النظام السوداني يتمسك بتوجهاته الإسلامية

لا يتوانى الرئيس البشير على التذكير بمرجعيته الإسلامية في خطاب يوجهه إلى الداخل، لكن في حقيقته لا يخلو من مرام خارجية، هدفها التأكيد أنه لا يزال يملك قاعدة شعبية.
الاثنين 2018/11/19
المؤتمر التاسع للحركة الإسلامية منح البشير فرصة لتصويب مسار العلاقات داخل الحركة وتعديل الدفة

الانفتاح الذي ظهر في علاقات السودان مع دوائر إقليمية ودولية عدة مؤخرا، كاد ينسي كثيرين الميول الأيديولوجية لنظامه، حتى جاء انعقاد المؤتمر التاسع للحركة الإسلامية خلال الفترة من 15- 17 نوفمبر، فجرى التدبر في وجود علاقة وثيقة ومستمرة تربط حزب المؤتمر الوطني الحاكم في الخرطوم بالحركة الأم.

في كل مؤتمر للحركة الإسلامية يتجدد الحديث عن حدود الاقتراب والابتعاد عن النظام الحاكم، وفي كل مرة تتأكد متانة العلاقة، لكن هذه المرة كان الوضع أكثر أهمية لأنه جاء بعد شكوك جهات اعتقدت أن انفصاما وقع بين الجانبين، وسلسلة من الإجراءات القاسية اتخذتها الخرطوم، أدت إلى انزواء قيادات كبيرة في الحركة عن واجهة الحزب.

لم يخف الرئيس عمر حسن البشير ميوله الإسلامية في الكلمة التي ألقاها في افتتاح المؤتمر التاسع ودغدغت مشاعر نحو 4 آلاف عضو في القاعة ومئات الآلاف تسمّروا أمام الشاشات، وتعمّد ترديد أناشيد دينية عبّرت عن التمسّك بهويته، وبدت متناغمة مع كلمات قيادات عديدة في الحركة شددت على أن حزب المؤتمر الوطني هو الذراع السياسي لها، وهي المعين الفكري والدعوي له، ونفي التكهنات التي راجت حول انشقاق الحركة وتبعيتها لقوى إسلامية أخرى، ليس من بينها المؤتمر الوطني.

الحركة تحرص منذ فترة على تقديم نفسها باعتبارها وعاء شاملا يستوعب جميع الأحزاب ذات الميول الإسلامية في السودان (المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي والإصلاح وغيرها) وهو ما جعل الرئيس البشير يحرص على عدم التفريط فيها والاستفادة من امتداداتها الخارجية، وما تقدمه له من قاعدة شعبية تسانده وتساعده على الصمود وسط العواصف التي تستهدفه، وتمنع عنه تمادي بعض الأحزاب الإسلامية في خصومته السياسية.

النظام السوداني، يستهويه الدور الإقليمي الذي يريد أن يقوم به بشأن تهدئة الصراعات في المنطقة، فبعد النجاح الذي تحقق في أزمة جنوب السودان، مدت الخرطوم بصرها إلى أفريقيا الوسطى

الملاحظ أن المسافات التي تبدو متباعدة بين البشير وبعض قيادات الحركة الإسلامية، تتلاشى عند المحكات الصعبة، ويظهر التقارب لافتا عندما يجدون تهديدا داهما، ويستوعبون محاولات الإقصاء ويتفهمون دواعي التجميد والتهميش إذا كانت هناك ضرورة لذلك، والتزام بالثوابت الرئيسية وعدم التفريط في القواعد التاريخية التي تجمعهم.

الرئيس البشير عصف بقيادات كبيرة في الحركة خلال السنوات الماضية، مثل علي عثمان محمد طه ونافع علي نافع وغازي صلاح الدين، وقبلهم شيخه الراحل حسن الترابي، وازدادت عملية التصفية حدة وطالت كوادر من الصف الثاني في الأشهر الماضية، عندما قررت الخرطوم القيام باستدارة كبيرة في الفضاءين الإقليمي والدولي، لتوصيل رسالة تشي بقطيعة سياسية مع الحركة الإسلامية.

الدافع لهذا التحول الظاهر لم يكن شخصيا أو يتعلق ببراغماتية البشير فقط، لكنه حمل في طياته أبعادا سياسية، فقد وجد النظام السوداني نفسه أمام تحديات متعاظمة تتطلب تجاوز العقبات عبر التحلي بمزيد من المرونة، وفرص متعاظمة تستوجب الاستعداد لدور إقليمي واعد، يمكن أن يحقق مجموعة من المكاسب الإستراتيجية.

الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تفتح له بعض الأبواب والنوافذ الخارجية هي قدرته على تقليص دور العناصر الإسلامية القوية في الحزب، بعد أن راحت تستقوي برديفها في الحركة، وأصبحت ولاءاتها تتوزع على أجنحة متباينة، وأحدثت عمليات الإقصاء المتتالية صداها الإيجابي، وجرت حوارات ومناقشات على إثرها لتوسيع نطاق تعاون المجتمع الدولي مع الخرطوم في مجال مكافحة الإرهاب، وإطفاء بعض حرائقه السياسية والعسكرية.

الربط بين التيار الإسلامي والإرهاب بات منهجا لدى دول كثيرة، ونجحت الخطوات التي اتخذتها مصر والسعودية والإمارات ضد الجماعات المتشددة والدول الداعمة لها في وضع هذا الملف على الطاولة العالمية، عقب المعاناة التي لقيتها دول غربية مختلفة.

وكان من الصعوبة أن تتجاهل الخرطوم دلالات هذه التحركات، بحكم ارتباطها السابق بعدد من الرموز والأحداث المتعلقة بالتشدد والإرهاب، فإذا لم تنخرط في الحرب عليهما، ربما تصبح رقبة النظام الحاكم السياسية تحت مقصلة جديدة، لا تقل خطورة عن مقصلة المحكمة الجنائية الدولية، التي لا تزال ورقة تتم بها معاكسة البشير من وقت لآخر.

المشكلة أن الرئيس السوداني أصبح في مأزق خطير، فإجراءات الإصلاح التي اتخذت على مستويات سياسية واقتصادية وأمنية وأيديولوجية، لم تؤد إلى رفع اسم بلاده من على القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، وطلبت منه واشنطن اتخاذ حزمة من الخطوات الصعبة يؤكد بها جديته، ما يضعه في صدام مع قيادات في صلب الحركة الإسلامية.

انعقاد المؤتمر التاسع في هذا التوقيت منح البشير فرصة لتصويب مسار العلاقات داخل الحركة وتعديل الدفة، عبر تقديم ترضية معنوية للقيادات التي تضررت من إجراءاته السابقة، لأنه يريد أن يدخل سباق الانتخابات الرئاسية القادمة عام 2020 وخلفه قاعدة شعبية قوية، والتمهيد إلى أنه قد يضطر إلى العصف بقيادات أخرى المرحلة المقبلة، طالما هناك أهمية سياسية، فما تحقق على الصعيد الخارجي بالطرق الدبلوماسية خلال الأشهر الماضية، يشجع على المضي في إخفاء الوجه الإسلامي للحكم، لأن أي انتكاسة سوف تعوق التقدم نحو تطبيع العلاقات مع دول كثيرة.

الواضح أن النظام السوداني، يستهويه الدور الإقليمي الذي يريد أن يقوم به بشأن تهدئة الصراعات في المنطقة، فبعد النجاح الذي تحقق في أزمة جنوب السودان، مدت الخرطوم بصرها إلى أفريقيا الوسطى، وأعاقت فرنسا تطور هذه الخطوة مؤخرا، وحالت دون بلورتها في رؤية سياسية، ما جعل البشير يشن هجوما ضاريا على باريس أمام مؤتمر الحركة.

الغرض من إثارة هذه القضية في مؤتمر حركي حاشد، حث القيادات والأعضاء على تقديم المساندة اللازمة، حتى ولو جاءت على حساب مصالحهم المباشرة، ما ينذر بأن البشير لن يتردد في القيام بإجراءات جديدة لفصل كبير بين الجسد الفكري والدعوي (الحركة الإسلامية) والسياسي (المؤتمر الوطني)، لأنه أداة لتثبيت أركان حكمه في الداخل وتوطيد علاقاته مع الخارج.

لم يخف الرئيس عمر حسن البشير ميوله الإسلامية في الكلمة التي ألقاها في افتتاح المؤتمر التاسع ودغدغت مشاعر نحو 4 آلاف عضو في القاعة ومئات الآلاف تسمّروا أمام الشاشات

الطريق الذي يسير عليه البشير للفصل التدريجي يتسق مع التوجهات العامة لغالبية الحركات الإسلامية في المنطقة بمشاربها المختلفة، حيث تبنت جماعة الإخوان منهجا مماثلا في كل من الأردن وتونس والمغرب، ما أفضى إلى تخفيف نسبي في حدة الانتقادات الموجهة إلى الجماعة، والحصول على فرصة للتأقلم مع المستجدات، والتحلل من الأعباء التي يمثلها الجمع بين الدعوي والسياسي، وقامت الجماعة الإسلامية في مصر بخطوة مماثلة مع حزبها “البناء والتنمية”، لكنها لم تكن مقنعة وبدت محاولة لتجاوز عقبات ضاغطة.

أزمة السودان أن رموز الحركة الإسلامية سبقوا غيرهم في الفصل، واختبرت نواياهم، ولا يتوانى الرئيس البشير، من حين لآخر، على التذكير بمرجعيته الإسلامية في خطاب يوجهه إلى الداخل، لكن في حقيقته لا يخلو من مرام خارجية، هدفها التأكيد أنه لا يزال يملك قاعدة شعبية، الأمر الذي ظهرت معالمه في المؤتمر التاسع للحركة الإسلامية.

ربما تتمكّن بعض القوى الإسلامية من الترويج لمسألة التباعد بين الدعوي والسياسي، غير أنها في حالة السودان تمثّل صعوبة بالغة، لأن الحركة الإسلامية لها روافد حزبية تتجاوز المؤتمر الوطني، وإذا قرر الانفصال وحده هناك غيره من الأحزاب ذات الميول الإسلامية، التي إذا رمت الحركة ثقلها خلفها قد تمثّل تهديدا حقيقيا للحزب الحاكم.

9