النظام الدولي يزداد هشاشة أمام ضرورة الحفاظ على السلام

السبت 2014/08/23
تطور الأسلحة والتكنولوجيات العسكرية يهدد بإنهاء الحياة على وجه الأرض

لندن- المآسي التي خلّفتها الحروب على مدى التاريخ في نفوس البشر، اشتدت ذروتها وزادت كلّما تطوّرت آليات القتل، وارتفعت أعداد الضحايا والمشردين. هذا الرعب الذي كانت الأسلحة والتقنيات التي استخدمت خلال الحربين العالمية الأولى والثانية وما أزهق بواسطتها من أرواح، خير برهان عليه، جعل العالم، في ظلّ ما يحفّ به من أخطار طارئة، يقف اليوم أمام مفترق أساسه طريقان؛ فإمّا دعم آليات وبرامج السلام، أو الدمار النهائي التام. جوهر هذه المعادلة تطرحه الباحثة باتريسيا لويس في دراسة لها، صادرة عن المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدولية "تشاتام هاوس".

في إطار إحياء مئوية بداية الحرب العالمية الأولى، ستؤول هذه المناسبة الأليمة بالبشرية قاطبة إلى إحياء الذكرى السبعين لنهاية الحرب العالمية الثانية، وسيواجه بذلك العالم تذكيرا صارخا بهشاشة نظامه الدولي عندما يتعلق الأمر بتجنب الصراعات والحروب.

منذ قرن مضى، أطلق هربرت جورج ويلز على الحرب العالمية الأولى اسم “الحرب التي ستنهي كل الحروب”، وهو تنبّؤ خاطئ بحكم فترة “السلام لوضع حد لجميع السلام” التي شهدها العالم آنذاك، والتي آلت إلى أهوال الحرب العالمية الثانية، وأشباه الحروب (الحروب البديلة) على غرار الحرب الباردة، وعنف الصراعات التي لا تنفك اليوم تؤثر بشكل كبير على المدنيين وتعبر الخطوط الحمراء التي يتوجب احترامها بموجب قوانين النزاع المسلح، لا سيما بتوفّر القوة العسكرية وبتضخم آلية الحرب بمختلف منظوماتها الدولية، وتعزيزها لمخاطر اندلاع حرب عالمية ثالثة. إذا ما أخذنا بعين الاعتبار جميع وسائل الحرب وأساليبها المعروفة -التقليدية، النووية، السيبرانية، الطائرات دون طيار، وغيرها- فسنكتشف أننا نملك اليوم الإمكانات العسكرية اللازمة لتدمير أنفسنا تماما.

العالم أضحى يدرك الآن مدى تزايد مخاطر الحروب بين الدول، ولا يمكن استبعاد حرب بين الدول الرئيسية في المستقبل

تعصف زوبعة العنف بالشرق الأوسط، في حين تستعد كلّ من أوروبا وروسيا للمواجهة في صراع حول أوكرانيا، كما تخوض الولايات المتحدة الأميركية مرة أخرى صراعات عسكرية في العراق، وبانسحاب منظمة حلف شمال الأطلسي من أراضيها، أصبحت أفغانستان ضعيفة. ولنا أن نضيف مناطق توتر أخرى إلى هذه اللائحة، على غرار نزاع حول الجزر في بحر الصين الجنوبي، والنزاعات في شبه الجزيرة الكورية وحول كشمير.

ومع ذلك، فقد تعلمنا الكثير، خلال القرن المنصرم، حول كيفية تجنب اندلاع الصراعات؛ فإثر الحرب العالمية الثانية، تقول الباحثة في دراستها: إنّ البشر قاموا بإنشاء الأمم المتحدة بهدف إنقاذ الأجيال المقبلة من أهوال الحرب. وتطوّر(أو لنقل نما) الاتحاد الأوروبي على مدى العقود من معاهدة تجارية إلى منظمة فازت بجائزة نوبل للسلام، في مكافأة على دورها في تحويل أوروبا من قارة حرب إلى قارة سلام. ولعب حلف شمال الأطلسي دوره في تعزيز التحالف عبر الأطلنطي الذي جمع العديد من البلدان الأوروبية حول قضية مشتركة، فمن شبه المستحيل اليوم تخيل نشوب حرب بين ألمانيا وفرنسا.

وقد تمّ إنشاء منظمات إقليمية أخرى في أفريقيا وآسيا وجنوب المحيط الهادئ والأميركتين. وأُنشئت العديد من الهيئات الدولية بغرض تنفيذ معاهدات نزع الأسلحة والأمن، وتم توجيهها من خلال خبرات المجتمع المدني؛ الجامعات ومراكز البحوث، بما في ذلك "تشاتام هاوس"الذي أُطلق في عام 1919 بهدف تفادي الحروب المستقبلية.
من جهة أخرى، تطرّقت باتريسيا لويس في دراستها الصادرة عن المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدولية "تشاتام هاوس"، إلى أنّه وفق “برنامج أوبسالا لبيانات الصراعات”، فقد شهد العالم 254 صراعا مسلحا منذ 1946، ويُصنف 114 منها كحروب (ويتمّ تعريفها بعدد الوفيات التي يؤدي إليها الصراع، في حال تجاوز العدد ألف ضحية في السنة). منذ نهاية الحرب الباردة، انخفض عدد الصراعات المسلحة بشكل ملحوظ: فمن مجموع 33 صراعا مسلحا تمّ إحصاؤها في سنة 2013، سبعة فقط صُنفت كحروب، وهو ما يُمثّل انخفاضا بنسبة 50 في المئة مقارنة بحصيلة سنة 1989.
التخصصات الأكاديمية الدارسة للحرب والسلام نفذت مجموعة غنية من الأبحاث تساعد على فهم كيفية اندلاع الحروب وتجنبها

وفي ذات السياق لفتت لويس إلى أنّ العديد من العوامل دعمت هذا التراجع الجذري في عدد الصراعات المسلحة، بما في ذلك انخفاض الحروب البديلة، ورعاية الأمم المتحدة لعملية السلام والتنمية الاقتصادية. وكشف بحث قام به “تقرير الأمن البشري” أنّ مفاوضات السلام واتفاقات وقف إطلاق النار تحُدّ من الصراعات العنيفة، حتى عندما تفشل في وضع حدّ نهائي لها. وقد تم التوقيع على ستة اتفاقات للسلام سنة 2013، وتمّ الاتفاق على أربعة أخرى في 2012.

خلال السنوات الأخيرة، وعلى الرغم من التصورات الشائعة، يبدو أنّ العالم تعلم كيفية إنشاء السلام والحفاظ عليه وفرضه من خلال العديد من الآليات؛ فقوانين الصراعات المسلحة تعمل رفقة قوانين حقوق الإنسان على حماية المدنيين، بالإضافة إلى المحكمة الجنائية الدولية ومحاكم جرائم الحرب، والعقوبات الاقتصادية والعسكرية واللجان المحلية للعدالة. وعلى الرغم من أن امتلاك الأسلحة النووية أو استخدامها -المحظور في معظم البلدان- لم يُحظر بعد على الصعيد العالمي، إلّا أنّ القانون الدولي يمنع امتلاك نظم الأسلحة المدمرة واستخدامها، مثل الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والألغام الأرضية المضادة للأفراد والذخائر العنقودية وأشعة الليزر المسببة للعمى.

في سياق آخر، أوضحت الدراسة أنّ التخصصات الأكاديمية الدارسة للحرب والسلام كانت قد نفّذت مجموعة غنية من الأبحاث من شأنها أن تساعد على فهم كيفية اندلاع الحروب، وكيفية تجنبها أو وضع حدّ لها، غير أنها خلصت إلى أنه لا يوجد أيّ منهج أو نظام مثالي، ولكن لنا أن ندرك كيف يمكن لندرة الموارد والتغير البيئي، والضغوط الاقتصادية، وتدفقات اللاجئين والعنصرية أن تكون عوامل أساسية مُولّدة للصراع. كما ندرك أهمية التاريخ والثقافة، ودور الجنسين، والسبل التي تجعل النظم السياسية مختلفة تزيد أو تقلل من مخاطر اندلاع الصراع.

254 عدد الصراعات المسلحة التي شهدها العالم منذ سنة 1946

ولأنّ الإنسان ينزع في أغلب الأحيان إلى تحليل الأمور والظواهر بعواطفه ظنّا منه أنه يُعمل عقله في تفكيك المسائل وبناء الاستنتاجات، فإنّه دائما ما يجد نفسه أما تهاو مطّرد لاستنتاجاته التي كان يعتقد أنها سليمة في المطلق، وكمثال جلي على ذلك؛ فقد اعتقد الكثيرون، في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، أنّ (تحضّر/حضارة) أوروبا سيمنعها حتما من خوض الحرب. وقبيل الحرب العالمية الثانية، علقت الشعوب آمالها على إمكانية احتواء العدوان النازي لألمانيا.

ووفق ما سبق، فقد عمدت باتريسيا لويس في دراستها الصادرة عن المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدولية “تشاتام هاوس″، إلى تبيان أنّ البشر يميلون في معظم حالات الحرب إلى الإفراط في التفاؤل، وفق عواطفهم، حول طول فترة امتداد الصراع ونطاقه، أبعاده ونتائجه، ثمّ خلصت إلى أنّ الوقت قد حان لأن يتخلّوا عن آمالهم الواهية وأن يفكّروا بواقعية أكثر في مسائل الحرب والسلام وفي أنفسنا أيضا. فالعالم، اليوم، تقول لويس، “أصبح يعرف الكثير عن كيفية تجنّب الحرب، ونحن مدينون للكثيرين الذين ضحوا بحيواتهم ولأسرهم أيضا، حتّى نتمكن اليوم من بلوغ هذا المستوى من الوعي والإدراك. لذلك علينا أن نفعل كلّ ما بوسعنا لضمان السلام في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا وجل مناطق العالم للأجيال القادمة”.

6