النظام السوري يتجاوز الخطوط الحمراء.. فهل من مجيب

الجمعة 2013/08/23
صبرا: قلت لوزراء الخارجية العرب إننا نحارب بالنيابة عنكم

حين خرج جورج صبرا من السجن للمرة الثانية خلال الشهور الأولى للثورة السورية في آب ـ أغسطس العام 2011، كان المناخ السياسي العربي والدولي يطالب المعارضة السورية بتقديم شخصيات وطنية تعبّر عن الداخل السوري، إزاء اتهام نظام الأسد للثورة بأنها ثورة مغتربين وأن الداخل لا يريد تغيير النظام، فكان على حزبه (حزب الشعب الديمقراطي) والتجمّع الذي يضمّه (إعلان دمشق) أن ينتدباه إلى المسرح الدولي، ليكون ممثلاً عن معارضة الداخل.

ولم يكن صبرا راغباً في الخروج من سوريا، وهو الذي ألف السجن فيها لأكثر من أحد عشر عاماً ما بين تخفٍ وعمل نضالي سريٍّ واعتقال، وحين دخل اللعبة السياسية، واجهته التناقضات والاستحقاقات، فامتثل للمبدأ الذي اشتغل عليه طويلاً في سنوات الحياة داخل سوريا، معلناً الثبات على خط وطني عنيد، لا يقبل بالحوار مع النظام، ولا التزحزح قيد أنملة عن مطالب الشعب: الحرية والعدالة والكرامة.

اصطدم مرة إثر مرة مع أطياف المعارضة، وطار من عاصمة إلى أخرى محاولاً إدراك ما يمكن إدراكه أمام محاولات اختراق ذلك الخط العنيد، فتارة تجري اقتراحات بهدم بنى سياسية أنجزتها الثورة، وتارة يجري فرض أشكال أخرى من تحالفات وائتلافات تثبت يومياً عدم قدرتها على التصدي للمسؤولية التاريخية في هذا التوقيت من عمر سوريا وثورتها. فالتوافق أساس العمل الوطني في الظروف الحالية كما يرى صبرا، والتنافر ضار بالثورة، مفيد للنظام، والاستسلام للهيمنة الدولية سيكون سبباً في انقياد الشعب ومستقبل سوريا إلى الصفقات بدلاً من الانتصارات.

ولد جورج صبرا في العام 1947 في مدينة قطنا بمحافظة ريف دمشق، وتخرج من دار المعلمين العامة في دمشق عام 1967 ثم تابع دراساته في الجغرافيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة دمشق عام 1971.

ليصبح خبيراً بتقنيات أنظمة التعليم والتلفزيون التربوي من جامعة انديانا الأميركية 1978، ثم درّس أجيالاً من المعلّمين السوريين في مدارس التطبيقات المسلكية، وذهب معلّم المدرسة، بطباشير المعلّم وألواحه التي ما زال يتطاير دخانها اليوم من بين أصابعه ونبرة صوته ذاتها، إلى منفاه السريّ في سوريا أواسط الثمانينات، واستمر في تخفيه سنوات وسنوات.

وكان أول ما دفعه إلى المضي في طريقه لحاق أمّه به (أم جورج) التي بحثت عنه حتى وجدته، في حين عجزت مخابرات حافظ الأسد في العثور عليه، وجدته في فراش على الأرض في بيت من بيوت الريف الدمشقي على سفح جبل الشيخ، ووقفت تحدّثه مستندةً إلى عصاها المتعرّجة، وقالت له أن يمضي إلى ما خرج من أجله من بيته، وألا يفكّر في زوجته وأبنائه، وأن يكون رجلاً ما دام مقتنعاً بما يفعل.

في سنة من سنوات السبعينات قال الإعلامي السوري القدير ياسر المالح لتلميذه في معهد المعلمين جورج صبرا، نريدك أن تقدّم دروساً على شاشة التلفزيون السوري، فذهب جورج وبدأ يصوّر الحلقات تلو الحلقات، وبعد فترة طويلة، احتج محاسب التلفزيون بأن هناك معلماً لا يقبض أجره عن التدريس، لم يكن صبرا يعلم أن التعليم المجاني يقبض الناس عليه أجراً، وحين أجبروه على استلام مكافأته سارع إلى شراء ما ينقص البيت الكبير الذي يعيش فيه عشرة أشخاص أخوته ووالده ووالدته.

هذا المناخ الذي نشأ فيه جورج صبرا متتلمذاً على يد المعلّم الكبير جورج حبش في البحث عن الديمقراطية، وناهلاً من الفكر ما يجعل الناس لا يصدّقون أن جورج مجرّد مسيحي، أو مجرّد شيوعي، أو مجرّد سوري..

وكتب جورج صبرا الشعر في السجن، وكان يقرأ الشعر لنفسه في الزنزانة المنفردة، فيفتح عليه السجان الباب الحديدي، ويسأله (لمن هذا الشعر الذي تقرأه؟) . ويصعب أن يعمل الشاعر والمعلّم، في مناخ المساومات والصفقات، ولكن السياسة فنٌ من فنون الكسب وليس الخسارة، وهذا ما نناقشه مع جورج صبرا رئيس المجلس الوطني السوري في هذا الحوار.


الثورة مستمرة


في ضوء صعود تيارات متطرفة وتشرذم عسكري وكر وفر ما بين الجيش الحر وجيش الأسد، يقول صبرا إن الثورة مستمرة، وكل ما يحصل على الأرض كان متوقعاً من قبل، وتلك الظواهر التي برزت مؤخراً ونمت وتصاعدت وتجلّت في ما يسمّى «دولة العراق والشام» وغيره، هي ظواهر مرفوضة، رفضها الشعب السوري وتظاهر ضدها كما رفضتها المعارضة السورية، ورفضها المجتمع الدولي ونحن في المجلس الوطني السوري وفي الائتلاف لم نعترف بهؤلاء.

ويجزم بأن سوريا المستقبل لن يكون فيها مكانٌ لهؤلاء، فسوريا القادمة لكل مواطنيها دولة تعددية مدنية، في ركب الحضارة، وليست دولة من الماضي والعصور الوسطى.

تحدّث جورج صبرا عن استخدام الأسلحة الكيميائية، مقدّرا عدد الضحايا بـ1300 شخص قضوا حتفهم بالصواريخ الكيميائية التي أطلقها نظام بشار الأسد على منطقة الغوطة.

واعتبر أن ردود الفعل الدولية بالشجب والاستنكار لا تكفي، حيث قال إن الأمم المتحدة ستقلق، والولايات المتحدة الأميركية ستزيد من الخطوط الحمراء، في الوقت الذي ستزيد روسيا من كميات السلاح المرسل للنظام من جهة، والأموال الإيرانية من جهة أخرى. وطالب صبرا في المجتمع الدولي بضرورة العمل على فرض حظر جوي، وممرات آمنة داخل سوريا لمساعدة الشعب.

وثمة صورة أخرى أليمة هي صورة اللاجئين السوريين، في المخيمات في ظل شح المعونات وعدم الالتزام الدولي بالوفاء بما وعد بتقديمه من مساعدات، صورة سئية للغاية، لافتا إلى أنه زار على رأس وفد من المجلس الوطني تسعة مخيمات سورية، و«شاهدنا الواقع عن كثب، وقمنا بتحمّل مسؤولياتنا تجاه مواطنينا ضمن الإمكانات التي بين أيدينا، ولكن ما رأيناه في تلك المخيمات أكبر من الألم، وأثمن من المعاناة، فقد وجدنا شعبنا صابراً ملؤه الأمل، يطالبنا بالاستمرار في ثورتنا، ويزيدنا إصراراً على ما نحارب من أجله».

لكن ما العمل للحد من تلك الظواهر، يجيب صبرا «نقوم كل يوم بالعمل على حصر تلك المظاهر في جهات بعينها، والتواصل مع كل الأطراف في المناطق المحررة، كيلا ينشأ الفراغ بعد اندحار قوات النظام، صحيح أن هذا الفراغ يتم ملؤه بالهيئات الشرعية والاتجاهات الأكثر إسلامية، ولكننا ندرك أن علينا عدم الوقوع في احتراب ما بين البنادق التي تحارب نظام الأسد، فالبندقية يجب أن تبقى موجّهة نحو النظام، وليس فيما بيننا».

وفي سياق متصل، يقول إن ما يحدث في المناطق الكردية منها والعربية، لا يحدث عبثاً، فالجميع يعلم مدى الصلة المباشرة والتنسيق العسكري والأمني ما بين المخابرات السورية وحزب البي ي دي الذي يصرّ على وقف تقدّم الجيش الحر، مما تسبب في اندفاع الكتائب الإسلامية، لمواجهته».

وبخصوص نية بعض الأكراد إعلان مناطق شبه مستقلة إدارياً، قال «لم أسمع من أي جهة سياسية كردية، ولا من أي من القوى الثورية الكردية المختلفة أية نوايا انفصالية، وإشاعة مثل تلك الأخبار مصدرها النظام، لتأليب الكرد على العرب وتأليب العرب على الكرد».

التدخل الإقليمي يخرب الائتلاف

وعن التطورات في ساحة المعارضة السورية، وتغيير رئاسة الائتلاف الوطني والموازين الجديدة، قال «حين خرجت من السجن في المرة الأولى في الثورة في أيار 2011 ثم في الثانية في آب 2011، كان الشباب ممن تركناهم خلفنا في المعتقلات من شباب الثورة، يوصوننا بعبارة واحدة (لا حوار مع النظام) وهذا كان المبدأ الذي عملنا عليه، ولكن محاولات لا عد لها ولا حصر، جرت وتجري اليوم من أجل سرقة هذا المبدأ منا، وحرصنا على أن يكون القرار السياسي للمعارضة السورية مستقلا، ولكن اليوم، كما قلت أكثر من مرة، لم يعد لدينا على مقود العربة مكانٌ لإصبع سوريا مستقلة.

ويضيف «مع الأسف هذا ظهر جلياً في التوسعة التي حصلت في الائتلاف، والتدخل الإقليمي والدولي صار علنياً وواضحاً، تدخل السفراء والقوى الإقليمية، ومن المؤسف أكثر لجوء كثير من الشخصيات المعارضة إلى الاستقواء بتلك القوى الإقليمية للدخول في جسد الائتلاف، ولكننا مع ذلك تعاونا في المجلس الوطني السوري مع الجميع».

ووصف صبرا المجلس الوطني بأنه بدأ منتجاً سورياً خالصاً صافياً، رغم كل عيوبه وأخطائه وخطاياه، وقد أثبت قدرته على الحياة ما يعني أن وجوده حاجة وطنية وضرورة سياسية، ولهذا «فقد دعوت أعضاء الهيئة العامة للمجلس الوطني إلى ضرورة العمل على تطوير المجلس والاستمرار فيه».

أما بخصوص الائتلاف الوطني، فيقول صبرا إنه تم فرضه من قبل المجتمع الدولي، في مؤتمر الدوحة، بعد أن طرحت مبادرة رياض سيف، والتي حوّلها المجلس الوطني إلى صيغة ائتلافية، مبنية على التوافق السياسي، وأصرّ المجلس على ألا يساوم على مبدأ لا للتفاوض مع النظام، وثبّتنا هذه المبادئ في الاتفاقية التأسيسية للائتلاف، وفي كل الوثائق التالية، ولكن لأن الائتلاف لم يكن صناعة سورية خالصة، فقد بدأت تظهر الإشكالات، بسبب التناقض الدولي، ولكننا مع ذلك حرصنا على عدم استبعاد أية رؤية عربية تريد لسوريا الخير. ويؤكد «رشّحنا غسان هيتو لرئاسة الحكومة الانتقالية، وحين علمنا أن السعودية لا ترغب في ذلك، ذهبت شخصياً على رأس وفد من المجلس الوطني لمقابلة المسؤولين في المملكة، وذهبت إلى قطر من أجل التوصّل إلى توافق، فنحن لا نرغب في خسارة أي طرف حليف من أشقائنا العرب».

وبخصوص تأثيرات الأوضاع في المنطقة على التحالفات داخل المجلس الوطني والائتلاف، يقول «لا يغيب عنا هذا التغيير الذي يطرأ على مواقف بعض الدول في المنقطة، ونحن أول الخاسرين من تفجر العلاقات في المحور السعودي التركي القطري، أما عن الإخوان المسلمين في سوريا، فإن تجربتنا معهم ليست وليدة الثورة السورية، بل تعود إلى تأسيس إعلان دمشق 2005، ثم في تأسيس المجلس الوطني، وهي تجربة تختلف عن بقية فروع الإخوان في العالم العربي، وتقوم على عدم التساهل في الانجرار وراء هيمنة طرف على الآخر سواء كان إسلامياً أم مدنياً علمانياً، ونحن كعلمانيين ندرك ثقل الإسلام السياسي في الشارع العربي، ونحرص على بقائه بعيداً عن الشطط».

نقف ضد المشروع الإيراني

وفي سؤالنا عن أي دور يمكن أن يلعبه المجلس الوطني في المنطقة، قال صبرا، «قلت لوزراء الخارجية العرب بالحرف الواحد في أكثر من اجتماع، إننا نحارب بالنيابة عنكم، من أجل حريتكم وكرامتكم، وحين نطلب المساعدات المالية منكم فإننا نقدّم أبناءنا بالمقابل، في سبيل تحرير سوريا والمنطقة من المشروع الإيراني، ولكننا نريد أن نعمل بحرية أيضاً، ولا يمكننا فعل هذا دون القرار السوري المستقل».

ويضيف «نحن في المجلس الوطني، قررنا ترك ساحة التجاذبات، والاتجاه نحو العمل في الداخل على الأرض، بما فيه مصلحة الشعب الذي يحتاجنا معه اليوم أكثر من حاجته لنا في الأوساط الدولية التي لم تف بوعودها.

وبخصوص اللقاءات مع الأميركيين، قال جورج صبرا « آخر لقاء كان بصفتي رئيساً بالوكالة للائتلاف، وقد وضعنا السفير روبرت فورد في صورة ما جرى في الاجتماعات الأخيرة ما بين الوفد الأميركي والروسي والأمم المتحدة، وقد عبّرت عن استغرابي من عدم تنفيذ أي من التهديدات الأميركية بعد تصريحات أوباما عن استعمال السلاح الكيميائي من قبل النظام، إضافة إلى استخدام صواريخ سكود وهي أسلحة دمار شامل، وليست أسلحة اشتباك، فقال فورد بالحرف الواحد: إن الزمن الذي كانت تفرض فيه الولايات المتحدة قرارها على أحد في العالم قد انتهى تماماً!! فقلت له: ما جدوى الدعوة لمؤتمر حنيف إذاً إذا كانت الولايات المتحدة عاجزة عن فعل أي شيء أمام مأساة شعبنا؟».

وقال صبرا «من يقتلنا ويقتل أطفالنا ليس النظام وحده. التردد الأميركي يقتلنا، صمت أصدقائنا يقتلنا، خذلان المجتمع الدولي يقتلنا، لامبالاة العرب والمسلمين تقتلنا، نفاق العالم الذي كنا نسميه حرا يقتلنا ويقتلنا ويقتلنا».

وتابع «إذا أدار العالم ظهره لنا بهذا الشكل فلماذا نبقي وجهنا له؟ نحن أيضا يمكن أن ندير ظهورنا لعالم يتشدق بالحرية والديمقراطية ولا يفعل شيئا لهما، عالم يدعي التمسك بحقوق الإنسان ويتخلى عن حمايتها والدفاع عنها، عالم يدعي اهتمامه بصنع الحياة ويكتفي بالتفرج على صناع الموت».

وخلص صبرا إلى أن الأمر بات واضحاً اليوم فهناك تراجع كبير في الموقف الأميركي، أمام الموقف الروسي.

توازن الضعف

وفي سؤال عن موقفه من حديث النظام عن إقامة دويلة علوية في الغرب، كخط انسحاب أخير، أكد أنه «ليس كل ما يقوله النظام يقدر على تنفيذه، وإلا لتمكن من إحباط الثورة منذ البداية، وأية مشاريع تقسيمية في سوريا مرفوضة، يرفضها شعبنا في الساحل وفي الداخل السوري ويرفضها سياسيونا معهم، ومن خلال معرفتنا بطبيعة الوضع في المنطقة، يمكنني القول إن دول المنطقة والعالم ليست جاهزة لهكذا مشاريع، ولا لتغيير خرائط المنقطة بالمطلق».

وحول الحديث عن المستقبل ختم رئيس المجلس الوطني بالقول «من الواضح أن طرفي الصراع، الشعب وثورته، والنظام ومن يدعمه، دخلا في معادلة يمكن أن نسميها (توازن الضعف) فلا النظام قادر على كسر شوكة الثورة، ولا الثورة قادرة حتى الآن على التقدّم أكثر، أما التقدّم الذي نراه هنا وهناك فهو مرتبط بشكل مباشر بوصول الإمدادات، وكلما وصلت الأسلحة تسمع عن مناطق جديدة محررة، ولا نعتقد أن مشاريع سياسية دولية يمكن أن تتحقق في ظل (توازن الضعف) الذي أشرت إليه، والخشية ألا يكون الوقت في صالح الثورة».

7