النظام العراقي ينشّط "دبلوماسية الرموز الدينية" لإنقاذ شرعيته المهدّدة

دعوة شيخ الأزهر أحمد الطيب لزيارة العراق بعد نجاح زيارة البابا.
السبت 2021/03/13
على خطاك إلى العراق

الصيت العالمي الذي أخذته زيارة بابا الفاتيكان الأخيرة إلى العراق يفتح شهيّة القائمين على النظام العراقي المأزوم لمواصلة اللعب على الرموز والعواطف الدينية من خلال دعوة شيخ الأزهر للقيام بزيارة مماثلة تساهم في تسويق صورة عن البلد توحي بالاستقرار والتسامح والتعايش بين مكوّناته بينما الواقع الفعلي على طرف نقيض من ذلك.

بغداد – سيكون شيخ الأزهر أحمد الطيب وهو يلبّي دعوة رسمية وُجّهت إليه لزيارة العراق إزاء قضايا شائكة تتعلّق بأوضاع المكوّن السنّي في البلد ومن الصعب القفز عليها أو تغطيتها بالأبعاد الدينية والرمزية والعاطفية للزيارة والتي تبدو مطلوبة لذاتها تكملة لما حملته زيارة بابا الفاتيكان الأخيرة من دعوات للسلام والتسامح والتعايش، على عكس ما هو قائم بالفعل في واقع البلد من طائفية وعنف وصراع سياسي شرس.

ووجّه رئيسا الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي والبرلمان محمد الحلبوسي الجمعة دعوة رسمية إلى شيخ الأزهر لزيارة البلاد، وذلك عبر رسالتين سلّمهما إليه رئيس ديوان الوقف السُني العراقي سعد كمبش، حسب بيان أصدره الديوان قال فيه أيضا إنّ أحمد الطيب رحّب بالدعوة.

وتكتسي زيارة شيخ الأزهر الذي يقود أهمّ مؤسسة دينية سنيّة، للعراق أهميّة في سياق نوع من “دبلوماسية الرموز الدينية” الهادفة إلى التخفيف من وطأة الطائفية التي اشتدّت في البلد منذ سيطرة أحزاب شيعية على دفّة الحكم مستعينة في توطيد نفوذها وسلطاتها بميليشيات زادت من تعقيد الوضع وتوسيع الهوّة بين مكوّنات المجتمع العراقي عبر ممارساتها الطائفية واعتداءاتها التي طالت بشكل أساسي أبناء المكوّن السنّي وتفاقمت خلال فترة الحرب على تنظيم داعش بين سنتي 2014 و2017 وما تزال تبعاتها متواصلة إلى اليوم.

تساؤلات حول إمكانية فتح ملفات من قبيل جرف الصخر والتغيير الديمغرافي خلال زيارة شيخ الأزهر للعراق

ودارت أغلب الفصول الدموية لتلك الحرب في مناطق السنّة بشمال وغرب العراق إضافة إلى منطقة في جنوب العاصمة بغداد، وشاركت فيها بفعالية الميليشيات الشيعية التي اجتمعت في هيكل أنشئ لمواجهة التنظيم تحت مسمّى الحشد الشعبي.

ومارست ميليشيات الحشد أنواعا متعدّدة من الاعتداءات على سكان المناطق السنيّة من قتل على الهوية بتهمة الانتماء لداعش، إلى توقيفات عشوائية استنادا إلى اتهامات من دون أدلّة بالتواطؤ مع التنظيم، إلى الإخفاء القسري، وصولا إلى التهجير ومنع المهجّرين بعد نهاية الحرب من العودة إلى مناطقهم والاستيلاء على ممتلكاتهم.

وما تزال منطقة جرف الصخر بجنوب العاصمة بغداد تمثّل أبرز نموذج على اعتداءات الميليشيات الشيعية على أبناء المكوّن السنّي في العراق، حيث واجه سكّان تلك المنطقة بعد تسرّب عناصر تنظيم داعش إليها سنة 2014 تهمة جماعية باحتضان التنظيم، وتمّ بناء على ذلك طردهم حيث ما يزال أغلبهم ممنوعين من العودة إلى ديارهم، بينما يُجهل إلى اليوم مصير الكثير من سكان الجرف الذين أوقفتهم الميليشيات واقتادتهم إلى وجهات مجهولة.

ورغم الإعلان رسميا عن هزيمة داعش قبل أكثر من أربع سنوات، ما تزال الميليشيات الشيعية ترفض أيضا مغادرة المناطق التي شاركت في استعادتها من التنظيم في محافظات ديالى وصلاح الدين وكركوك ونينوى والأنبار.

ورأى أن ذلك الانتقال “يمكن رصده بشكل واضح في وسائل الإعلام العراقية حتى الرسمية منها. فالدولة صارت في حقيقة ما تقوله وما تقوم به لا تقف ضد التمييز الطائفي بل تعمل على تكريس احتكار السلطة من قبل طائفة بعينها. أما الطائفة الأخرى التي تم استضعافها عبر حروب متلاحقة فما هي إلا ملحق صغير تمت تعريته وإفراغه من محتواه بحيث صارت تلك الطائفة المستضعفة غير ممثلة في السلطة إلاّ من خلال مجموعة من المرتزقة والوصوليين والانتهازيين الذين يمكن استبدالهم بيسر بعد فتح ملفاتهم السرية”.

وبالنظر إلى مواصلتها التضييق والاعتداء على سكان تلك المناطق ومنع النازحين عنها من العودة إليها، تواجه الميليشيات تهمة محاولة إحداث تغيير ديمغرافي خصوصا في المناطق التي يتوزّع الانتماء الطائفي لسكانها بين السنّة والشيعة.

وتعليقا على دعوة شيخ الأزهر لزيارة العراق قال مراقب عراقي “إنّه بغض النظر عمّن وجه تلك الدعوة فإنها لا تخرج عن نطاق دائرة التجاذب الطائفي الذي انتقل إلى مستوى أكثر خطرا من خلال تحول الطائفية السياسية إلى طائفية اجتماعية”.

Thumbnail

ومن هذا المنطلق، يضيف ذات المراقب “يمكن النظر إلى دعوة شيخ الأزهر باعتبارها غطاء ثانيا للتعتيم على ما انتهى إليه العراقيون من أتباع المذهب السني من أوضاع إنسانية غاية في السوء، لا يحتاج المرء إلى كثير من الجهد لإثباتها في ظل ما يعانيه النازحون من عذاب وهم لم يغادروا وطنهم. فمدن كثيرة لا تزال مهدمة ومدن أخرى يمنع الحشد الشعبي سكانها من العودة إليها، ومدن صارت جزءا من التبعية الإيرانية ولم تعد للحكومة العراقية أي سلطة عليها”.

ويختم المراقب العراقي قائلا “كل هذا المشهد بتفاصيله المؤلمة لن يراه شيخ الأزهر ولن يناقشه مع المسؤولين. فهل سيكون هو الآخر شاهد زور؟”.

وتستبعد مصادر عراقية أن يطرح شيخ الأزهر خلال زيارته للعراق مثل تلك القضايا الشائكة. وتوقّع عضو سابق في البرلمان العراقي أن يكون محتوى زيارة أحمد الطيب شبيها بمحتوى زيارة بابا الفاتيكان من خلال التركيز على المعاني الدينية والرمزية وقضايا التسامح والتعايش دون التطرق إلى قضايا عملية.

واستدرك ذات النائب بالقول إنّ الأمر بالنسبة إلى شيخ الأزهر قد يكون مختلفا، فقد يكون موضع انتقادات حادّة من قبل سنّة العراق من زاوية أنّ زيارته تساهم في تلميع صورة النظام الذي اضطهدهم وإضفاء شرعية عليه يكاد الشارع العراقي يسقطها من خلال احتجاجاته العارمة المتواصلة منذ سنة 2019.

وكان البابا فرنسيس قد أنهى الإثنين الماضي زيارة للعراق قد بدأها الجمعة والتقى خلالها رئيس الجمهورية برهم صالح ورئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، إلى جانب عقده لقاء وصف بالتاريخي مع المرجع الشيعي علي السيستاني.

وكان شيخ الأزهر من المرحّبين بزيارة بابا الفاتيكان إلى العراق حيث وصفها بـ”التاريخية والشجاعة”، قائلا في تغريدة على تويتر “زيارة أخي البابا فرنسيس التاريخية والشجاعة للعراق العزيز تحمل رسالة سلام وتضامن ودعم لكل الشعب العراقي”.

3