النظام السوداني.. الشيء ونقيضه

الاثنين 2015/03/02

مؤكد أن النظام الحاكم في السودان يملك درجة من المناورة السياسية، ولديه فطنة وحنكة في التعامل مع الخصوم في الداخل والخارج، الأمر الذي مكنه من تجاوز مجموعة كبيرة من العثرات والأزمات، أقلها كان كفيلا بأن يؤدي به إلى الانهيار منذ فترة طويلة.

المناورة توقع صاحبها أحيانا في تناقضات، فتجعله يقبل الشيء وعكسه، أو يتصرف بطريقة في العلن، وأخرى بعيدة عنها تماما في السر، حيث يصعب الربط بينهما، لكن عند النظام الحاكم في السودان، تبدو التصرفات المتعارضة واضحة ومع ذلك يصر عليها، لأن الظروف التي تجبره على اتخاذ موقف معين أو إطلاق تصريح محدد، قد تفرض عليه شيئا مختلفا.

ولم تعد هذه العادة غريبة، بل تحولت إلى ما يشبه الإدمان السياسي، لذلك ربما يفقد تبدل المواقف قيمته عند كثيرين، دولا وأشخاصا، وخلال الفترة القصيرة الماضية طفت على السطح تجليّات جعلت من هذه المسألة ظاهرة سودانية بامتياز.

المراقب للعلاقات بين الخرطوم وواشنطن يستطيع تلمّس تجليات ظاهرة الشيء ونقيضه، ففي الوقت الذي قام فيه إبراهيم غندور مساعد الرئيس السوداني بأول زيارة رسمية لمسؤول رفيع إلى الولايات المتحدة منذ فترة، عزفت بعض وسائل الإعلام معزوفة الإدانة للتصورات الأميركية حيال السودان، في حين أن هذه الزيارة تلاها مباشرة تخفيف العقوبات الاقتصادية على الخرطوم التي فرضتها واشنطن منذ حوالي عشرين عاما، ومع أن التخفيف ارتبط بالسماح بتصدير معدات تكنولوجية وهواتف نقالة أميركية، غير أنها فهمت على أنها إشارة تفيد تحسّن العلاقات، وهو ما يسير في اتجاه مخالف لما روّجت له قيادات في حزب المؤتمر الوطني.

تناقض آخر كان ملحوظا خلال الأيام الماضية، يتعلق بالموقف من ليبيا، فالنظام السوداني متهم من حكومة عبدالله الثني بدعم إسلاميين متشددين، وصلت إلى حد إرسال شحنات من الأسلحة وتصدير واستقبال متطرفين، من وإلى ليبيا عبر دارفور، لكنه عاد وانحنى للعاصفة واعترف بالحكومة في طبرق، وأعلن تحلله من دعم الحكومة والبرلمان الموازيين في طرابلس، وحتى هذا الاعتراف الذي كان محل تقدير ظاهر من الحكومة الليبية، لم يمنع الخرطوم من الاستمرار في تعاطفها مع المتشددين.

خذ مثلا التصريحات الصحفية التي أطلقها عمر البشير ضد الضربات الجوية المصرية ردا على ذبح داعش لـ21 مواطنا مصريا، حيث أدانها واعتبرها تدخلا في الشأن الليبي، ما كان له أن يكون، جاء ذلك في الوقت الذي بلغت فيه العلاقات بين القاهرة والخرطوم درجة من التحسّن، وبدا التفاهم حاضرا بين الطرفين في ملف مياه النيل، أفضل من ذي قبل، وجرى تجاوز عقبة سقوط حكم الإخوان، واتجهت العلاقات نحو مزيد المتانة انطلاقا من قاعدة المصالح المشتركة.

التناقض الأكثر إثارة على المستوى الخارجي يخص الموقف من إيران، ففي الوقت الذي أعلنت الخرطوم عن إغلاق مراكز ثقافية شيعية في السودان، حافظت العلاقات على حرارتها الخفية، واستمر التعاون والتنسيق في بعض الملفات العسكرية، كما أن الخرطوم بعثت برسائل تطمين لكثير من الجهات العربية، في مقدمتها دول خليجية، بشأن طبيعة علاقتها مع طهران، وأنها لا تتجاوز الحدود العادية، وحملت زيارة الرئيس عمر البشير لدولة الإمارات العربية المتحدة الأسبوع الماضي ملامح جديدة للتطمين، غير أن المعلومات المتوفرة أكدت أن السودان لا يزال محافظا على ورقة إيران ولن يفرط فيها، لأنها إحدى أوراق الضغط المهمة التي يملكها، ويستطيع أن يناور بها، في ظل التعقيدات الراهنة في البيئة الإقليمية.

إذا كانت التناقضات على الصعيد الخارجي، تم توظيفها أملا في تحقيق الأهداف السياسية، فإنها على المستوى المحلي أفقدت الثقة في النظام السوداني، حتى لو مكنته من مواجهة عواصف سياسية وأمنية كثيرة، فالحوار الوطني الذي أطلقه البشير منذ أكثر من عام لم يتقدم شبرا واحدا، ومصمّم على التمسك به، يسير بالتوازي مع حملة طالت اعتقال عدد من قيادات المعارضة، وعملية تكبيل للحريات غير مسبوقة، وصلت إلى حد مصادرة أعداد 14 صحيفة دفعة واحدة منذ حوالي أسبوعين.

أضف إلى ذلك أن ترتيبات إجراء الانتخابات، الرئاسية والبرلمانية والولاياتية، مستمرة والنظام مصر على إتمامها في موعدها خلال أبريل المقبل، رغم الاعتراضات الشديدة عليها، والتي كشف النظام عن تفهمه لغالبيتها، وأعلن عن الأخذ بها، لكنه ضرب عرض الحائط بكل التحفظات، ويمضي في طريق إجراء الانتخابات، وهو ما أفضى إلى خروج الصدام مع قوى المعارضة من إطاره التقليدي الهادئ إلى إطار أشد قسوة.

وسط الأجواء الملتهبة جدد النظام السوداني دعوته للحوار، والأدهى أن الرئيس البشير طلب اعتذارا من بعض قيادات المعارضة للإفراج عنها (فاروق أبو عيسى وأمين مكي)، أو العفو عنها والسماح بالعودة للبلاد، مثل الصادق المهدي، وكلها إشارات تكشف تناقض في السياسات السودانية.

الازدواجية التي أصبحت سمة تشوب النظام السوداني، ظهرت أقوى معالمها في الخلافات المفتعلة بينه وبين بعض رموز التيار الإسلامي، مثل حسن الترابي وغازي صلاح الدين، ربما يكون جزء منها يتعلق بالصراع على السلطة، لكن هناك جزءا مهما يخص محاولة نفي علاقة الزواج الكاثوليكي بين حزب المؤتمر الوطني والتيار الإسلامي، الذي تأوي الخرطوم بعض رموزه المصرية، لكن تناست أن مواقفها الإيجابية من التيار عموما في المنطقة، تؤكد هذا الزواج.

إذا كان منهج الشيء ونقيضه، حافظ على استمرار نظام البشير فترة غير هيّنة، فإنه كبّد البلاد خسائر كبيرة، أسوأها انفصال جنوب السودان، ويمكن أن يكبّدها المزيد طالما أصر النظام الحالي على عدم التخلي عن مناوراته المكشوفة.


كاتب مصري

9