النظام السوداني.. ضلال الغاوين ومذكرة الإصلاحيين

الخميس 2013/10/03

لم يقف العنف والقمع الذي قابلت به الحكومة السودانية المظاهرات التي اندلعت مؤخراً بسبب رفع الدعم عن الوقود، عند المحتجين في الشوارع والأحياء السكنية ولكنه امتد ليشمل الصحفيين ومراسلي الوكالات والفضائيات العربية والأجنبية.

وتبدى في مظاهرات 23 سبتمبر، شكل آخر من صراع العبارات، حيث استنفرت الحكومة أجهزة إعلامها وصحفها لإفراغ الاحتجاجات الشعبية من محتواها لتضليل الرأي العام الدولي. وجاء على لسان وزير الداخلية السوداني إبراهيم محمود إن الأوضاع هادئة في البلاد، وأن صور القتلى المنشورة على الإنترنت هي من مصر.

ومثلما زعم النظام السوري في كلمة وزير خارجيته وليد المعلم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع الماضي بأنّ إرهابيين من أكثر من 83 دولة يقاتلون في سوريا، ألقت الحكومة السودانية نفس التهمة لتشويه صورة المحتجين في المظاهرات الأخيرة ووصفها بأنها تخريبية. واستبق النظام السوداني الاتهام الذي روج له بعض الناشطين على الأنترنت بأنه استعان بمرتزقة من كينيا مثلما فعلت ليبيا القذافي، وذلك حتى تحملهم قبح المواجهة الشرسة نيابة عن الشرطة والقوات المسلحة. وهؤلاء لا يتوانون عن استخدام الرصاص والغاز المسيل للدموع المشل للأعصاب، وقيل أنّ الحكومة استوردته من إيران والصين. ثم استفادت الحكومة من التشابه في الملامح والسحنات بينهم وبين جنود قوات الجبهة الثورية لتعمل على تضليل الرأي العام.

أكثر ما يخشاه النظام في السودان هو الكلمة فيردها بالسلاح ولكنه لم يحسب لكلمة خرجت من ثنايا حزب المؤتمر الوطني الحاكم نفسه. ضمّن الجناح الإصلاحي داخل الحزب الحاكم في مذكرته معارضة صريحة للقمع الذي جوبهت به المظاهرات المعارضة لإلغاء الدعم عن المحروقات. كما أعربت المذكرة عن أن الاجراءات الاقتصادية التي وضعتها الحكومة والقمع الذي مارسته ضد المحتجين أبعد ما يكون عن التسامح وعن الحق في التعبير السلمي. ودعت المجموعة عبر مذكرتها، الحكومة إلى التراجع عن قرارها في زيادة أسعار الوقود الذي أدى إلى اندلاع هذه الاحتجاجات في السودان. وتعدّ هذه المذكرة الموقعة من 31 مسؤولا بالحزب ضربة موجعة شقت صف المؤتمر الوطني، وأخرجت من بين مخالب صقوره الجارحة، رسالة إصلاح يُدفع بها إلى الرئيس عمر البشير تستنكر فعل العنف وتجرمه. ومن أبرز الموقعين على هذه المذكرة غازي صلاح الدين العتباني مستشار الرئيس السابق، والعميد السابق في الجيش السوداني محمد إبراهيم قائد المحاولة الانقلابية الأخيرة، ومجموعة ضباط متقاعدين في الجيش والشرطة، وأعضاء في البرلمان، ووزير سابق.

يؤكد هذا الانشقاق عزلة النظام، وأنه أصبح بلا قاعدة اجتماعية، وفقد شعبيته التي كان يجنيها من اللقاءات الجماهيرية التي كان يصرف عليها ببذخ. كما فقد ركنه الركين المتمثل في التعبئة الاجتماعية. ويعتبر الانشقاق الثاني بعد قرارات المفاصلة الشهيرة في رمضان من العام 1999 والتي أحدثت الانشقاق الأكبر في الحركة الإسلامية وأبعدت حسن الترابي، والذي فقدت إثره الحركة الإسلامية مشروعيتها ثم جاهدت لتستعيدها من جديد.

أما الحكومة فلم تعد تخشى على مشروعيتها المفقودة، جراء القمع الذي مارسته ضد المظاهرات الشعبية. فقد كان هذا فيما مضى يمثل أكبر تحد واجهها كنظام يعمل في ظل الحركة الإسلامية، خاصة بعد أن حلت الحكومة هذه الحركة بعد استيلائها على الحكم عام 1989. وأصبحت بعدها الحركة بلا أجهزة تنظيمية ولا مميزات ولا شخصية اعتبارية.

لم يتم تهميش هؤلاء الإصلاحيين بوجههم الإسلامي، ولكن تم الإبقاء عليهم ليتحملوا نيابة عن النظام وصمة الانقلاب العسكري على نظام ديمقراطي قام على انتخابات شعبية. وهو ما دعا أصحاب المذكرة الإصلاحية إلى المطالبة بتشكيل آلية وفاق وطني من القوى السياسية، وإيقاف الرقابة على وسائل الإعلام، وإطلاق الحريات ومن بينها حرية التظاهر السلمي، وإجراء تحقيقات محايدة حول إطلاق الذخيرة الحية على المواطنين ومعاقبة المسؤولين عنه، وتعويض المواطنين المتضررين جراء القتل والجراحات.

ندّد أصحاب المذكرة باستخدام الحكومة للعنف، وهو تنديد متأخر نسبيا لأن الحكومة لم تكفّ خلال ما يقارب ربع القرن من حكمها عن استخدامه. وهي بهذا تواصل استخدام العنف السياسي المزين بغطاء الدين كمبرر لدورها الرسالي، حتى وصلت إلى سلطة تحتكر العنف باسم الدولة. فحينما حاول المنشقون الأوائل مراجعة وضعهم باعتبارهم مسؤولين عن تسليم حكومة الإنقاذ مقاليد السلطة كان لابد لهم من الإقرار أولا بأنهم السند الأساسي لها. واليوم لابد لأفراد هذه المجموعة التي تود التغيير من داخل النظام، أن يقروا أولا بأنهم أدواتها قبل أن يتغيروا عنها، وأن قبضة الحكومة القاضية قد تفسح المجال إلى تغيير من داخل النظام أو إلى لا تغيير.


كاتبة سودانية

9