النظام السوداني نفخ في نار القبلية فارتدت عليه

باتت القبائل العربية وبعض رموزها تشكل صداعا مزمنا للحكومة السودانية، بعد أن قويت شوكتها وصارت صاحبة الكلمة العليا في مناطقها، وليس أدل على ذلك من سيطرتها على مناجم الذهب في دارفور.
الجمعة 2017/01/06
علاقة ملتبسة بين هلال والبشير

الخرطوم - عمل النظام السوداني على مدار العقدين الأخيرين على تثبيت نظام حكمه بالاستقواء بالقبائل العربية والميليشيات المحسوبة عليها على غرار ميليشيا الجنجويد ذائعة الصيت، خاصة بالأقاليم التي تشهد اضطرابات على غرار دارفور غربي السودان.

وقد أمد النظام هذه القبائل بالدعم المالي ومنحها صلاحيات واسعة في مناطقها، كما منح الميليشيات المتكونة من أبناء هذه القبائل امتيازات فاقت تلك المخصصة للجيش والأجهزة الأمنية، التي تعيش وضعا مزريا من ناحية الإمكانات وأيضا من الناحية المالية.

ولكن هذا الأمر بات يعطي نتائج عكسية حيث صارت القبائل أقوى من الدولة، وهي تتصارع في ما بينها لتثبيت تفوقها ونفوذها، وباتت رموز الميليشيات التي ضخت لها أموال طائلة، صاحبة اليد الطولى في الكثير من المناطق خاصة الغنية بالموارد الطبيعية، وقد استقدمت إلى هناك الآلاف من العناصر الأجنبية لتعزيز نفوذها وسطوتها.

وأعلنت الحكومة السودانية مؤخرا، أن حوالي ثلاثة آلاف “مسلح أجنبي” وآخرين سودانيين سيطروا على منجم للتنقيب عن الذهب في شمال إقليم دارفور المضطرب دون أن تحدد متى تم ذلك أو إلى أي جهة ينتمي المسلحون أو جنسياتهم.

ويقع المنجم في منطقة جبل عامر شمال غرب الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور وهي منطقة شهدت في العام 2013 مواجهات بين قبيلتي “الرزيقات” و”بني حسين” العربيتين، مخلفة ألف قتيل.

وقال وزير الداخلية عصمت عبدالرحمن وهو يتحدث للبرلمان “لا يوجد حصر واقعي لعدد الأجانب في جبل عامر، ولكنه يقدر بحوالي 3 آلاف وفدوا متسللين للمنطقة وساعدهم التداخل القبلي والظروف الأمنية”.

وأضاف الوزير أن “الشرطة حاولت الدخول إلى المنطقة وحدثت مواجهة وخسرنا أرواحا وعربات لم تعد حتى الآن”، دون أن يحدد متى حدثت هذه المواجهة في المنطقة التي يسميها الأهالي “جبل الكنز” لغناها بالذهب.

عصمت عبدالرحمن: الشرطة ليست لديها أسلحة تخولها استعادة المنجم من المسلحين

وأعلن “مجلس الصحوى الثوري” التابع للزعيم القبلي العربي موسى هلال في دارفور في العام 2015 سيطرته على جبل عامر وأنه لن يسمح لأي جهة بالدخول إلى المنطقة إلا بتصريح كتابي صادر عنه أو عن القبائل المتحالفة معه.

وأشار تقرير صادر عن لجنة حظر توريد السلاح إلى دارفور بالأمم المتحدة في أبريل من العام الماضي إلى أن الزعيم القبلي موسى هلال حصل على 45 مليون دولار من عوائد التنقيب عن الذهب في منطقة جبل عامر، ولكن التقرير لم ينشر بسبب اعتراض مندوب روسيا في مجلس الأمن الدولي عليه.

وأكد التقرير أن هلال يتعاون مع القوات الحكومية السودانية وينخرط فى تعاملات مالية بالملايين من الدولارات عبر بنك السودان المركزي. وأوضح أن البنك المركزي الذي يسهل تجارة الذهب فشل في الامتثال لواجبه بتجميد أرصدة موسى هلال، كما أن الحكومة السودانية تسمح له بالسفر إلى الخارج.

والعلاقة بين النظام وموسى هلال الذي كان أحد أبرز قيادات ميليشيا الجنجويد هي علاقة ملتبسة، فسبق أن زج به النظام في السجن في العام 2002 لاتهامه بارتكاب جرائم في دارفور ليطلق سراحه في العام 2003، حيث لعب هلال دورا بارزا في حملة التطهير العرقي التي شنها النظام في إقليم دارفور (في 2003 و2004).

وكمكافأة له، تم منح موسى هلال وهو عضو في المؤتمر الوطني الحاكم، منصب مستشار في وزارة الحكم المحلي في العام 2008، وأيضا نائب بالبرلمان.

ولكن العلاقة بين النظام وهلال توترت مجددا في العام 2013 وغادر على إثر ذلك الخرطوم إلى دارفور، ومنذ ذلك الوقت تجري وساطات بين الطرفين، مع الإشارة إلى أن المناصب التي حظي بها هلال لم يعزل منها.

ويحظى هلال في دارفور بمكانة كبيرة بين القبائل العربية، ونجح في أن يتحول إلى رقم صعب يصعب على النظام تجاوزه.

وقال وزير داخلية السودان إن الشرطة السودانية ليست لديها أسلحة تخولها استعادة المنجم من المسلحين، وقال “لا بد من وجود قوات قوية قوات ردع بنفس الطريقة وبمثل الأسلحة التي يمتلكونها”.

وأضاف عصمت عبدالرحمن أن المنطقة الآن “تحتاج لتسليح كبير متنوع ومتطور لا يتوفر للشرطة حاليا”.

ويستبعد مراقبون أن يقدم النظام على شن حملة عسكرية ضد هلال، في ظل شكوك كبيرة حول أن العلاقة مازالت قوية بين الجانبين.

للمزيد:

الترهيب والترغيب ذرائع الدول الكبرى للسيطرة على السودان

2