النظام السوري وطاولة جنيف

السبت 2013/12/21

في نهايات شهر حزيران 2011 وكان قد مضى على بداية انفجار الثورة ثلاثة أشهر، تعالت أصوات الزيف الإعلامي في سوريا مبشّرة بحوار وطني يريده القائد المفدى زعيم البلاد والقابض على أرواح العباد بشار الأسد، والذي كلف حينها نائبه فاروق الشرع بإدارة مؤتمر الحوار الوطني.

مؤتمر الحوار ذاك لم يكن إلا ضربا من تهريج أراد النظام فيه إقناعنا بمسرحية بائسة عن خطوات إصلاحية جذرية قادمة، والكل وقتها كان يعرف، أن القادم لن يكون إلا تخطيط النظام الشيطاني لجر البلاد إلى الدمار والدماء، وما نراه اليوم، كنا نعرفه قادما لا محالة.

في ذلك الوقت، وقبل انعقاد ذلك المؤتمر- الملهاة نشرت مقالة عنونتها “حوار مزعوم.. رصاص، وفطر مسموم”، واليوم وبعد مرور ألف يوم على ثورة شعب تركه العالم وحيدا في مواجهة الجزار، يتصاعد الحديث عن جنيف 2، وعن ضرورة الحوار لإيجاد حل سياسي، وفي ظل كل ما يقال أرى نفسي أتذكر ذلك المقال الذي كتبته في ذلك الزمن من بدايات الثورة، وأتمنى شديد التمني على جريدة “العرب” أن تعيد نشر مقالتي تلك، كي يعلم الناس بأن ذلك النظام لم يكن يوما جادا في أي حوار مع أي أحد، إنه نظام الإبادة: “الأسد أو نحرق البلد” ولن يكون يوما إلا هكذا فالعصابة الحاكمة في سوريا ليست إلا مجموعة من المولودين قتلة بالفطرة.

في مطلع ثمانينات القرن الماضي نشأت نقابة تضامن في بولونيا، وعلى رأس تلك النقابة، وقف ليخ فاونسا ليقود مع آخرين من المعارضين البولونيين معركة تحرر بلاده من سيطرة النظام الشيوعي الذي كان رابضا على صدور الناس منذ أربعين عاما. في ذلك الوقت كان حزب العمال البولوني الموحد، وبحسب الدستور، هو الحزب القائد للدولة والمجتمع، حرصا من الحزب على “الأمان والسلم الأهلي”، فقد صدرت الأوامر بنزول الجيش البولوني إلى الشوارع، حيث سيطرت الدبابات على المدن، وتم اعتقال ليخ فاونسا وقيادات نقابة تضامن. ورغم القسوة التي مارسها الجيش والأجهزة الأمنية، فإن النظام فشل في القضاء على المعارضة البولونية، واضطر إلى إخلاء سبيل فاونسا ورفاقه، لتعود المعارضة أقوى مما كانت، ولتبدأ رحلة النظام نحو النهاية، حيث أخذ يتداعى تحت ضغط الشارع الشعبي، الذي قرر ألا يتوقف حتى إنهاء النظام.

في تلك العاصفة من الأحداث، راجت في بولونيا طرفة ترددت في كل أنحاء البلاد، ووصلت إلى المعهد العالي للسينما والتلفزيون حيث كنت أدرس الإخراج السينمائي، وتقول الحكاية إنه، أمام فشل كل إجراءات حزب العمال البولوني الموحد في مواجهة الحراك الشعبي، فإن الرفاق السوفييت في حزبهم الشيوعي، والذي كان مسيطرا على كل الأحزاب الحاكمة في دول المعسكر الشيوعي، اقترحوا على الرفاق البولونيين إرسال وفد من المعارضة إلى موسكو لإجراء حوار معهم، وذلك على أمل أن يتمكن الآباء الروحيون السوفييت من إقناع هؤلاء المعارضين بالتخفيف عن الأخوة الطيبين من حزب العمال البولوني الموحد، وكان الأمر، فقد سافر وفد المعارضة البولونية إلى موسكو، وخلال عدة أيام أجريت “حوارات بناءة” معهم، ليعود بعدها الوفد المؤلف من ثلاثة أشخاص إلى بولونيا، لكنهم عادوا في ثلاثة توابيت! وحين فتح التابوت الأول كان هناك جثمان المعارض الميت ومعه ورقة كتب عليها: بعد سلسلة من الحوارات البناءة، وتبادل وجهات النظر في جو من الإحساس العالي بالمسؤولية، فقد قام هذا الضيف بنزهة إلى الغابة التي كانت مليئة بالفطر الشهي، وحين أكل الفطر تبين لسوء حظه أنه كان ساما، فمات”. وحين فُتح التابوت الثاني تكررت نفس القصة على الورقة المصاحبة: “ذهب إلى الغابة، أكل الفطر، فتسمم”. ومع فتح التابوت الثالث لاحظ الحاضرون وجود ثقب في جبهة الميت، وكأن رصاصة قد دخلت لتخترق الجمجمة وتخرج من الجهة الخلفية للرأس! وهناك وجدت ورقة كتب عليها: “ضيفنا هذا رفض أن يأكل الفطر”.

أتذكر تلك الطرفة في وقت تطرح فيه مسألة الحوار بين السلطة والمعارضة في سوريا. حوار بات مطلوبا في وقت يبدو فيه ألا أحد من الطرفين قادر على حسم الأمر لمصلحته. هنا لابد من القول إن المبادرة تبقى في يد السلطة، من حيث ضرورة الاعتراف بوجود حراك شعبي سلمي يشكل الطرف الآخر للحوار، حراك لأبناء البلد أهلنا وإخوتنا، هم سوريون حريصون على الوطن، يريدون لبلادهم أن تدخل في عصر جديد من نمط الدولة حيث يسود القانون، ويتم تداول السلطة في احتكام لصناديق الاقتراع، فمن هو اليوم في السلطة يصبح غدا في المعارضة، ومن لديه اليوم تفويض من الشعب، يعرف أن خدمة الوطن وتحسين معيشة المواطنين، هي غاية كل حكومة، وأن الفشل يعني خسارة الانتخابات ومجيء آخرين إلى سدة الحكم. على السلطة أن تحاور معارضيها بهذه الروح، وأي روح أخرى إقصائية أم تخوينية، ستعيدنا إلى ذكرى المعارضين البولونيين، وذلك الحوار المزعوم حيث الرصاص والفطر المسموم.


مخرج سينمائي وتلفزيوني سوري

9