النظام الدولي: فشل مطلق في مواجهة متغيرات البيئة

عالم ما بعد كورونا يجب ألا يعود إلى أنماط العلاقات الدولية التي سادت خلال الألفية الثانية. فلقد رافقت الألفية الثالثة ظواهر صحية وأوبئة خطرة ولابد من وسائل جديدة لإدارة حالات الطوارئ الدولية.
الأربعاء 2020/04/01
الحاجة لأنماط جديدة للعلاقات الدولية

كثيرة هي المهام الدولية مع تطورات أنماط العلاقات بين الدول وحاجة الشعوب إلى بعضها البعض للنهوض بمستلزمات التطور والتقدم والتنمية والحفاظ على البيئة. لقد اتخذ المجتمع الدولي خطوات مهمة على مستوى قضايا المناخ والبيئة، ومنها الاجتماع الأخير على مستوى قادة العالم الذي عقد في نيويورك في سبتمبر 2019، لمناقشة إجراءات الأمم المتحدة الخاصة بالمناخ والبيئة. ورغم أن الاجتماع قد ناقش كيفية عمل الدول لمواجهة الاحتباس الحراري وقدم أحدث التكنولوجيات المتاحة لتقليص الآثار الضارة للأنشطة البشرية على البيئة والأرض إلا أن الواقع العملي يعكس حالة من العجز في مواجهة الأزمات الدولية الخاصة بالمناخ والبيئة.

العالم اليوم يواجه خطر فايروس كورونا المستجد الذي قبض حتى الآن على أرواح أكثر من نصف مليون إنسان والرقم في تصاعد يومي سريع. فما الذي فعله المجتمع الدولي بكل منظماته الدولية ودوله المتقدمة في المجال الصحي؟

حتى هذه اللحظة ثمة تخبط ملموس على شتى الأصعدة، سواء في إطار المنظمات الدولية أو على صعيد الدول المتقدمة. نعم الكل يسابق الزمن والكل يعمل جاهدا لإيجاد العلاج الناجع واللقاح المناسب لكن هذه المسائل تأخذ وقتا ليس بالقليل، إذ لابد من مرحلة تجريبية ليست قصيرة حتى تثبت فعاليتها، وبهذا الخصوص أجزم أن المجتمع الدولي مقصّر في هذا الشأن. أين يكمن التقصير وكيف؟

نعود إلى التاريخ الحديث والمعاصر. فبالأمس كان هنالك الإيدز وبعده جاء سارس وبعده إنفلونزا الخنازير وجنون البقر وإنفلونزا الطيور، وبعدها جاء فايروس كورونا في شكله الأول. كل تلك الفايروسات القاتلة والمدمرة لم تقرع ناقوس الخطر عند الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة ومنها منظمة الصحة العالمية. جيوش من الموظفين الدوليين في المنظمات الدولية غير قادرين على أن يحركوا أو يوجهوا أو يرسموا خارطة طريق لمواجهة الأجيال الجديدة والمتطورة من الفايروسات المعروفة على أقل تقدير. نعم تستعرض منظمة الصحة العالمية عبر ورش العمل التي تقيمها للدول الأعضاء الأطر العامة للعمل إزاء القضايا المستجدة، وتقوم بتعميمها على الجهات المختصة في الدول الأعضاء، لكن هذا نصف الطريق فهذه المنظمات وجدت أصلا لغرض حماية البشرية وليس لخدمة الأفراد ومنحهم الامتيازات والسفر والإقامة في فنادق الدرجة الأولى. كما أن هذه المنظمات لم توجد لكي تكون مقرات وساحات عمل لأجهزة مخابرات مختلف الدول، إنما ثمة عمل مطلوب منها من أجل شعوب الدول الأعضاء فيها.

منظمة الصحة العالمية لم تقدم شيئا على صعيد مكافحة فايروس كورونا المستجد سوى أن مديرها العام تيدروس أدهانوم غيبريسوس، وهو من إثيوبيا، أعلن أن العالم يواجه حالة وباء عالمية إضافة إلى بعض النصائح الإرشادية للجهات المختصة في دول العالم. وهذا لا يكفي ففي ظل هكذا محنة دولية يفترض بهذه المنظمة أن تخرج بعلاج ولقاح توزعه على دول العالم كافة. نحن هنا لا ندين المنظمة ولكن على ضوء ما يعاصره العالم من حالات وبائية لابد من أساليب جديدة لمواجهة المخاطر.

كما أن هذا الأمر ينطبق على منظمة الأمم المتحدة ذاتها فأين المنظمة مما يجري؟

الصين بإمكاناتها الذاتية قضت على انتشار الوباء واستعدت لمواجهة احتمال عودته. أما الأمم المتحدة فقد خرج علينا أمينها العام أنطونيو غوتيريش ليحذر من الانتشار السريع للحالة الوبائية وأن علينا أن نكون حذرين. أهذه هي واجبات منظمة حكومات دول العالم في ظل حالة طوارئ من الدرجة الأولى. مرة أخرى هذا لا يكفي بل نحن بحاجة إلى أساليب جديدة في العمل تقضي بتكاتف الجميع لمواجهة المخاطر المحتملة والمستجدة.

إن أول الواجبات الحتمية هي تعاون منظمة الصحة العالمية وخبرائها مع شركات إنتاج الأدوية المسجلة عالميا للتوصل إلى العلاج الناجع. بالإضافة إلى فتح قنوات مباشرة مع مراكز البحوث الطبية والمختبرات لتعجيل إنتاج اللقاح اللازم لمواجهة كورونا المستجد. على ألا يقف هذا الجهد عند الأزمة الراهنة، بل يفترض أن يتواصل بوضع سيناريوهات عن أي تطورات محتملة للفايروسات التي ظهرت مؤخرا ومنها سارس وإنفلونزا الطيور والإيدز وغيرها من الفايروسات الوبائية الموجودة على قائمة الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية والمنظمات البيئية.

كما أن الأهم من كل ذلك أنه ثمة حاجة إلى تأسيس قوات الأمم المتحدة للحفاظ على البيئة مهيئة ومستعدة للتدخل في المناطق الأكثر تضررا من الأوبئة، كحالة إيطاليا مع كورونا المستجد على سبيل المثال، لكي تساهم في القضاء على الوباء في مكان انتشاره على غرار قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام المنتشرة في أماكن التوترات الأمنية بين الدول.

كما أن ثمة دولا فقيرة غير قادرة على حماية ذاتها، وبالتالي فإن المسؤولية الدولية تفرض على الدول المانحة أن تبادر إلى مساهمة فاعلة في دعم الدول ذات الموارد المحدودة خدمة للجوانب الإنسانية لشعوب الدول العاجزة وفي الوقت نفسه تعزيز الوقاية العالمية من المخاطر التي تسببها الأوبئة والفايروسات الفتاكة.

إن عالم ما بعد كورونا يجب ألا يعود إلى أنماط العلاقات الدولية التي سادت خلال الألفية الثانية. فلقد رافقت الألفية الثالثة ظواهر صحية وأوبئة خطرة ولابد من وسائل جديدة لإدارة حالات الطوارئ الدولية. وهذا ما كان يجب أن يتم التركيز عليه خلال قمة مجموعة العشرين الاستثنائية التي عقدت في 26 مارس 2020 عن بعد. كما أن الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة مطالبة، هي الأخرى، بوضع النظم والآليات الفاعلة لمواجهة المخاطر المتصاعدة والمحتملة.

لقد تعهد قادة مجموعة العشرين بضخ 5 خمسة تريليونات دولار في الاقتصاد العالمي لمواجهة آثار تفشي جائحة كورونا وبتقديم الدعم للدول النامية لمحاربة الوباء. هذه خطوة جيدة لكن فاعليتها ستكون أكثر بكثير إذا ما وضع قادة الدول والشعوب في حساباتهم أن كورونا المستجد قد غير العالم وشعوبه، وبالتالي لابد من أنماط جديدة للعلاقات الدولية تنسجم مع العالم الجديد، وهنا يبرز دور الجامعات ومراكز البحوث وعلماء الاجتماع للخروج بقواعد سلوك جديدة في العلاقات والسياسة والاقتصاد عبر المنظمات الدولية.

9