النظام العالمي لم يعد يعجب "المزاج العام"

تعتبر صناعة الرأي العام ركنا أساسيا في أجندات ساسة الأنظمة والجماعات والأفراد الباحثين عن نفوذ ما، يركزون من خلالها على توجيه رأي السواد الأعظم من المجتمعات والشعوب المُستهدَفَة بهذه العملية، وحتى تؤتي هذه الصناعة ثمارها يتوجب على المعنيين بها رصد المزاج العام حتى يتسنى لهم تقديم ما يمكنهم في النهاية من كسب تأييد أكبر عدد من الرأي العام؛ لذلك تهتم مراكز استطلاعات الرأي، ودوائر صنع القرار والأحزاب السياسية برصد ما تطلق عليه بالمزاج العالم؛ وهو مصطلح يقصد به مدى رضى الناس أو سخطهم عما هو مقدم لهم من قبل خطابات وسياسات الحكومات أو الأحزاب أو التيارات أو المؤسسات العامة.
الثلاثاء 2016/11/29
أصوات الجماهير تغير السياسات والمستقبل

لندن – لم تعد ممكنة للحكومات ومؤسسات صنع القرار صياغة القرارات والسياسات بعيدا عن المزاج العام لشعوبها، لذلك أصبحت استطلاعات الرأي جزءا مهما من الحملات الانتخابية واستطلاع آراء الناخبين عند طرح استفتاء أو بحث في قضية عامة، وإن كان أحيانا المزاج العام يفاجئ حتى استطلاعات الرأي مثلما حدث مع استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو في الانتخابات الأميركية، وحدث سابقا مع أول انتخابات تجرى في بلدان الربيع، تونس ومصر بالأساس، وصعد خلالها الإسلاميون إلى الحكم، حيث كان المزاج العام حينها، كما هو الحال بالنسبة إلى البريطانيين والأميركيين، ساخطا على الوضع وعلى كل من يعتبرون أنه يمثل أو يشبه النظام القديم.

وترصد دراسة صادرة عن مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، ومقره أبوظبي، كيف بات هذا المزاج العام يلعب دورا استباقيا في صناعة القرارات وصياغة البرامج، وفهم تطورات الوضع في مجتمع ما. وقد ركز معدها، الباحث عمرو صلاح، على نموذج المزاج العام، وكيف يسهم في تغيير المشاهد السياسية، خصوصا في البلدان التي شهدت انتفاضات شعبية قلبت الأنظمة وغيرت المعادلات.

تقوم مراكز استطلاعات الرأي، ودوائر صنع القرار والأحزاب السياسية برصد هذا المزاج العام، الذي يتغير بفعل عوامل محيطة به، لغاية محاولة فهمه واستيعاب ما يريد تجاه القضايا المختلفة، خصوصا في فترات الانتخابات أو الاستفتاء على قضية معنية. وتمكن هذه الآلية من التنبؤ، سواء برد الفعل في حال تبني سياسات بعينها، أو بمدى استقرار النظم الحاكمة في البلدان الديمقراطية أو غير الديمقراطية.

يبدو تأثير تقلبات المزاج العام للجمهور في الكثير من التغيرات التي يشهدها العالم خلال السنوات الأخيرة واضحا، فمن مزاج عام حاضن للتغير قبل الثورات العربية في منطقة الشرق الأوسط، إلى مزاج عام داعم للاستقرار يحن إلى الماضي، واستعادة الوضع القائم، بعد ما تمخض عن تلك التغييرات السياسية التي شهدتها المنطقة من أزمات أمنية واقتصادية واجتماعية.

المزاج العام يلعب دورا استباقيا في صناعة القرارات وصياغة البرامج، وفهم تطورات الوضع في المجتمع

ولعل التغيرات التي تعيش على وقعها أوروبا والولايات المتحدة في الفترة الأخيرة تشكل بدورها مساحة أخرى هامة للالتفات إلى تأثير تغير المزاج العام على التغيرات الداخلية في البلدان أو على الصعيد الدولي. فصعود اليمين في عدد من البلدان الأوروبية وحيازته مساحات كبيرة من التأييد بين قطاعات من الجمهور، مرورا بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وانتهاء بفوز دونالد ترامب بالرئاسة في الولايات المتحدة الأميركية، كلها تغيرات تعبر، وفق الكثيرين، عن صعود “مزاج عام ممتعض” إزاء ما هو قائم من أوضاع سياسية واقتصادية، وقلق نحو ما يشهده الغرب من تهديدات أمنية، بل وتشكك في قدرة السياسات القائمة والنظام الليبرالي الدولي والتكنوقراط والساسة المنتمين إلى المدارس السياسية التقليدية على تحسين الأوضاع القائمة، أو درء التهديدات القائمة أو المحتملة.

لقد أسهمت التقلبات في المزاج العام في تشكيل رأي عام سلبي تجاه الكثير من القضايا، مثل قضايا اللاجئين والهجرة والشراكات الدولية متعددة الأطراف، وتُرجمت كذلك في سلوك تصويتي بدا مثيرا للاهتمام، كما في حالة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وانتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب صاحب المنهج الانعزالي، وهو ما قد يلقي باحتمالات تغير شكل النظام الليبرالي الدولي الذي ظل راسخا عبر عقود منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

معنى المزاج العام

المزاج العام هو أحد أنواع “العاطفة الاجتماعية”، وهو المبدأ الذي تم تطويره من قبل العالم السيكولوجي، إليوت سميث، في منتصف التسعينات، حيث التمييز بين الشعور الذي ينشأ بحكم وجود الفرد داخل جماعة، وليس بحكم كونه عنصرا مستقلا بذاته.

وتعرف الأدبيات هذا المزاج العام بأنه انتشار حالة مؤثرة بين قطاعات من المواطنين نتيجة الخبرات التي يتشاركها هؤلاء بحكم عضويتهم في مجتمع سياسي وطني. وبالتالي، فالمزاج العام ليس انعكاس المزاج الشخصي للمواطن أو الفرد على الشأن العام، وهو ليس بحاصل جمع أو متوسط الأمزجة الخاصة بجموع المواطنين عبر الحياة اليومية لهؤلاء، ولكنه يتشكل ويتكون بين قطاعات واسعة من الجمهور نتيجة تشارك الخبرة، وبحكم الوجود داخل مجتمع سياسي، والتعرض والتأثر المشترك بأحداث سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية.

لقد أسهمت التقلبات في المزاج العام في تشكيل رأي عام سلبي تجاه الكثير من القضايا، مثل قضايا اللاجئين والهجرة والشراكات الدولية متعددة الأطراف

وتلفت الدراسة إلى أن هناك اختلافا واضحا بين مفهومي المزاج العام والرأي العام، فالأول هو معبر عن حالة عامة داخل المجتمع سلبية كانت أو إيجابية، يشوبها الرضى أو عدم الرضى العام، وإن كانت ليست موجهة تجاه قضية بعينها، أما الثاني فهو معبر عن فكرة أو حكم على موضوع أو قضية أو شخص بعينه من قبل أفراد هذا المجتمع. وبرغم ذلك الفارق، يظل المزاج العام عنصرا فاعلا في تشكيل اتجاهات الرأي العام للمواطنين تجاه القضايا المختلفة، ومن ثم مواقفهم السياسية العامة.

بينما تقوم نظريات المزاج العام بالأساس على فرضية انتماء الأفراد إلى مجتمع سياسي، فإن غالبية الدارسين يتفقون على جملة من العوامل الرئيسية التي تؤثر في المزاج العام وتشكيله على النحو التالي:

عوامل سياسية واقتصادية: الأزمات السياسية والاقتصادية قد تخلف لدى أفراد المجتمع شعورا بالقلق أو عدم الارتياح، أو الخوف أو التشاؤم من المستقبل. كذلك فإن المخاوف الأمنية قد تؤدي إلى شعور عام لدى قطاعات واسعة من الجمهور بحالة من القلق أو عدم الارتياح. وعلى العكس، فإن حالة الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي قد تخلق لدى قطاعات واسعة من أبناء المجتمع حالة ارتياح، أو شعور بالأمل أو الأمان أو الحافز.

وسائل الإعلام: بعض الدراسات تشير إلى دور كبير لوسائل الإعلام التقليدية منها أو الحديثة في تشكيل المزاج العام، حيث التعرض لنوعيات معينة من المعالجات والمضامين التي تقدمها، تؤدي إلى بناء وتشكيل تقييمات أو اتجاهات إما إيجابية وإما سلبية لدى أفراد المجتمع، وتؤثر بدرجة رئيسية على المزاج العام السائد في ما بينهم في النهاية.

منظومة القيم لدى أفراد المجتمع: وهي بعد ذو تأثير هام على تشكيل المزاج العام. فمن ناحية، تؤثر القيم السائدة داخل المجتمع على شكل استجابة أفراده للأحداث السياسية والاقتصادية، ومن ناحية أخرى تؤثر على تكوين الجمهور لانطباعاته، وإصداره الأحكام وتقييمه لما يتلقاه من معلومات عبر وسائل الإعلام، ومن ثم تبنيه مواقف بعينها إزاء ما يتلقاه، وهو ما يعزز بالفعل مزاجا عامّا قائما أو يغير هذا المزاج، وينعكس على مواقف سياسية تجاه السياسات العامة أو المسؤولين أو النظام القائم المحلي أو الدولي أو قضايا بعينها.

وهنا تبرز أهمية المهارات الخاصة بالفاعلين السياسيين في التنبؤ بالتغير في المزاج العام أو ثباته، وهي مهارات قوامها الرئيسي الخبرة السياسية، ودرجة القرب والتواصل المباشر مع الجمهور، والامتداد الشعبي لهؤلاء الفاعلين السياسيين، والحس السياسي والقدرة على التنبؤ بتأثير الأحداث والتغيرات السياسية على المزاج العام للجمهور.

الأحداث بالمنطقة أدت إلى خلق مزاج عام نقيض لما قبل 2011، يتسم بخليط من مشاعر القلق، والإحباط، والخوف من المستقبل، وفقدان الثقة في الساسة

المزاج العام والشرق الأوسط

في محاولة لفهم ديناميكيات التغييرات السياسية في بلدان الشرق الأوسط خلال العقد الأخير، لا يمكن تجاهل تأثير التغير في المزاج العام لدى الجماهير في صناعة تلك التغيرات التي شهدتها المنطقة. وبنظرة أولية واستنادا إلى ما سبق يمكن تأسيس ارتباط بين تلك التغييرات وتأثير حالتين متناقضتين من المزاج العام؛ مزاج عام غير راض عما هو قائم وحاضن للتغيير في مرحلة ما قبل الثورات العربية، وآخر نقيض رافض لهذا التغيير، داعم للاستقرار، يحمل حنينا إلى الماضي خلال السنوات التالية لتلك الثورات:

(*) ما قبل العام 2011: مثلت حالة الركود السياسي التي عاشتها أعداد من بلدان الشرق الأوسط، وما ارتبط بها من مشكلات سياسية واقتصادية واجتماعية، وحالة الانفتاح النسبي في وسائل الإعلام واتساع نطاق تأثير وسائط الإعلام الاجتماعية التي سلطت الضوء على الكثير من السلبيات داخل المجتمعات، ونجاح النخب السياسية المعارضة في توظيف تلك الوسائط لصالح الدعوة إلى التغيير، مزاجا عاما سلبيا وحالة عدم رضى تجاه ما هو قائم من أوضاع سياسية ونظم حاكمة، وهي حالة دعمها في الوقت نفسه نفاذ قيم العولمة، ومقارنة أتاحتها وسائط التواصل الاجتماعي ما بين تقدم الغرب الديمقراطي والشرق الأوسط السلطوي. وقد ارتبطت تلك الحالة من المزاج العام بأمل وحافز نحو تحسين الأوضاع حال اتخاذ بلدان المنطقة خطوات جادة نحو التغيير. وتوجت تلك الحالة، في النهاية، بسقوط النخبة الحاكمة في تونس ومصر واليمن وليبيا.

(*) ما بعد 2011: غير أن السنوات التالية بما حملته من إخفاقات في بلدان الثورات العربية، والتي تمثلت في فراغ أمني ونزاعات أهلية وطائفية وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وبروز نمط جديد من الإرهاب المسلح وتحول المنطقة إلى ساحة للتنافس الإقليمي والدولي، وإخفاق النخب التي قادت عملية التغيير، كل هذه الأحداث أدت إلى خلق مزاج عام نقيض لما قبل 2011، يتسم بخليط من مشاعر القلق، والإحباط، والخوف من المستقبل، والحنين إلى الماضي، وفقدان الثقة في الساسة وقادة التغيير، ورفض أي تغييرات محتملة قد تُسهم في المزيد من تدهور الأوضاع القائمة.

وعزز من هذا المزاج صعود حالة إعلامية مقابلة لتلك الحالة الداعمة للتغيير قبل وأثناء الثورات سعت إلى التأثير في المزاج العام، وربط الأوضاع القائمة بنظريات المؤامرة.

هل تشهد المنطقة المزيد

تخلص الدراسة إلى أنه وعلى الرغم من أن المزاج العام في العديد من البلدان العربية اليوم هو مزاج يبدو سلبيّا، يميل إلى الاستقرار خشية اتساع نطاق الاضطرابات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية في المنطقة، يظل من المحتمل أن تعزز الأزمات الاقتصادية التي تواجهها المنطقة لأسباب مختلفة، وما تلاها من إجراءات تقشفية في عدد من البلدان، الشق السلبي في هذا المزاج تجاه ما هو قائم.

وفي حالة عدم وجود آليات للتجاوب مع هذا المزاج المتغير، تظل الاحتمالات مفتوحة حول مواقف وخيارات الجمهور، ما بين تمسك بالقائم خشية المزيد من تدهور الأوضاع، أو سعي لدورة أخرى من المطالبة بالتغيير.

6