النظام السوري يزداد انكماشا في ظل احتمال قرب انهياره

تعرض نظام الرئيس السوري بشار الأسد، مؤخرا، إلى هزيمتين كبيرتين على أيدي قوتين مسلحتين مختلفتين من المعارضة: الأولى على يد تنظيم الدولة الإسلامية في مدينة تدمر بمحافظة حمص الشرقية، والثانية على يد قوات “جيش الفتح” التي خسر النظام أمامها آخر موطئ قدم رئيسي له في محافظة إدلب. وفي حين أن هاتين الهزيمتين لا تشيران إلى أي سقوط وشيك للنظام، إلا أنهما تنبئان بأن الحرب تسير ضده وأنه إزاء فترة من الركود بدت ملامحها طويلة، الأمر الذي قد يؤدي بدوره إلى انهياره أو انكماشه أكثر، وفق دراسة للباحث جيفري وايت صادرة عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.
الاثنين 2015/06/01
جاهزية فصائل المعارضة المسلحة وتنسيقها فيما بينها زادا من ارتباك النظام وتراجعه

واشنطن - بعد أربع سنوات من القتال الدائر في سوريا، بدأت عوامل سياسية في الصراع تميل ضد النظام السوري وضد قدرته على إصلاح الخلل الذي أصابه في التوازن، ممّا أفقده الكثير من قوته وجعله يتكبّد في الآونة الأخيرة خسائر فادحة دفعته إلى التراجع والتفكير حتى في التخلي عن دمشق.

ولوقف ذلك التداعي أو عكسه، ستدعو الحاجة إلى حصول تغييرات كبيرة في الوضع، بما في ذلك؛ التحوّل إلى استراتيجية الدمج، أو زيادة كبيرة في تخصيص حلفاء النظام لقواتها في القتال، أو عكس الاتجاه التصاعدي الذي تتخذه قدرات الثوار، أو تدخل دبلوماسي خارجي لتجميد النزاع أو حله، وهو ما يراها مراقبون خيارات أضحت مستبعدة في ظل التطورات التي تشهدها الساحة السورية ودخول قوى إقليمية داعمة للمعارضة على الخط شأن المملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى ورود تحاليل تفيد بأن حلفاء النظام وعلى رأسهم إيران بدؤوا يبحثون عن تسويات ربما ستقتضي التضحية بالأسد مقابل الحفاظ على مصالحهم في المنطقة.

وقد أسهمت عوامل عديدة في التداعي الذي تشهده قوات النظام، منها ما هو متعلق بالجانب العسكري ومنها ما هو إقليمي ومنها ما هو دولي. عوامل تكاتفت فأضحى فشل نظام الأسد معها جليا أكثر من أي وقت مضى.

عناصر الفشل العسكرية

تتلخص العناصر التي أدت إلى فشل نظام الأسد على الأرض وتراجعه من الناحية العسكرية، في جملة من النقاط الرئيسية هي كالتالي:

* فشل الاستراتيجية: لطالما اعتمدت استراتيجية النظام العسكرية على قدراته على التسبب في استنزاف أكبر لأعدائه، وحشده المزيد من الموارد، واحتفاظه بمواقع رئيسية. وقد عملت هذه المقاربة جيدا لصالحه في السابق، ولكنها بدأت في الآونة الأخيرة تنقلب عليه وتلوّح بالفشل؛ فالتقيد بها يكلّف النظام كثيرا. وعلى وجه الخصوص، ينشر النظام قواته على نحو غير كاف، مما يجعلها عرضة إلى العزلة والهزيمة في الوقت الذي يعزّز فيه من قوة أعدائه.

*فشل العمليات: تعاني قوات النظام من فشل على المستوى العملياتي، فعلى الرغم من أنّ الهجمات التي شنّها النظام جنوب غرب دمشق والمناطق المحيطة بحلب هذا الربيع قد حققت له القليل من المكاسب، إلاّ أنها تسببت في وقوع خسائر كبيرة له. وفي المقابل، لم تتوّج عملياته الدفاعية في إدلب وشرق حمص بالنجاح، ممّا أدى إلى خسارة مواقع رئيسية.

تحاليل : حلفاء النظام وعلى رأسهم إيران بدؤوا يبحثون عن تسويات ربما ستقتضي التضحية بالأسد مقابل الحفاظ على مصالحهم في المنطقة

*فشل القوات: بالإضافة إلى تعثّر العمليات، تتعرّض قوات النظام إلى الهزيمة في عمليات فردية. ويبدو أنّ وحدات الجيش النظامية وغير النظامية، على حد سواء، تفتقر إلى الروح الهجومية، وحتى أنّها تظهر علامات عن دفاع فاتر.

وحتى المواقع الدفاعية القوية مثل وادي الضيف والحميدية ومعسكر المسطومة في محافظة إدلب، سقطت بسرعة مذهلة. كما أنّ الصيغ التكتيكية القديمة التي كان النظام قد بناها على أساس تفوّقه في الأسلحة الثقيلة والقوة الجوية، لم تعد تسفر عن النتائج الإيجابية نفسها.

وعلى الرغم من أنّ وحدات النظام الأخرى مثل تشكيلات “الحرس الجمهوري” و”قوات النمر” و”صقور الصحراء”، مازالت قادرة على القتال الفعلي، إلا أنّ هذه الوحدات تمثّل على الأرجح أقل من 10 بالمئة من القوات السورية وليس لديها سوى قدرة محدودة للتأثير على الوضع العسكري على نطاق واسع.

وقد أضحى النظام جراء اجتماع عناصر الفشل، يشن عمليات أقل نجاحا على أرض المعركة، باستثناء المعارك التي يتلقى فيها الدعم من القوات الحليفة أو حيث تكون هذه الأخيرة في الطليعة، كما هو الحال في عمليات القلمون المستمرة التي يقودها “حزب الله”. وهذا التدهور الذي بدت القدرات العسكرية للنظام تتسم به حال دون تحوله إلى هلاك إلى حد تدخل حلفائه لإنقاذه، لكن هذا الوضع قد يكون غير مستدام.

وبالمقابل فإن الفشل العسكري الذي اتسم به النظام السوري قابلته استفاقة من طرف المعارضة، فقد أصبح معارضو النظام أكثر قدرة بكثير ممّا كانوا عليه في أواخر العام 2012، وهي المرة الأخيرة التي شكلوا فيها تهديدا خطيرا عليه. وفي حين لا يزال النظام متفوقا في بعض النواحي مثل الطائرات والمدرعات الثقيلة والمدافع، أصبحت الآن قوات المعارضة مدججة بأسلحة انتزعتها من القوات النظامية وببعض الأنظمة الأساسية مثل الصواريخ الموجهة المضادة للدروع، المقدمة لها من مصادر خارجية.

التدهور الذي تتسم به القدرات العسكرية لنظام الأسد حال دون تحوله إلى هلاك إلى حد تدخل حلفائه لإنقاذه

تحسن قدرات المعارضة

عادة ما تتضمن عمليات الثوار الهجومية الرئيسية “أسلحة مندمجة” تشمل دبابات ومدافع وقذائف هاون وغيرها من الأسلحة الثقيلة إلى جانب قوات المشاة.

كما أنّ التنسيق والتعاون بين قوات الثوار قد تحسنا إلى حد كبير، وخاصة في شمال البلاد وجنوبها. فقد أصبح الثوار يعملون بشكل متضافر في بعض الأحيان، وفي أماكن، وعلى نطاق لم يتمكنوا من القيام به من قبل. وخير أمثلة على ذلك هم؛ “جيش الفتح” في محافظة إدلب وحلفاؤه، و”الجبهة الجنوبية” في الجنوب، يُضاف إلى ذلك قدرة تنظيم الدولة الإسلامية على تطبيق استراتيجيته الخاصة بعمليات مدروسة جيدا ضدّ قوات النظام في شرق البلاد. ولأنّ النظام لم يسبق له قطّ أن واجه في هذه الحرب قوات قادرة ومتناسقة في شرق وشمال وجنوب البلاد، فقد أربكه ذلك كثيرا.

وقد تحسنت قدرة الثوار على احتلال مواقع النظام والاحتفاظ بتلك التي يسيطرون عليها؛ ففي هجوم إدلب، استولى الثوّار على عدد من المواقع الدفاعية التكتيكية للنظام تراوحت بين نقاط تفتيش صغيرة ونقاط حصينة كبيرة، فضلا عن مناطق حضرية (إدلب، جسر الشغور، أريحا)، لطالما كانت في جعبة النظام.

ويشير ذلك إلى تحسّن الأداء العملياتي والتكتيكي لقوات الثوار، ويعود ذلك جزئيا إلى كونها أفضل تسليحا وأفضل قدرة على تنسيق استخدامها من السابق، بالإضافة إلى تحسّن المؤهلات القتالية لوحدات الثوار. أما من حيث الانضباط والتماسك والقيادة والتحفيز، فيبدو أن بعض قوات الثوار تتفوق على قوات النظام النظامية وغير النظامية. وغالبا ما يترجم ذلك بهزيمة قوات النظام على أرض المعركة، إلا في الحالات التي تتواجد فيها وحدات عالية الكفاءة تابعة للنظام أو حلفائه.

وأمّا “لوجستيات” المعارضة المسلحة التي لطالما كانت نقطة ضعفها، فيبدو أنها قد تحسنت إلى درجة تمكّنها من شن عمليات هجومية متواصلة.

وقد نتج ذلك عن تحسّن المساعدات الخارجية التي يُعتقد أنها تأتي من تركيا والمملكة العربية السعودية وقطر، بالإضافة إلى قدرة المعارضة على الحصول على “غنائم” كبيرة من السلاح والذخيرة من قوات النظام عند إلحاق الهزيمة بها في المعارك، حيث أنّ معظم الأسلحـة الثقيلة الموجودة بين أيدي المعارضة هي في الواقــع غنائم حربٍ استحوذت عليها إما في سوريا، أو في حالة تنظيم الدولة الإسلامية، في كل من سوريــا والعراق.

جيفري وايت: آفاق نظام الأسد القريبة أو حتى البعيدة تبدو مظلمة

مستقبل مظلم

تميّزت الحرب في سوريا بتقلباتها والتواءاتها الكثيرة منذ بدايتها سنة 2011، فقد بدا الثوّار على وشك الهزيمة في أوائل العام 2012، ثم ظهر وكأنّ النظام هو الذي كان على وشك الهزيمة في أواخر 2012. وبعد ذلك، استعاد النظام أنفاسه في العام 2013 وفي بداية عام 2014 بدعم من حلفائه، ولكنّه الآن عاد ليترنح في ظل تداعي قواته ومستقبله الذي بدا مظلما، فعلى المدى القريب، يرجّح أن يُعاني نظام الأسد من تراجعات إضافية في محافظات إدلب وشرق حمص، حيث أنّ الوضع في حمص يبدو أكثر خطورة. وإذا ما قرر تنظيم الدولة الإسلامية الاستيلاء على مواقع النظام في دير الزور، فمن المرجح أنه سينجح في انتزاع المحافظة بأكملها منه.

وعلى المدى المتوسط، قد تشهد الساحة تزعزعا في مواقع النظام في غرب محافظة حلب أو خسارته لها، بالإضافة إلى تآكل إضافي في مواقعه في كل من شمال حماة وشرقها. وعلى الرغم من أن هزيمة النظام في حلب ستكون أكبر ضربة قد يتلقاها، إلا أنها لن تعني بالضرورة انتهاء الحرب.

أمّا على المدى الطويل، فسوف تتقدّم الحرب بصورة أكثر نحو مناطق أساسية يسيطر عليها النظام، ومن بينها محافظة اللاذقية ومحافظات غرب حماة وحمص، بالإضافة إلى مواقع داخل دمشق وحولها. وهو ما سيدفع قوات النظام إلى تكثيف جهودها للحفاظ عليها، حيث أنّ انتصارات الثوار ستكون مكلفة له في هذه المواقع المركزية.

وتبدو آفاق النظام، القريبة أو حتى البعيدة، مظلمة، وسيكون الوضع على الأرجح عبارة عن تدهورٍ مطوّل يتميّز بالمعارك الخاسرة والمواقع المفقودة والاستنزاف الذي لا يمكن تعويضه. وفي الوقت نفسه، يبدو أنّ معارضي النظام مستعدّون لخوض حرب طويلة وتحقيق نجاحات متزايدة على أرض المعركة في سوريا.

وعلى الرغم من أنّ العديد من المحللين الاستراتيجيين قد اعتادوا على القول بأنّ لا حل عسكريا للصراع السوري، إلا أنّ مثل هذا “الحل” بدأ يلوح في الأفق مع التطورات الميدانية الأخيرة.

خلاصة القول، يبدو أنّ التطورات العسكرية الراهنة ستنتج وضعا سياسيا جديدا في سوريا يحتاج المنتصرون فيه، الذين لن يكون الأسد من بينهم على الأرجح، إلى ترتيبه. ويصعب تحديد ماهية هذا الوضع السياسي، لكنّه سيكون بالتأكيد معقّدا، وعلى الأرجح عنيفا.

7