النظام السوري وأيتامه في لبنان

الجمعة 2013/09/06

يتصرّف أيتام النظام الأمني السوري- اللبناني الذي دفنه اللبنانيون عام 2005 إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه بطريقة توحي بأنّ في استطاعتهم استعادة الماضي.

لا يستطيع أيتام النظام الأمني القبول بأنّ لبنان ما قبل اغتيال رفيق الحريري ليس لبنان ما بعد الاغتيال. لا يستطيع هؤلاء تصوّر ذلك، بغض النظر عن كلّ الأخطاء التي ارتكبها اللبنانيون الذين ينادون بالسيادة. كذلك، بغض النظر عن مسارعة إيران، عبر الميليشيا المسلّحة التابعة لها المسمّاة «حزب الله»، إلى ملء الفراغ الذي خلّفه الانسحاب العسكري السوري من لبنان، وصولا إلى تشكيل الحزب حكومة برئاسة نجيب ميقاتي، ابن طرابلس. كان تشكيل تلك الحكومة تتويجا لسلسلة من الأحداث صبّت في جعل لبنان مستعمرة إيرانية لا أكثر. لم يمنع ذلك اللبنانيين من المقاومة على الرغم من بنادق «حزب الله» الموجهة إلى صدورهم العارية.

يحلم يتامى النظام الأمني السوري- الإيراني أن في استطاعتهم إعادة عقارب الساعة إلى الخلف رافضين الاعتراف بأنّ النظام السوري سقط، بل شبع سقوطا. لم يعد الموضوع موضوع ضربة أميركية أو أطلسية يمكن أن تساعد أحرار سوريا، من أبناء الشعب السوري، في دخول دمشق وتحرير تلك الدولة العربية من نير العبودية والذلّ.

الموضوع الآن ماذا بعد رحيل النظام بشكل نهائي؟ هل من أمل في استعادة سوريا وحدتها الترابية وإقامة نظام ديمقراطي ومدني في الوقت ذاته؟ هل من أمل في أن تتحوّل سوريا إلى دولة حضارية تعترف بأنّ فيها أكرادا وعربا، مسلمين ومسيحيين، ودروزا وعلويين وإسماعيليين، وأن وجود هؤلاء مصدر ثروة للبلد؟

لابدّ من العودة إلى ما يعانيه لبنان جرّاء عجز كثيرين فيه عن استيعاب أبعاد الحدث السوري. هناك في لبنان من لا يستطيع تصديق أن النظام السوري سقط فعلا وأنّه صار من الماضي بعدما فقد الركائز الأساسية التي قام عليها. في طليعة هذه الركائز سنّة الأرياف الذين اعتمد عليهم مؤسس النظام حافظ الأسد في المواجهة مع سنّة المدن الذين كان يكرههم.

هناك أيضا النظام نفسه الذي لا يزال يعتقد أن الهرب إلى لبنان يمكن أن يساعد في إنقاذه فلجأ إلى تفجيرات في بيروت وطرابلس يعرف الطفل أنه لا يمكن أن تفيده في شيء. هذا النظام سقط عمليا في العام 2004 عندما مدّد بالقوة ولاية الرئيس اللبناني إميل لحّود بما يخالف الدستور أوّلا، وعلى الرغم من صدور قرار عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حمل الرقم 1559 هو نسخة طبق الأصل عن اتفاق الطائف عام 1989 والذي دعا إلى الانسحاب السوري من لبنان وإلى حلّ كلّ الميليشيات.. ثانيا وأخيرا.

ما على المحكّ مصير سوريا. هل تساعد الضربة المتوقعة، بعد أسبوع أو شهر أو سنة.. وهي ردّ على لجوء النظام إلى السلاح الكيمياوي، في المواجهة التي يخوضها مع شعبه؟ هل تساعد في تسريع سقوط النظام الساقط أصلا؟ بكلام أوضح، هل تساعد الضربة في وضع حدّ لمأساة طالت أكثر مما يجب خدمة للذين يعملون على تفتيت سوريا، وهم للأسف الشديد كثر ومن مشارب متنوّعة؟ هناك الاسرائيلي وهناك الإيراني وهناك الروسي وهناك آخرون. ما يجمع بين هؤلاء؛ الاستعداد لخوض كلّ الحروب في المنطقة حتى آخر سوري أو لبناني أو فلسطيني أو عراقي وبمختلف أنواع الشعارات الفضفاضة مثل «المقاومة» و»الممانعة» وما شابه ذلك.

ما يفترض أن تتركّز عليه الأنظار في المرحلة الراهنة ليس الضربة الأميركية أو الأطلسية التي قد تأتي قريبا، كما قد تتأخر. من الأفضل أن يكون التركيز على مرحلة ما بعد الضربة، أي على مستقبل سوريا كدولة ودورها في المنطقة. كيف العمل من أجل إعادة بناء المؤسسات السورية؟ كيف تخليص سوريا ومن سيحكم سوريا من عقدة الدور الإقليمي، وهو دور أقرب إلى وهم من أي شيء آخر؟

يمكن لسوريا أن تكون بلدا واعدا بالفعل، خصوصا بعدما أظهر شعبها الذي يقاتل على غير جبهة كلّ هذا الوعي والنضج في الحرب التي يخوضها مع نظام لم يبخل عليه بأي نوع من أنواع الأسلحة ووسائل القتل.. ولكن من أجل سحقه واستعباده وإذلاله.

مرّة أخرى، الموضوع ليس موضوع ضربة قد تحصل وقد لا تحصل، قد تأتي سريعة أو قد تتأخّر، علما أنها آتية يوما. الموضوع مرتبط بمساعدة الشعب السوري في إعادة بناء مؤسسات دولته التي قضى عليها نظام عمره يزيد على أربعين عاما. قضى على هذه المؤسسات الواحدة تلو الأخرى. إنه نظام يرفض الرحيل قبل التأكد من أنّه لن تقوم لسوريا أيّ قيامة من بعده.

ما يبعث على بعض الأمل أن التفجيرات التي استهدفت الشيعة والسنّة في لبنان، لم تؤدّ الغرض المطلوب. هناك قناعة باتت راسخة لدى معظم اللبنانيين والسوريين، الشرفاء حقّا، بأنّ كلّ الوسائل التي يلجأ إليها النظام لم تعد تجده نفعا. فهذا نظام لم يعرف يوما سوى لغة إلغاء الآخر. لم يعد أيتامه في لبنان قادرين حتى على الدفاع عنه، علما أنّهم يعدون أنفسهم بإعادة الحياة إليه. هل من نهاية أسوأ من هذه النهاية التي جعلت من النظام ينتقل من شعار الانتصار على لبنان كبديل من الانتصار على إسرائيل.. إلى شعار الانتصار على الشعب السوري كبديل من الانتصار على لبنان؟

إنّها بالفعل نهاية لا يحسد عليها نظام اعتقد أنه يمتلك سوريا ولبنان والسوريين واللبنانيين وأن هناك حلفا في المنطقة سيشعل الشرق الأوسط دفاعا عنه. لم يدرك أن شركاءه في هذا الحلف يتفوّقون عليه في لعبة الابتزاز وأنّهم سيتركونه لمصيره بعد استهلاكه.. وهذا ما نشهده الآن بأمّ العين.

تعود مشكلة النظام السوري إلى أنه لا يعرف إيران جيّدا على الرغم من محاولته أن يكون حليفا وندّا لها. كذلك، لا يعرف إسرائيل التي وفّر كل وسائل الطمأنة والضمانات لها.

تكمن مشكلة النظام السوري في النهاية، وهي مشكلة لا يستطيع يتامى النظام في لبنان فهمها، في عجز هؤلاء اليتامى عن استيعاب أنّ لكلّ شيء نهاية وأنّ الغش والابتزاز لا يمكن أن يساهما في قيام الدول وحماية الأنظمة.. أو نشوء الأمم، مهما تاجروا بفلسطين والفلسطينيين.


إعلامي لبناني

9