النظام السوري يعجز عن إعادة إنتاج سلطته المركزية

في ظل التقدّم الذي تحرزه فصائل المعارضة السورية المسلحة في الأشهر الأخيرة، والذي توّج بسيطرتها على مناطق شاسعة من البلاد، بدأت العديد من المؤشرات توحي بقرب نهاية نظام الأسد وتهاويه بعد أن تقهقرت قواته، وآخرها “اللواء 52”، حيث بدأ جسمه في حالة من التفكك والتداعي. وهو ما يوحي، وفق تحليلات عدد من المراقبين والخبراء، بقرب انهياره وإمكانية تحوله إلى ميليشيا في القريب العاجل.
الخميس 2015/06/11
إصرار المعارضة على إنهاء المعركة لصالحها يضيق الخناق على قوات النظام

دمشق - يقدّر مراقبون نسبة فقدان نظام بشار الأسد لسيطرته الفعلية على الأراضي السورية بأكثر من 75 بالمئة، لصالح فصائل وقوات المعارضة المسلحة المتنوعة من جهة، وعناصر تنظيم داعش من جهة أخرى، بعد التقدم العسكري الذي حققه الأخيران على عدد من الجبهات، خاصة خلال الشهرين الماضيين.

وقد زاد تقهقر النظام بعد أن سيطرت فصائل سورية معارضة، الثلاثاء، على اللواء 52 التابع لقوات النظام، المتموضع شرق محافظة درعا، جنوب البلاد، وبعض السرايا والكتائب المجاورة له، حيث تبرز أهمية اللواء كونه يضم مجموعة من الكتائب والسرايا ذات الاختصاصات المختلفة، أبرزها كتيبتي الدبابات، والدفاع الجوي، وسرية الاستطلاع، والرادارات، ويبعد كيلومترات قليلة عن مطار السويداء العسكري، كما يمتد اللواء على مساحة تبلغ حوالي 1200 هكتار.

ولدى قراءته لهذه التطورات الأخيرة، اعتبر معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، أنّ احتدام المعارك في سوريا يؤشر على مزيد من الانتكاسات الحكومة السورية في المدى المنظور، لا سيما وأن الأوضاع في حمص هي الأكثر خطورة. وتوقّع التحليل الأميركي، على ضوء الأحداث الميدانية، أن يشهد النظام في دمشق تراجعا أو خسارة لمواقعه في الغرب من محافظة حلب، مما سينعكس أيضا على محافظة حماة، في المدى المتوسط.

أسباب التداعي

رجّح سمير التقي، المحلل السياسي والاستراتيجي السوري، أنّ النظام في دمشق “سيتداعى قريبا مع انتقال الصراع الفعلي إلى وسط وغرب البلاد في المرحلة القادمة”، متوقعا تحوله إلى “ميليشيا مسلحة ذات تنظيم وتسليح عال”.

وأوضح التقي، الذي يشغل خطة مدير مركز الشرق للدراسات والأبحاث الاستراتيجية بدبي، أنّ دمشق حاليا “لم تعد عاصمة فعلية للدولة، وأنّ السيادة السورية باتت في مهب الريح، كما أنّ الاقتصاد تفكك، والشكل الوظيفي للدولة بات واهيا ويقتصر على دمشق فحسب”.

مستقبل قاتم ينتظر الدولة السورية ونظامها في دمشق الذي سيخوض معركة مصيرية ستشهد تراجعات متتالية

وأضاف أنّ “عصر سوريا الموحدة بات من الماضي، كما أنّ السلطة المركزية لم يعد لها مستقبل، وأصبح من المستحيل إعادة إنتاجها من جديد”، مشيرا إلى أنّ “البلاد ستحكم مستقبلا بطريقة لا مركزية عن طريق توافقات ما بين أمراء الحرب والقوى المسيطرة التي أفرزها الصراع”.

ومع سيطرة “جيش الفتح” التابع للمعارضة مؤخرا على مدينة إدلب (شمال)، ومناطق واسعة في ريفها الجنوبي الملاصق لمحافظة اللاذقية (غرب)، اقتربت قوات المعارضة أكثر من أي وقت مضى من الساحل السوري الذي يضمّ محافظتي اللاذقية وطرطوس، ويعدّ معقل الطائفة العلوية التي ينحدر منها بشار الأسد ومعظم أركان حكمه، وشهدت هدوء نسبيا خلال أكثر من 4 أعوام على الصراع.

وفي الوقت الذي يشنّ فيه طيران التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن منذ أشهر غارات بشكل شبه يومي على مواقع تنظيم داعش في مختلف المناطق السورية دون أي تنسيق معلن مع دمشق، واصل التنظيم تقدمه وابتلع وحده نحو نصف مساحة البلاد، ووصل إلى مناطق قريبة من قلب دمشق وتبعد عن القصر الجمهوري أقل من 8 كم فقط.

واعتبر التقي أنّ “عوامل عديدة ساهمت في تداعي النظام وإضعافه خلال الفترة الأخيرة، أبرزها محدودية الدعم الإيراني على جميع النواحي العسكرية والبشرية والمادية، حيث بات ذلك الدعم منذ فترة يقتصر على المحاور التي تدعم نفوذ طهران في البلاد، كمحور دمشق وامتداده إلى الحدود اللبنانية حيث حزب الله، إضافة إلى محور حمص (وسط) وصولا إلى الساحل”.

إبراهيم الجباوي: النظام سقط منذ بدأ بالاستعانة بحزب الله والحرس الثوري الإيراني

وأضاف أنّ “نشوء توافقات من قبل الدول الداعمة للمعارضة بخصوص توحيد العمل الميداني ضد قوات النظام ودعم تحالفات عسكرية نشأت مؤخرا مثل (جيش الفتح) الذي بات يسيطر على معظم مساحة محافظة إدلب، ساهم أيضا في إضعاف النظام على الأرض”.

سقوط قريب محتمل

إبراهيم الجباوي، الخبير العسكري الذي كان ضابطا برتبة عميد في جيش النظام السوري قبل انشقاقه عنه عقب اندلاع الثورة في البلاد في آذار 2011، قال من جهته إنّ نظام بشار الأسد “ساقط فعليا منذ العام 2012، إلاّ أنّ الخلاف حاليا يتمحور حول مصير رموزه وموعد رحيله”، متوقعا أن يكون ذلك في “وقت قريب”.

وأوضح الجباوي أنّ “النظام السوري سقط منذ بدأ بالاستعانة بمقاتلي حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني، بعد فقدانه منتصف العام 2012 السيطرة على أكثر من 75 بالمئة من مساحة البلاد لصالح الجيش الحرّ وقتها، قبل أن يقوم كلّ من تنظيم داعش وجبهة النصرة وفصائل إسلامية أخرى بالسيطرة على معظم تلك المساحة”.

وأضاف أنّه “مع تزايد أعداد مقاتلي حزب الله والحرس الثوري، الذي جنّد لاحقا مقاتلين ومرتزقة من جنسيات آسيوية مختلفة، ودفعهم للقتال إلى جانب قوات النظام، وبعد ذلك دخول الميليشيات العراقية الشيعية البلاد للغرض ذاته، أصبح كل هؤلاء يمسكون بزمام الأمور على الأرض، وبات النظام السوري ورئيسه بشار الأسد مجرّد واجهة، وجيشه يقترب من شكل وأداء الميليشيا، كما أدخل البلاد في مرحلة احتلال”.

ويقدّر معارضون سوريون عدد الفصائل التي تقاتل إلى جانب النظام السوري بأكثر من 28 فصيلا معظمها شيعية قادمة من العراق، فضلا عن حزب الله، الذي أكد أمينه العام حسن نصرالله في خطاباته الأخيرة، مُضيّه في القتال إلى جانب النظام “مهما كلف الأمر”.

ولفت الخبير إلى أنّه مع التّقدم الذي حققته قوات المعارضة على الأرض شمال وجنوب سوريا، بالتزامن مع سيطرة داعش على أكثر من 50 بالمئة من مساحة البلاد خاصة في شرقها ووسطها، “باتت سيطرة قوات النظام السوري والميليشيات التي يستعين بها تقتصر على الساحل (غرب) ووسط دمشق (جنوب) إضافة إلى جيوب متناثرة وغير متصلة موزعة هنا وهناك”.

وأشار الجباوي إلى أنه من المنظور العسكري، فـ”النظام غير قادر على استعادة المناطق التي خسرها، وبات يعتبر انسحاب قواته من مواقعها بأقل الخسائر انتصارا تحتفل به وسائل إعلامه، وهذا ما تكرّر مؤخرا في مدينة إدلب (شمال غرب) وجسر الشغور ومعسكر المسطومة في ريفها وغيرها من المنــاطق التي سيطرت عليها قوات المعارضة”.

ولفت إلى أنّ “ما تقوم به قوات النظام حاليا من هجمات انتقامية عبر استخدام سلاح الطيران لقصف المناطق المدنية، وخاصة بالبراميل المتفجرة، هدفه عرقلة الثوار وجعلهم يفكرون بالضحايا من المدنيين الذين من الممكن أن يسقطوا في حال هاجموا مواقع عسكرية للنظام”.

البلاد ستحكم مستقبلا بطريقة لا مركزية عن طريق توافقات ما بين أمراء الحرب والقوى المسيطرة التي أفرزها الصراع

ويرى مراقبون أنّ النظام السوري يتعمد على قصف المواقع المدنية القريبة من مناطق الاشتباكات مع قواته وذلك للضغط على الخصم وجعله يتراجع عن تكثيف الهجوم خوفا من سقوط مدنيين وخسارته للحاضنة الشعبية التي يعتبرها عامل قوة بالنسبة إليه.

واعتبر الجباوي أن رحيل النظام لم يعد بيد الأخير أو حتى بيد المعارضة على الرغم من التقدم الذي تحققه قوات الأخيرة، لأن الأمر “بات بيد الدول الكبرى التي أصبحت تستخدم سوريا كورقة مقايضة أساسية ضمن مجموعة الأوراق الأخرى في المنطقة”.

وتتحسب العواصم الغربية، وعلى رأسها واشنطن، من السقوط المفاجئ للنظام السوري وذلك بحجة الحرص على المحافظة على مؤسسات الدولة وأيضا خشية من سقوط دمشق بيد داعش الذي بات على أبوابها، وهو ما يعتبره مراقبون سببا رئيسيا لعدم تقديم تلك العواصم الدعم العسكري الكافي إلى الفصائل المعارضة للإطاحة به.

ومنذ منتصف آذار سنة 2011، تطالب المعارضة السورية بإنهاء أكثر من 44 عاما من حكم عائلة الأسد، وإقامة دولة ديمقراطية يتم فيها التداول على السلطة، غير أنّ النظام السوري اعتمد الخيار العسكري لوقف الاحتجاجات، ودفع سوريا إلى دوامة من العنف، جسّدتها معارك دموية بين قوات النظام والمعارضة، لا تزال مستمرة حتى اليوم، وأوقعت نحو 220 ألف قتيل، حسب إحصائيات أممية.

ودخل إلى معادلة الصراع في سوريا عام 2013 تنظيم داعش الذي يعلن أن نظام الأسد هو عدوه الأول، في حين تتهمه المعارضة بـ”التعامل مع النظام وتشويه صورة الثورة، والعمل على تكريس سلطة دولته” التي أعلنها يونيو الماضي على أراض سيطر عليها في كل من سوريا والعراق.

6