النظام الدولي وفرض الأمر الواقع من تركيا إلى إثيوبيا

أنقرة وأديس أبابا تتماديان في التحدي لفقدان الموازين التقليدية في العالم.
الأحد 2020/07/26
هل يشهد العالم انقلابا لموازين القوى

الدول الكبرى باتت تقيس ما يجري من صراعات وفق مصالحها، وهو ما يفسر السكوت على التمدد التركي في شرق المتوسط، وكذلك مساعي أثيوبيا لفرض الأمر الواقع في الخلاف حول سد النهضة بالرغم من مخاطر ذلك على مصر والسودان.. وهو ما يفتح الباب أمام نظام عالمي جديد يقوم على مقاييس مضطربة وغير عادلة، ما يؤسس لنزاعات أكثر حدة وأوسع مدى.

لم تعد الدول التي تريد الحصول على مكتسبات غير شرعية بحاجة إلى القيام بالتفافات سياسية طويلة المدى، بل يكفي أن تعلن عن رغبتها وتشرع في تحقيقها رسميا وبصورة مباشرة، وتتصرف بموجب الحالة الجديدة دون حذر أو خوف من عقوبات أو تهديدات من قبل قوى دولية، فطالما امتلكت إرادة قوية وهدفا محددا تنطلق غالبا وهي غير عابئة بردود الأفعال التي أصبحت محصورة في نطاق التصريحات.

من يتابع تحركات أنقرة في شرق المتوسط وبحر إيجه وسوريا والعراق وليبيا، يتأكد أن ضرب عرض الحائط بالشرعية الدولية سمة تركية بامتياز. ومن يراقب تطورات السياسة الإثيوبية في أزمة سد النهضة تتعزز لديه قناعات بأن الأمر الواقع بات طاغيا عليها، ربما لأول مرة نجد عددا من المسؤولين الكبار يعلنون عن انتصارات مادية ومعنوية في قضايا تمس هيبة القوانين الدولية.

كانت إسرائيل تمثل حالة صارخة وفريدة في هذه المسألة، ومع ذلك استغرق تكريس هذه السياسة عقودا، وعندما تتجاوز في انتهاكاتها حدود المنطق تتصدى لها قوى عدة، بما فيها الولايات المتحدة أحيانا.

لماذا الصمت على أنقرة وهي تتسلح بأدوات عديدة تتناقض مع ما استقر في ضمير العالم؟ ولماذا عدم الاكتراث بما اتخذته أديس أبابا من إجراءات تفضي إلى تحويل نهر دولي إلى بحيرة محلية؟ 

التمرد على النظام

بدأت بعض الدول تطور نماذج التجاوز التي عرفت خلال السنوات الماضية، وهي محدودة ومرتبطة بدول متمردة على النظام الدولي، ولجأت إلى وسائل تحايلية تنتظر ترسيخها عبر آلة الزمن، وتخجل من الإعلان عنها أو التفاخر بها، وتعلم أن هناك قوانين رادعة يمكن توظيفها في لحظة معينة لوقف الخروقات. الآن هناك جرأة مبالغ فيها، ما لم تفق القوى الدولية الكبرى قد يتحول العالم إلى غابة تَصْعب السيطرة فيها على الدول الشاردة، فتركها وعدم مواجهتها يمنحان الآخرين جرأة مضاعفة.

طورت تركيا تصوراتها السلبية عندما تيقنت أن العالم يمر بحالة نادرة من السيولة تسمح لها بالتوسع وجني ثمار متباينة، وقد استثمرت في الفوران الذي تموج به بعض الأزمات، وأقدمت على خطوات لم تكن تحلم بها، أو فكرت في ذلك ووجدت ممانعة وقوى صلبة تقف عائقا في طريقها، وحرصا على تطبيق هامش من القوانين الدولية.

لعل الطموحات التي راودت أنقرة للتدخل في سوريا منتصف التسعينات من القرن الماضي تمثل شاهدا على عودتها إلى رشدها آنذاك، حيث وجدت من يردعها، ولعل عودتها إلى هذا الحلم دون أن تجد من يتصدى لها حقيقة تكشف الجانب المقابل، وحتى من حاولوا الوقوف في وجهها تراجعوا وتركوا لها اختيار الطريقة المناسبة، أو تقاسموا معها النفوذ ضمنيا، وتفاهموا معها على ترتيب الأولويات، وبدأت تتمدد في مناطق عدة وقت أن وجدت غطاء يحميها، وتحقق لأصحابه فوائد على الساحة الدولية.

ارتكبت أنقرة الكثير من الموبقات السياسية والقانونية، واكتفت القوى الرافضة بحملة من التنديدات والتصريحات الرافضة لها. لعبت على التناقضات، ونجحت في تعظيم مكاسبها، وجعلت التحركات التي قامت بها واقعا يسلم به البعض ويتعامل معه على أنه ضمن المكتسبات التركية.

انظر إلى الحالة التي وصلت إليها أنقرة في ليبيا، حيث جعلت المرتزقة والإرهابيين والعصابات المسلحة رقما يغير في معادلتي الحرب والسلام. القليل من الدول تتحدث عنهم مباشرة، وغالبية القوى تتجاهل المأساة التي أوجدها هؤلاء، حتى بدأت الكثير من الدول تتعامل مع تركيا على أنها جزء من الحل والعقد في الأزمة.

أفضى تغولها في ليبيا إلى إنكار أنها قوة غاشمة لا تعبأ بالقوانين التي تمنع التدخل في شؤون الدول الأخرى، وعدم الإنصات إلى أن اتفاقياتها ترتكز على حكومة فاقدة للشرعية الحقيقية، وتريد الحصول على مزايا في المستقبل، بعيدا عن هوية الحكم في المرحلة المقبلة، وكادت تتمكن من تحويل الزيف إلى واقع.

نتيجة واحدة

إثيوبيا ظلت تناور وتراوغ حتى وضعت مصر والسودان أمام أمر واقع مرير
إثيوبيا ظلت تناور وتراوغ حتى وضعت مصر والسودان أمام أمر واقع مرير

رغم وجود اختلافات هيكلية بين التوجهات التركية والإثيوبية، تبدو النتيجة التي وصلت إليها أديس أبابا واحدةً، ظلت تتحدث عن النيل الأزرق على أنه حكر عليها، وأنكرت صورته الدولية، وظلت تناور وتراوغ وتماطل حتى وضعت مصر والسودان أمام أمر واقع مرير، ونجحت في فرض إرادتها السياسية الداخلية، ولم تنتفض القوى الحريصة على تطبيق القوانين الدولية أو تتحدث عن تجاوز يخل بالتوازنات الحالية ويؤثر على الأمن والسلم الإقليميين.

قد لا تكون الحالتان التركية والإثيوبية محل رفض من بعض القوى المؤثرة، وتحظيان بمباركة خفية، في إشارة إلى رغبة دفينة تقود إلى تغيير في بعض البنى الأساسية وما استقر عليه العالم من مفاهيم وقوانين، وربما تمهد هذه التطورات لتوظيفها في الحديث عن إعادة هيكلة النظام الدولي وفقا لقواعد تراعي التحول في صعود وهبوط قوى مختلفة.

لن تجرؤ أنقرة أو أديس أبابا على التمادي في هذا النوع من التصرفات ما لم يكن هناك فقدان للموازين التقليدية في العالم، وأن ثمة خللا ينتاب جوانبه، ورغبة من جانب البعض في ترك السيولة الراهنة تبلغ أقصى مدى لها كي يتسنى القيام بعملية تشكيل جديدة من رحم الصراعات المتفاقمة، التي لم تعد قاصرة على المعارك العسكرية والنزاع على مناطق النفوذ، وامتدت إلى مناحٍ أخرى.

تعدت الأوضاع كل ذلك ووصلت إلى درجة الإلحاح على ترسيم الحدود ومحاولة تثبيت خصخصة المياه والبحث عن الثروات الطبيعية الواعدة، وكل ما يمثل عنصرا لجلب الخلافات، وفرض التفكير في إعادة ترتيب الأولويات.

ومن يراقب تحركات القوى الدولية في الملفات والقضايا محل النزاع ويرصد تموضعها جيدا يتأكد أن تطبيق القوانين مرهون بما تجلبه من مصالح وما تبعده من خسائر.

غضت الولايات المتحدة الطرف كثيرا عن تجاوزات تركيا في المنطقة، وهي معتقدة أنها صمام أمان ضد المد الروسي، وقبلت بإرسالها المرتزقة من سوريا إلى ليبيا، لأن هؤلاء قد يتمكنون من وقف زحف عناصر “فاغنر” أو ضبط الموقف المقابل، وإذا تم مد الخيط على استقامته ستكون النتيجة متشابهة تقريبا مع بريطانيا وإيطاليا، مع تباعد في الدوافع التي أسهمت في تبني موقف ورفض آخر.

تصدت الصين للدفاع عن إثيوبيا في مجلس الأمن عندما رفعت مصر شكوى ضد الثانية، وتسعى بكين إلى أفرقة قضية سد النهضة، لأنها تعاني مشكلة شبيهة مع بعض دول الجوار، وتضع يديها على نصيب الأسد من المياه المشتركة، لذلك لم يعد الأمر الواقع يقتصر على دوله المباشرة، لكن هناك جهات تعمل على تغذيته من منطلق ما يحققه من فوائد مصيرية.

تفقد هذه التصرفات الهوية أو الركيزة التي يعتمد عليها النظام الدولي، ويمكن أن تتسبب في انهيار جزء معتبر من بنائه الذي جرى تدشينه عقب الحرب العالمية الثانية، وتؤدي إلى المزيد من الصراعات، وخلق بؤر جديدة يصعب تطويقها لاحقا، فكل دولة ستجد أن القانون الدولي لن ينصفها تلجأ إلى فرض الأمر الواقع بالقوة العسكرية أو الحيل الدبلوماسية، وهي طرق موجودة منذ زمن، غير أن كثافتها تقود إلى تصاعد حدة التجاذبات ورفع منسوب التوترات.

تتزامن هذه التطورات مع انكماش قوة عالمية مثل الولايات المتحدة التي تنسحب تدريجيا من مناطقها التقليدية، وتتصاعد أدوار قوى مثل الصين وروسيا على المستوى الدولي، وارتفاع سقف الأحلام التي تراود دولا مثل تركيا وإثيوبيا على المستوى الإقليمي، وكلما زادت حدة التراجعات والطموحات اصطحبت معها مجموعة من التغيرات التي تجعل الأمر الواقع مفتاحا في ممارسات بعض القوى، لأن التمسك بالقوانين والشرعية والحق والعدل من العوامل التي تحد من القدرة على الفعل

6