور الأوضاع عاد إلى الحراك هؤلاء الذين خدعهم النظام بأكذوبة الجزائر الجديدة إذ باتوا يرون بأم أعينهم أن الجزائر الجديدة التي بشر بها الرئيس تبون ما هي إلا سراب.
الثلاثاء 2021/03/23
هل تُكسر إرادة شعب أراد أن يتحرر؟

منذ 22 فبراير 2019 تاريخ بداية ثورة الابتسامة وانطلاق المسيرات والاعتصام ضد النظام القائم والمطالبة بالتغيير، تعمل سلطة الأمر الواقع ما في وسعها لإيقاف المد الديمقراطي الذي يكتسح الشوارع كل يوم جمعة وثلاثاء ليقول الآلاف لا لحكم العسكر “دولة مدنية لا عسكرية”.

جرب النظام كل وسائل الترغيب والترهيب ولكنه فشل في كسر إرادة الجزائريين الذين عقدوا العزم على تحرير الجزائر، كما يقول نشيد بلدهم. هذه المرة ليس من الاستعمار ولكن من قبضة نظام فاشل يخنقهم ويركن بلدهم في تخلف شامل منذ الاستقلال سنة 1962. وكان شعارهم القوي في جمعة 19 مارس “الشعب يريد الاستقلال” مدويا في أغلب شوارع المدن الجزائرية.

بداية كان النظام متمسكا بالرئيس عبدالعزيز بوتفليقة وعهدته الخامسة، وكان قائد الأركان السابق القايد صالح مناهضا للحراك، وقد وصف الملايين من المتظاهرين بـ”الشرذمة” وصرح بالفم الملآن أن الجيش مستعد لحماية الانتخابات التي كان سيفوز بها ولي نعمته بوتفليقة عن طريق التزوير كالعادة منذ أن عرفت الجزائر الاقتراع. ولكنه اضطر إلى الإطاحة بـ”عصابة الرئيس”، كما أطلق عليها هو نفسه، وزج بكثير من وجوه النظام من وزراء ورجال أعمال وعسكريين ورجال أمن في السجن لإنقاذ نفسه ولتصفية حساباته مع من أردوا الإطاحة به وإسكات الجزائريين المنتفضين ولكن دون جدوى.

حاول قايد صالح بعد ذلك بث الشقاق والصراع الإثني بين الحراكيين فاختلق مشكلة الراية الأمازيغية، واعتقل وسجن كل من رفع تلك الراية في المسيرات. ومع ذلك لم يحدث الصدام المرجو. وهروبا إلى الأمام نظم رئيس الأركان انتخابات رئاسية شكلية يوم 12 ديسمبر 2020 قاطعها معظم الجزائريين مقاطعة لم يعرف لها مثيل، وكانوا يرددون كل جمعة “لا انتخابات مع العصابات”. ونصّب قائد الأركان على أثرها عبدالمجيد تبون رئيسا للدولة وكان يظن أنه قد قضى على الثورة ولكنه غادر الحياة أياما بعد ذلك والثورة في أوج عنفوانها.

بدأ تبون عهدته متبعا نهج من عيّنه ونصّبه، فواصل محاربة الحراك والاستهتار بالحراكيين وملاحقة الكثير منهم قضائيا وإيداعهم السجن بتهم فضفاضة مثل إهانة هيئة نظامية وإحباط معنويات الجيش وشتم رئيس الدولة أو مجرد منشور تهكمي على فيسبوك، وغيرها من التهم المضحكة المبكية. وراح الرئيس الجديد يتحدث عن حراك أصيل وآخر غير أصيل، وشرع في استقبال بعض الوجوه السياسية القديمة التي خدمت بوتفليقة والتي لا وزن لها في الشارع محاولا عن طريقها تنفيذ أجندته في محاولة للمحافظة على استمرار نظام الريع في المقام الأول.

استغلت السلطة جائحة كورونا للقضاء على الحراك بالضربة القاضية عندما أوقف الحراكيون المظاهرات الأسبوعية حفاظا على صحة الناس، راحت الشرطة تلاحق المناضلين والقضاء يحاكمهم ويسجنهم من أجل ترهيب كل الحراكيين كي لا يعودوا للتظاهر. ووصل الإعلام إلى أوج درجات التضليل والتبعية للحكم، فصورت القنوات المدجنة الحراك على أنه تدخل أجنبي معاد للجزائر، وتم حجب مواقع إعلامية كثيرة وألقي بصحافيين في السجن.

Thumbnail

رغم ذلك فشلت كل تلك الانتهاكات الجسدية والمعنوية في تشويه ثورة الابتسامة، وعاد الحراك وكأن شيئا لم يكن، وخرجت الجماهير الجزائرية يوم 22 فبراير الماضي بقوة، مسقطة كل المناورات والفخاخ التي نصبها النظام، وتوالت المسيرات كل جمعة وثلاثاء.

ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والصحية، عاد إلى الحراك هؤلاء الذين خدعهم النظام بأكذوبة الجزائر الجديدة إذ باتوا يرون بأم أعينهم أن تلك الجزائر الجديدة التي بشر بها الرئيس تبون ما هي إلا سراب وأصبح الكثير منهم يحن إلى عهد الرئيس بوتفليقة.

مع هذا الإصرار الشعبي والتدفق العظيم للجزائريين في الشوارع تملك الرعب قلوب رجال النظام، إذ أعادتهم المظاهرات الضخمة المتتالية إلى كابوس ما قبل الفايروس، وإلى مرحلة أيام الجمعة الرهيبة التي تحول شوارع المدن إلى فضاءات معارضة للنظام تهتف بسقوطه.

 لقد لعب النظام كل أوراقه دون جدوى، فماذا بقي له بعد أن تيقن اليوم أن لا رادّ للحراك؟ هل يستمر في محاولة تنفيذ إجراء انتخابات تشريعية يوم 12 يونيو المقبل، رغم رفض أغلبية الجزائريين لها كما فعل في رئاسيات 2020؟

من معطيات كثيرة يبدو أن السلطة متجهة إلى الاستنجاد كعادتها بالحل الأمني في مواجهة أي تحرك يعيد النظر في شرعيتها. ولم يبق لها سوى المرور عبر السيناريو التقليدي الذي انتهجته دائما؛ البدء في اختلاق حوادث أمنية داخل الحراك عن طريق زرع عناصر مأجورة بين المتظاهرين يقومون بأفعال عنف، كالاعتداء على رجال الأمن أو المتظاهرين أو الأملاك العمومية، ونشر أخبار عن عودة الإرهاب هنا وهناك، ومحاولة تشويه الحراك بإعطائه صبغة إسلامية كما رأينا في تلك المسرحية السمجة مع ذلك المعتوه المدعو دحدوح، الذي قدّم على أنه إرهابي إسلامي على شاشة التلفزيون العمومي ليقول إنه كان يعمل وهو في الجبل مع أشخاص يدعمون الحراك من الخارج.

وقد يعمل النظام على ترتيب مظاهرات مضادة للحراك من أجل خلق صدام بين بعض المؤيدين له والمناهضين من أجل التصعيد، ولتبرير تدخله لاحقا لمنع التجمعات والتظاهر بكل أشكالها. وهكذا يتسنى له استعمال القوة الأمنية لتفريق المظاهرات يوم الجمعة والثلاثاء باعتبارها خارجة عن القانون في انتظار تنظيم انتخاباته التشريعية، ثم يفرض حالة الطوارئ بعد إجرائها لإطفاء جذوة الثورة.

ولكن، هل نجح مخطط أمني في يوم من الأيام في كسر إرادة شعب أراد أن يتحرر؟

9