النظام الصحي المغربي أمام تحدي إعادة الثقة قبل زيادة التمويل

نصف المغاربة دون تغطية صحية ويتحملون نفقات العلاج والدواء.
الأربعاء 2021/02/03
منظومة صحية متهالكة

لم تكن التحديات أمام النظام الصحي في المغرب جديدة، لكن أزمة انتشار وباء كورونا عمقت من تحديات هذا النظام وهو الذي يعاني من نقص في الموارد البشرية والمالية، خاصة في المناطق الريفية والمتباعدة، إضافة إلى التوزيع غير العادل للموارد والكفاءات الطبية بين مختلف الجهات والأقاليم.

طالب المعهد المغربي لتحليل السياسات، الحكومة المغربية، بالاعتماد على ست أولويات لتحسين جودة الرعاية الصحية العمومية وطرق تقديم الخدمات الصحية.

وذكر المعهد في دراسة جديدة أن حاجة القطاع الصحي المغربي تتعلق بزيادة الإنفاق الحكومي على الصحة، وتحسين تقديم الخدمات، وتوسيع نطاق نظام التأمين، والاستثمار في التوظيف المستهدف وخاصة بالنسبة إلى الشباب، والاستثمار في تصنيع المعدات الطبية، وتعزيز الشراكات مع الشركاء المحليين والعالميين.

وتعي الإرادة السياسية للدولة المغربية ضرورة العناية بهذا القطاع إذ شدد العاهل المغربي الملك محمد السادس في خطاب عيد العرش قبل عامين على ضرورة القيام بإصلاح عميق وشامل للمنظومة الصحية، داعيا إلى تصحيح الاختلالات التي يعرفها تنفيذ برنامج التغطية الصحية “راميد”، بالموازاة مع إعادة النظر بشكل جذري في المنظومة الوطنية للصحة، التي تعرف تفاوتات صارخة وضعفا في التدبير.

ويجمع خبراء ومختصون على ضرورة القيام بعملية شاملة لمراجعة وإصلاح للنظام الصحي في المغرب، باعتباره الضمانة الأولى للحفاظ على رأس المال البشري.

وقال علي لطفي، رئيس الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة “إن العوامل المحددة للاستفادة من الرعاية الصحية بالمغرب لا يتحكم فيها الكادر الطبي أو التمريضي أو الإداري، بل تنظمها مدونة التغطية الصحية الأساسية او القانون 65 وقوانين أخرى مواكبة تهم المنظومة الصحية ككل”.

وطالب لطفي في تصريح لـ”العرب” بتفعيل القوانين، لأنها لو بقيت متعثرة أو جامدة وبلا تطبيق ستبقى أزمة القطاع الصحي مستمرة.

وطالبت النقابة الوطنية للصحة، الحكومة المغربية بالاعتراف بخصوصية القطاع الصحي وإعطائه المكانة التي يستحقها ضمن المشاريع الحكومية والسياسات العمومية، وذلك من خلال الوفاء بالتزامات المغرب الدولية تجاه منظمة الصحة العالمية، وأولها رفع ميزانية القطاع إلى 13 في المئة من الميزانية العامة.

وانتقد علي لطفي، تدني الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية، إذ لم تتجاوز نفقات الدولة من الميزانية العامة لصالح القطاع الصحي 5 في المئة في المتوسط سنويا، وهو ما يكشف أسباب فشل السّياسات العمومية المعتمدة في مجال الصحّة.

وتكمن مشكلة النظام الصحي المغربي في اختيارات هشة وتقليدية تعتمد فقط على عنصر علاج الأمراض بدل النظرة الشمولية التي تأخذ بعين الاعتبار التأثيرات الاجتماعية الشاملة للصحة.

ميزانية متواضعة

تحديات أمام النظام الصحي المغربي

  • زيادة الإنفاق الحكومي
  • توسيع نطاق نظام التأمين
  • الاستثمار في توظيف الشباب
  • الاستثمار في تصنيع المعدات الطبية
  • تعزيز الشراكات مع الشركاء المحليين والعالميين

وشهدت ميزانية وزارة الصحة ارتفاعا ملموسا خلال السنوات الأخيرة، حيث بلغت 20 مليار درهم (مليارا دولار) في مشروع قانون المالية لسنة 2021، مقابل 12.92 مليار درهم (1.29 مليار دولار) سنة 2014 أي بزيادة تفوق 53 في المئة.

ويرتهن نجاح أي خطوة إصلاحية بما ترصده الدولة من ميزانيات مهمة وبحثها عن تمويلات بديلة، مع ترشيد النفقات واستكشاف آليات جديدة للتمويل. وذكرت دراسة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بعنوان “تعبئة الإيرادات الضريبية لتمويل الصحة في المغرب”، إن “المغرب قام، منذ عدة سنوات، بتحسين أداء منظومته الصحية، ما أدى إلى ارتفاع أمد الحياة وانخفاض نسبة الأمراض المتنقلة والمعدية”.

وكانت الكوادر الصحية من أطباء وممرضين وإداريين قبل انتشار وباء كورونا تطالب بتحسين بيئة العمل ورفع الرواتب من خلال دعوات متصاعدة.

ولا يزال الاحتقان بين الأطباء المغاربة ووزارة الصحة، مستمرا، حيث خاضوا سلسلة من الإضرابات احتجاجا على تردي ظروف اشتغالهم، وعدم تزويدهم بأجهزة ومعدات تمكنهم من تقديم خدمات صحية تحفظ كرامة المواطن.

واعترف وزير الصحة المغربي خالد آيت الطالب، بأن عملا جادا يتم القيام به من أجل إصلاح منظومة الرعاية وتوسيع التغطية من خلال الإصلاح المؤسساتي للمنظومة الصحية العمومية.

وانتقد مهنيون عدم الاهتمام بالكادر الطبي كجزء حيوي في قطاع الرعاية الصحية، الذي يحتاج إلى عناية أكبر من قبل الحكومة، إذ يشتكي أطباء القطاع العام في المغرب من ضعف الرواتب التي تصل إلى حدود 7000 درهم (نحو 700 دولار) في الشهر، مقارنة برواتب نظرائهم في القطاع الخاص المرتفعة.

وفي دراسة صدرت في مايو الماضي، قال المعهد المغربي لتحليل السياسات أن القدرة الهائلة للدولة على مواجهة أزمة الصحة العامة، بيّنت أن تحسين جودة قطاع الرعاية الصحية يعتمد أولا على وجود الإرادة السياسية أكثر من اعتماده على القيود المرتبطة بالميزانية.

ومن بين المطالب الرئيسية للنقابة المستقلة لأطباء القطاع العام أن يكون التعويض متوافقا مع مؤشر الرواتب، وهذا يشمل راتبا شهريا يقارب 1800 دولار، حيث إن الأطباء يتقاضون في القطاع العام رواتبهم مثل أولئك الحاصلين على درجة الماجستير بالرغم من دراستهم الطويلة.

وانخفض عدد الأطباء العاملين في القطاع العام من 12000 إلى حوالي 8500، ما شكل ضغطا كبيرا على الكادر العامل إلى جانب نقص المعدات الطبية في العديد من المستشفيات في جميع أنحاء البلاد.

معاناة مشتركة

إذا كانت معاناة الكادر الطبي واضحة، فالمرضى الذين يستخدمون المرافق العامة بدورهم يعانون من طول أوقات الانتظار للمواعيد والخدمات الطبية.

وتساءل عدد من الحقوقيين والنقابيين في القطاع وخارجه، حول كيف يمكن تعزيز ثقة المواطنين الذين يرى معظمهم أن جودة الخدمات الصحية المقدمة منخفضة سواء على مستوى المستشفيات الجامعية أو الإقليمية.

ويرى علي لطفي أن تحسين الرعاية الصحية يجب أن يرتكز على تقديم خدمات صحية ذات جودة عالية، أي توفير رعاية فعالة وآمنة منصفة ومتكاملة تمكن من الوصول إلى نتائج صحية منشودة ومأمولة سواء في علاج المرضى أو الوقاية من الأمراض والأوبئة.

ووعد وزير الصحة خالد آيت الطالب بأن المنظومة الصحية في المغرب ما قبل كورونا لن تكون هي نفسها بعده، مشددا على أن وزارته وضعت تصورا استراتيجيا لتحسين جودة الرعاية الصحية العمومية بالمملكة، بالاشتغال مستقبلا على أولويات محددة منها، العمل على إرجاع الثقة إلى المواطن في المنظومة الصحية من خلال تحسين جودة الرعاية الصحية والرفع من جاذبية القطاع.

ويعتقد علي لطفي، أن إعادة الثقة في المنظومة الصحية تتطلب مراجعة السياسات الحالية وتحقيق التغطية الصحية الشاملة لجميع المواطنين دون تمييز في حق ولوج الخدمات الصحية، وهي حق مكرس ضمن أهداف التنمية المستدامة لسنة 2030، وتتمثل في توفير الأمن الصحي وإمكانية الحصول على خدمات الرعاية الأساسية على نحو شامل دون التسبب في أي ضائقة مالية للأفراد والأسر، كما هو عليه الحال اليوم حيث لا تزال الأسر المغربية تتحمل عبء النفقات الإجمالية للصحة بنسبة تصل إلى 54 في المئة.

آلية التغطية الصحية

خالد آيت الطالب: خدمات المنظومة الصحية لن تكون هي نفسها بعد تلاشي الوباء
خالد آيت الطالب: خدمات المنظومة الصحية لن تكون هي نفسها بعد تلاشي الوباء

يعتبر تعميم التغطية الصحية من بين التحديات التي على المغرب مواجهتها، كما أن تحقيق هذا الرهان مرتبط بإعادة تأهيل وتطوير المؤسسات الطبية، وتنظيم نظام العلاجات، وإصلاح البرامج الاجتماعية القائمة، بغية تحسين تدريجي لأثرها على المستفيدين من التغطية الصحية.

وأكد مسؤولون في قطاع الصحة، أن المغرب عازم على تفعيل مشروع التغطية الصحية الشاملة، الذي يعد أحد المحاور الأساسية في الدعامة الثالثة لـ”مخطط الصحة 2025″، وذلك لتجاوز النواقص والإخلالات التي يعرفها القطاع الصحي بالمغرب، خاصة ضعف تدبير موارده البشرية.

ومن أجل مواكبة تفعيل نظام المساعدة الطبية، “راميد” تم رصد اعتمادات مالية تفوق 8.5 مليار درهم (850 مليون دولار) خلال الفترة بين 2014 و2020، في إطار موارد “صندوق دعم التماسك الاجتماعي” (حساب خاص بالدعم الاجتماعي).

وظل ما يقارب 50 في المئة من المغاربة دون تغطية صحية، وعليهم أداء نفقات العلاج والأدوية من جيوبهم وهو ما يفسر تحمل الأسر المغربية ما يقارب 54 في المئة من النفقات الإجمالية للصحة تؤديها من جيوبها.

ويقول مهنيون إنه مع تزايد الطلب على الرعاية الصحية الملائمة في المغرب يتناقص عدد الأطباء في القطاع العام، إذ يستخدم حوالي 70 في المئة من المغاربة المستشفيات العامة لأنهم لا يستطيعون دفع تكاليف الرعاية الخاصة، ما يزيد من الضغط على النظام العام الذي يكافح لتلبية المطالب.

وتعرف منظمة الصحة العالمية الرعاية الصحية بأنها تلبية حاجات الناس الصحية من خلال رعاية شاملة طوال فترة الحياة، وتشمل الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل والرعاية، وما زال نصف سكان العالم البالغ عددهم 7.3 مليارات نسمة على الأقل يفتقرون إلى التغطية الكاملة بالخدمات الصحية الأساسية.

ضعف التنسيق

دعوات متصاعدة لتحسين القطاع الصحي
دعوات متصاعدة لتحسين القطاع الصحي

على المستوى المغربي، لفت خالد آيت الطالب إن التنسيق بين مختلف مستويات العلاج، خصوصا بين مؤسسات الرعاية الصحية الأولية والمؤسسات الصحية، يُعاني من ضعف يشكل عائقا إضافيا يؤثر في بعض الأحيان على جودة التكفل بالحالات المرضية طيلة مسار العلاج.

وقال علي لطفي إن نظام المساعدة الطبية لذوي المداخيل المحدودة، والذي خصص للتغطية الصحية وضمان مجانية العلاج للفقراء والمعوزين لم يحقق أهدافه التضامنية الاجتماعية والإنسانية، مشددا على أن الاستفادة من الرعاية الصحية بالمغرب موجهة “لمن له القدرة على الدفع”، وستظل هي القاعدة في غياب مظلة للتأمين الصحي والتغطية الصحية الشاملة لجميع المغاربة وهو المشروع المجتمعي المستقبلي الذي أوصى به الملك محمد السادس في خطاب العرش في يوليو 2020، ويجب على الحكومة العمل على تنفيذه وجعله من الأولويات الاجتماعية ابتداء من سنة 2021.

وكإجراء لتخفيف الضغط على المواطن المغربي في بحثه عن رعاية صحية ذات جدوى، وقعت وزارة الصحة اتفاقيات مع المراكز الصحية الجامعية من أجل التكفل بالخدمات الصحية المتعلقة بزراعة الأعضاء والأنسجة للمستفيدين من نظام المساعدة الطبية، بالإضافة إلى إنجاز دراسة إكتوارية لتحويل هذا النظام إلى نظام تأميني وتحديد ميزانية تمويله.

وأكد وزير الصحة أن نسبة التغطية الصحية شملت حوالي 69 في المئة من المغاربة وذلك إلى غاية نهاية سنة 2019، مبرزا أن عدد المستفيدين من تعميم نظام المساعدة الطبية «راميد» وصل إلى غاية شهر سبتمبر من السنة الجارية أكثر من 16.5 مليون مستفيد، وأن عدد البطاقات السارية المفعول بلغت أزيد من 10.5 مليون.

علي لطفي: إن لم تفعّل قوانين إصلاح النظام الصحي ستبقى الأزمة مستمرة
علي لطفي: إن لم تفعّل قوانين إصلاح النظام الصحي ستبقى الأزمة مستمرة

وأشار علي لطفي إلى أن التغطية الصحية الشاملة وتوفير كل الإمكانيات دون جودة في الرعاية والخدمات الصحية المقدمة والالتزام بها وغياب التعامل والتواصل الإنساني الخلاق مع المرضى ومرافقيهم، يظل كل ذلك عملا ناقصا ومشروع علاج غير متكامل.

وفي خضم دعم كل الوسائل والآليات الكفيلة بتطوير منظومة الرعاية الطبية، تعوّل وزارة الصحة على بناء مستشفى جامعي ضخم في كل جهة من جهات المغرب الـ12، في إطار تقريب الخدمات الصحية من المواطنين وتجنب الاكتظاظ الكبير التي تعرفه حاليا بعض المستشفيات الجامعية على غرار الدار البيضاء والرباط ومراكش.

وأكدت النقابة الوطنية للصحة العمومية على الأدوار الريادية والمكانة الكبرى والخدمات الصحية المتعاظمة التي تقدمها المراكز الصحية الجامعية الستة بالمغرب بكل من الدار البيضاء ومراكش والرباط ووجدة وفاس وطنجة، باعتبارها رافدا أساسيا للمنظومة الصحية الوطنية ومؤسسات صحية علمية ذات امتداد وطني، حيث أبانت الأزمة التي شكلتها الجائحة الحاجة الماسة إلى المراكز الجامعية في التكفل العلاجي للحالات الحرجة وكذلك توفير المواكبة والدعم للمستشفيات الإقليمية والجهوية.

وتواجه المراكز الصحية الجديدة، مشكلة قلة الموارد البشرية والمالية، وتأخر صيانة التجهيزات والمعدات الطبية، والتي تحتاج إلى أغلفة مالية تثقل كاهل ميزانية المستشفيات الجامعية، وتتطلب خبرة عالية لإنجاز عمل الصيانة.

وقال لطفي إن منظومتنا الصحية تتميز باتساع فجوة الفوارق الطبقية والاجتماعية في ولوج العلاج والدواء، وإن 13 في المئة من المغاربة يعانون من الفقر الصحي، كما تستمر الفوارق بين البوادي والحواضر في الخدمات الصحية وتبقى غير عادلة وغير متوازنة، فضلا عن تدني مستوى جودتها في كل المؤسسات الصحية العمومية.

بينما ترى وزارة الصحة أن الخارطة الصحية الجديدة تشكل آلية أساسية لتحسين ولوج المغاربة إلى الخدمات الطبية والصحية، عبر تبنيها لعملية توزيع عادل للخدمات الصحية بين الجهات والأقاليم والمناطق الحضرية والقروية.

12