النظام الرئاسي في تركيا يثبت فشله في أول انتخابات

أغلب الناخبين في المدن التركية الكبرى أيقنوا بكل تجرد وبموجب الأزمة الاقتصادية أن خطر البقاء، الذي طالما حدثتهم عنه حكومة حزب العدالة والتنمية طوال 17 عاما، كان المقصود به بقاؤها هي وليس بقاء الدولة أو انهيارها كما كانوا يزعمون.
الأحد 2019/04/07
الأمور لم تعد في صالح حزب العدالة والتنمية

عندما جلست لأكتب هذا المقال لم تكن أي من وكالة أنباء الأناضول الرسمية أو اللجنة العليا للانتخابات قد أعلنت النتيجة النهائية في إسطنبول، ولكن الأمور كانت قد بدأت تتضح منذ منتصف ليلة الجمعة؛ كان الأمر قد حُسِمَ تقريبا لصالح مرشح حزب الشعب الجمهوري أكرم إمام أوغلو.

كانت البيانات الأخيرة الصادرة عن اللجنة العليا للانتخابات تؤكد فوز إمام أوغلو.

وإذا أردنا الدقة، فقد كانت انتخابات 24 يونيو الأخيرة إشارة مهّدت لما شهدناه اليوم، ثم جاءت هذه الانتخابات لتؤكد هذه الصورة؛ فعلى الرغم مما يتمتع به تحالف الشعب من إمكانات الإدارة، والإمكانات المادية والتشريعية، بالإضافة إلى الآلة الإعلامية التي تسانده على الدوام، إلا أنه لم يحقق الفوز في معظم المحافظات الكبيرة مثل أنقرة وإسطنبول وأنطاليا وأضنة، بالإضافة إلى المحافظات ذات الأغلبية الكردية التي نصَّب عليها حارسا قضائيا.

استطاع حزب المعارضة الرئيس، الذي عجز عن التغلب على التحالف الذي أقامه أردوغان وبهجلي خلال العديد من الانتخابات السابقة، والذي امتنع عن الوقوف إلى جوار الأكراد تحت ضغط الحزب الصالح، أن يقضي على هيمنة حزب العدالة والتنمية في المدن المهمة بمساعدة من الأكراد أنفسهم.

أظهر الأكراد أن لديهم المقدرة على تغيير كفّة التوازنات في هذه الانتخابات، وبعثوا بذلك برسالة واضحة إلى جموع الشعب التركي؛ مفادها “نحن هنا، لا يمكن لأحد أن ينكر وجودنا”. ظهر هذا جليّا سواء من خلال الاستراتيجية العقلانية، التي اتبعها حزب الشعوب الديمقراطي أو من خلال الرسائل التي بعث بها دميرطاش، ورغبته في توجيه الشكر، على أرض الواقع إلى الناخبين من حزب الشعب الجمهوري، الذين صوتوا بشكل مؤثر لصالح حزب الشعوب الديمقراطي في انتخابات 7 يونيو و 24 يونيو.

أظهرت هذه الانتخابات أيضا أن حزب العدالة والتنمية قد خسر دعم الناخبين في المناطق الحضرية ذات الكثافة السكانية العالية، وكشفت عجزه عن إقناع الشباب والناخبين الجدد في تلك المناطق بسياسته. وقد بدا هذا الاتجاه أكثر وضوحا منذ عام 2015.

وعلى الرغم من محاولة حزب العدالة والتنمية التخفيف من حدة سياسته التمييزية التي اتبعها خلال عدد من الانتخابات الأخيرة بحديثه عن البقاء، والحفاظ على الدولة، إلا أن محاولته تلك، لأجل استعادة دعم المواطنين له في المدن الكبيرة، قد باءت بالفشل في ظل الأزمة الاقتصادية المتصاعدة.

لم يعد حزب العدالة والتنمية يقدّم جديدا في جميع خطاباته الموجهة إلى مناصريه. ومن ثم اتبع في حديثه إلى الشعب التركي منهجا جديدا؛ استند فيه إلى استراتيجية حاول من خلالها توجيه الشعب التركي إلى الإيمان بحكايات وقصص غير واقعية عن طريق زيادة جرعة اللاعقلانية التي من شأنها تدمير إدراك المواطن لواقع المجتمع.

ولكن عندما اصطدم أغلب الناخبين في المدن الكبرى بالحقيقة المؤلمة، بعدما فقدوا عملهم وقوت يومهم، واضطروا إلى الوقوف في طوابير طويلة؛ من أجل الحصول على البطاطس والبصل، وصاروا أكثر فقرا مع كل يوم يمر عليهم، حينها أيقنوا بكل تجرّد أن خطر البقاء، الذي طالما حدَّثتهم عنه حكومة حزب العدالة والتنمية طوال 17 عاما، كان المقصود به بقاؤها هي، وليس بقاء الدولة أو انهيارها كما كانوا يزعمون.

عندما أدرك أردوغان أن الناخبين في العاصمة والمدن الكبرى أداروا وجوههم عن السلطة الحاكمة، وأنه عجز عن إزالة تخوفهم من الوضع الراهن، لجأ إلى استراتيجية أخرى لمنع الناخبين من الذهاب إلى مكان آخر؛ فاتخذ خطوة محفوفة بالمخاطر، وحوَّل الانتخابات المحلية إلى ما يشبه الاستفتاء على شخصه هو.

والحق يُقال، إنه قد نجح في هذا الأمر، ولو بشكل جزئي، وتمكن من إيقاف هذا النزيف إلى حد ما. وعلى الرغم من نجاح هذه الاستراتيجية في منع حدوث الهزيمة الكاملة، إلا أنها لم تمنع سقوطه في المدن الكبيرة.

يبدو أن حزب العدالة والتنمية سيتحول بالتدريج، بعد هذه الانتخابات، إلى حزب محاصر في وسط الأناضول، وسينحصر وجوده بشكل جزئي في منطقة البحر الأسود. ومن الطبيعي أن تضعُف قبضته على المدن الكبرى كذلك. وهذا يعني أن مجريات الأمور لن تكون في صالحه، خاصة مع تفاقم الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي يتعيّن عليه التغلب عليها.

من ناحية أخرى، لا يمكن الجزم إن كان حزب الحركة القومية، الذي يبدو في الظاهر مؤيدا لحزب العدالة والتنمية، سيستمر في دعمه لأردوغان وحزبه أم لا، خاصة مع تفاقم المشكلات الاقتصادية. وتُظهر الصورة الحالية، إضافة إلى هذا، أن حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية ينظران في علاقتهما بحزب الحركة القومية من نفس المنظور تقريبا. لذلك، فلن يكون مستغربا أن يتحول التعاون في ما بينهما إلى تنافس على السلطة.

لم يعد حزب العدالة والتنمية يقدّم جديدا في جميع خطاباته الموجهة إلى مناصريه
لم يعد حزب العدالة والتنمية يقدّم جديدا في جميع خطاباته الموجهة إلى مناصريه

من ناحية أخرى، فلا شك أن أردوغان نفسه، بخطاباته وسياسته، كان السبب في جعل حزب الحركة القومية يجني أكبر قدر من المكاسب من هذا التحالف. وإن كنا لا نعتقد أن يشهد هذا التحالف تفككا على المدى القريب، على الأقل، فهذا لا يعني أن الوضع الحالي يلقى قبولا واستحسانا لدى حزب العدالة والتنمية.

علاوة على ذلك، فإن حزب الحركة القومية قد بنى أيديولوجيته السياسية الخاصة على خطابات أردوغان؛ أي أنه كان يستفيد بشكل كبير من الحملات الدعائية، والتصريحات التي يدلي بها أردوغان وحزبه في كل محافظة ومدينة يقصدها، وكل شاشة يظهر عليها، دون أن يبذل جهدا حقيقيا في هذا. ومن الطبيعي أن أمرا كهذا كان يُقابل بحالة من عدم الارتياح على مستوى قاعدة حزب العدالة والتنمية. وستُزيد الخسارة الثقيلة التي تكبّدها حزب العدالة والتنمية في أنقرة وإسطنبول، على وجه الخصوص، من صعوبة الأمر، خاصة أنه ظل يحتفظ بأصواتهما طوال 25 عاما. ومن المؤكد أن حزب العدالة والتنمية لن يترك إعراض الكثير من الناخبين المناصرين لحزب الحركة القومية عن التصويت لصالح مرشح التحالف، وتحوُّلهم إلى التصويت لصالح مرشح حزب الشعب الجمهوري في أنقرة منصور يافاش، من دون مساءلة.

من ناحية أخرى، فإن استمرار أردوغان في الحكم أصبح مرتبطا، بشكل كبير، باستمرار الائتلاف الذي كوَّنه مع حزب الحركة القومية. لهذا السبب، يمكن القول إن أردوغان صار أكثر احتياجا لحزب الحركة القومية أكثر من أي وقت مضى.

وعلى الجانب الآخر، لا يمكن للمعارضة أن تركن إلى الدعوة بالقول إنها حققت نجاحا كبيرا؛ فعلى الرغم من أن أحزاب المعارضة حققت فوزا ثمينا في المدن الكبرى، إلا أن هذا لا يعد مؤشرا على حدوث توازن سياسي جديد في تلك المحافظات؛ لأنه من المرجح أن يعطي الجميع الأولوية للحفاظ على موقعه، في ظل مناخ تزداد فيه الأزمة الاقتصادية حدّة يوما بعد يوم.

ومهما يكن، فعلى الرغم من أن هذه الانتخابات لم تتمخض عن هزيمة صريحة للسلطة الحالية، كما أنها لا تعني فوزا صريحا للمعارضة، إلا أنها أظهرت لنا، بما لا يدع مجالا للشك، أن الأمر يفتح مجالا كبيرا للنضال من أجل الديمقراطية. وهذه النقطة في حد ذاتها أمر مهم للغاية.

علاوة على ذلك، فقد خسر النظام الجديد، الذي يطلق عليه اسم النظام الرئاسي، في أول انتخابات له. وهذا يعني أن المجتمع سجل اعتراضه على أرض الواقع على نظام الحكم الجديد. والأهم من هذا كله، أن الشعب التركي نجح في تجاوز عتبة الخوف واليأس التي ظل يعاني منها لوقت طويل، وصار في إمكاننا التطلع إلى المستقبل بالمزيد من الأمل.

أود في النهاية أن أؤكد أن البطل الحقيقي في هذه الانتخابات هو أكرم إمام أوغلو، الذي استطاع بحملته الانتخابية، التي احتضنت الجميع دون استثناء، وبإيمانه وثقته في نفسه، أن يترك تأثيرا إيجابيا لدى الناخبين في إسطنبول. وأقل ما يوصف به أداؤه في إدارة الأزمة التي حدثت ليلة الانتخابات أنه كان رائعا. استطاع إمام أوغلو أن يستميل القلوب إليه بوجهه الباسم وإرادته الصلبة؛ لذلك فلا أبالغ إذا قلتُ إن هذا الرجل سيجعل الأمر أكثر صعوبة على أردوغان في المرحلة القادمة.

6