النظام العربي في مواجهة التحديات الإقليمية: صراع الأدوار إلى أين

الخميس 2015/02/26
انقسام الرؤى العربية حول الأزمة السورية يزيد من تعقيدها

يمنح الخلاف العربي العربي حول حلول العديد من الأزمات في المنطقة القوى الإقليمية، تركيا وإيران، بدرجة أولى، الفرصة لتحقيق مآربها في المنطقة. كما يفتح انقسام الرؤى العربية حول قضايا البيت العربي الداخلي المجال أمام تحالفات خارجية لها توجهاتها ومصالحها المضادة للتدخّل بما يجعل المنطقة في أزمات مستمرّة يحتاج حلّ بعضها إلى تفعيل تحرّك عربي مشترك في ظل تدويل الكثير من شؤون العالم العربي.

تبدأ إعادة تقدير التحديات التي تلمّ بمصالح العرب من الإمساك بالأوراق المبعثرة في القضايا الاستراتيجية العربية وذات الصلة الوثيقة بالأمن القومي العربي. وأهمية هذا الأمر تزداد، خاصة وأن أبرز القضايا التي بدأت تطرح نفسها بقوة تتجلى في مخاوف تفكك الدولة المركزية وسياسات الاستنزاف على أيدي جماعات العنف الإسلامي. يضاف إلى ذلك، استفحال حساسية السياسات العربية تجاه بعضها البعض ثم ظهور سياسات قصيرة النفس وعديمة التأثير تدل كلها على ضعف التضامن العربي. ناهيك عن التهميش المتواصل للعرب في السياسة الدولية.

هذا في الوقت الذي بدأت تتجه سياسات الولايات المتحدة الأميركية في العديد من الملفات نحو رؤية لا تأخذ بأولويات المصالح العربية الحليفة لها منذ زمن باعتبار أن هذه الأخيرة تحركها فلسفة براغماتية تتحكم فيها عوامل مصلحية ذاتية أولا وأخيرا. ومن ثم تشترك هذه السياسة في الحد من فعالية التحرك العربي المشترك إذا كان يتجه في وجهة غير مرغوب فيها أو يريد صياغة أوضاعه طبقا لتصوراته.

وهذا السياق يدفع إلى التساؤل بخصوص مدى قدرة النظام العربي على تفعيل مصادر قوته لمجابهة تحديات دول الجوار الإقليمي، وإلى أين يتجه الوضع الراهن؟ وما هي أوجه التناقض في النظام الإقليمي العربي وما هي ملامحه وأبرز تحدياته؟

رؤيتان متنافستان

على المستوى العربي، لم يعد يخفى على أحد أن هناك تكتلا سياسيا في المنطقة العربية يتمركز حول قطر وتركيا والسودان (إذا استثنينا تصريحات الرئيس السوداني الأخيرة) وحركة الإخوان المسلمين وحزب الله وإيران. ومهما تقاربت أو اختلفت توجهات هذا التكتّل، على المدى القصير أو المتوسط، فإنه يهدف عموما إلى صياغة بديل إسلام سياسي في كل المنطقة العربية على اختلاف أو تقارب وجهات النظر داخله وغايته سواء كانت مرجعيته من الفكر الإسلامي السني أو الشيعي. وهاجسه الأول هو إضعاف الأنظمة الوطنية ومصادرة خطابها السياسي. كما تختلط فيه الشرعية السياسية بالشرعية الدينية، وقوامه التركيز على تجنيد الشباب، وتسخر له إمكانيات مالية ودعائية وإعلامية لجمعيات تدّعي أنها خيرية أو تعليمية.

في المقابل، نقطة الانطلاق في الطرف الآخر تجد رؤيتها السياسية في الملكيات العربية ومصر وتونس، لكن هذا التكتل الجديد ما زال جنيني التكوين ولم تكتمل ملامح عمله السياسي الاستراتيجي بعد، بحيث يسعى إلى بلورة رؤية إصلاحية تدريجية تحافظ على مكاسب الدولة الوطنية وحمايتها من الاضطرابات الجارية وتصدع الجبهة الداخلية بما يضمن حقوقا وواجبات متساوية بين جميع المواطنين، فيما يؤكّد هذا القطب على أن خيار الإصلاح العربي شأن وطني داخلي، وليس خيارا خارجيا ودوليا. كما أنه يُحذر بأن أسلمة السياسة تقوي الحركات الجهادية أكثر مما تضعفها، وهي تثير التفرقة مما يشجع على الانقسام الديني والمذهبي والطائفي داخل الوطن الواحد.

أسلمة السياسة تقوي الحركات الجهادية وتثير التفرقة وتشجع على الانقسام الديني والمذهبي والطائفي داخل الوطن الواحد

غاية هذا التوجّه الحفاظ على مكونات هوية بلدانه اللغوية والثقافية والرؤية الحضارية الوسطية المنبثقة عنها في عولمة جارفة، بحيث أصبحت هذه الرؤية الإقليمية التي تحمل مشعلها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في الخليج العربي ومصر والمغرب في وسط الإقليم العربي، تدرك جيدا أن تآزرها والتعاون بينها واجب في ظل تدويل الكثير من شؤون العالم العربي.

هذا في الوقت الذي تطلّ على العالم العربي برمته، تحديات الجماعات العنيفة المتطرفة، فضلا عن مآل الغزل الإيراني الأميركي وتدخلات إيران وتركيا عبر أحزاب إسلامية في مسائل تهم جوهر الأمن العربي القومي. بحيث بتنا في معادلة ضرب الإسلام بالإسلام عبر ولاءات فرعية تسببت في اليمن وسوريا والعراق وليبيا إلى ظهور نعرات طائفية وجهوية ومناطقية وقبلية واصطفافات طائفية.

ولعلنا لا نبالغ البتة، بالقول إن مصر توجد في قلب هاتين الرؤيتين المتصارعتين، حيث لم تستطع الصمود إلا بفضل قوة جيشها الوطني ودعم قوي من بلدان خليجية مؤثرة، تؤمن بأن تحديد الصراع بين هاتيْن الرؤيتين الاستراتيجيتين، يتعلق بحسم مستقبل التطور السياسي في مصر بعد أن سقط المستفيد الذي لم يشارك في الثورة إلا في هزيعها الأخير وأراد استغلال ضعف الدولة لكي يبسط هيمنته عليها. تلاه فشل ذريع في إدارة شؤون الدولة وخيبة أمل كبيرة في معالجة المشكلات الاقتصادية والسياسية، خاصة أن مصر تشكل القاعدة العربية وصلة الوصل بين الشرق والغرب.

كما أن استقرار مصر في صلب الاستقرار العربي وأمنه القومي، لا مناص منه ولا بديل عنه في كسب رهان التنمية الاقتصادية وتحسين مستوى معيشة السكان ومجابهة الفساد ومحاربة البطالة بين الشباب والحد من الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، بحيث تصبح القوى السياسية والمدنية في قلب هذا التحدي، لا بعيدة عنه ولا مستبعدة منه. إلا أن واقع الأحداث المتسارعة وخطورة التجاذبات، تدفع إلى الإحاطة بالتهديدات الإقليمية القائمة في مواجهة رؤية دول الاعتدال العربي.

تبشير بخرائط جديدة تقتطع أجزاء وتصنع أخرى على وقع الفوضى

المشروع التركي

تمثل الجغرافيا التركية الجناح الشمالي للشرق الأوسط، حيث تتماس حدودها مع سوريا والعراق والحدود الشمالية الغربية مع إيران، مما يخولها التأثير في جوارها العربي الجيوسياسي. وهي تنفرد باقتصاد يجعلها رقم 17 في العالم وكتلة بشرية ضخمة وبموقع مهم على البحر الأبيض المتوسط والتحكم في مضيق البوسفور والدردنيل، يبعث فيها الرغبة في أن تجعل من محيطها القريب سوقا كبيرة لبضائعها وفي نفس الوقت موردا طاقيا بامتياز.

وتكمن مشكلة تركيا مع العرب في كونها تريد أن تتصرف كدولة إقليمية نافذة ومتحكمة في ملفات ثلاثة أولها مشكلة المياه والحدود أو في رسم مستقبل العلاقات مع إسرائيل، بحيث تريد أن تكون هي من يحدّد إيقاع هذه المستويات وتعزف موسيقاه. فضلا عن ذلك، قرر حزب العدالة والتنمية دعم النفوذ التركي في العالم العربي واختراقه بدعم تيار الإخوان المسلمين والترويج لنموذجه السياسي عبر هذا التيار وجعله محور سياستها الخارجية. بالإضافة إلى أنه إذا كان من الغريب أن يصل هذا الحزب إلى الحكم بموجب الفصل بين الدين والسياسة، فهو يسعى إلى تسخير الإسلام السياسي عبر الإخوان المسلمين لتحقيق موقع قدم في البلدان العربية عبر الانضمام إلى محور عربي رماله متحركة على الدوام. كما أنه من المعروف أن أنقرة لم تتخذ إجراءات لضبط الدخول أو التسلل على الحدود مع سوريا والعراق.

ومن ثم التزمت تركيا الصمت كثيرا وطويلا حول ما يقوم به تنظيم داعش، ربما يبرره استغلال سياسي كمسمار في كعب أخيل النفوذ الإيراني المتورم في المنطقة، وبالتالي استغلاله كورقة لخلط الأوراق في التوازنات الإقليمية، لأنها ما زالت ترى أن الاتفاقية الموقعة مع بريطانيا في عام 1926 سارية المفعول، ويمكنها استرجاع ولاية الموصل في حالة لم يتمكن العراق من الحفاظ على وحدته، كما هو مضمن في الاتفاقية، لذلك تسعى دائما إلى إيجاد أرضية توافقات مع إيران على حساب العرب بحساب منطق التكلفة والعائد في العراق، ناهيك عن عدم التخلي كليا عن ورقتها السابقة التي تمثلت في التقارب التركي–الإسرائيلي بفعل روابطها مع الولايات المتحدة الأميركية.

إيران تسعى إلى الظهور بمظهر الشريك الأساسي في مكافحة داعش على نحو يساعدها في التحول إلى قطب إقليمي رئيسي

المشروع الإيراني

حاولت إيران، طوال سنوات، التأثير في محيطها العربي عبر تصدير الثورة منذ 1979. لكن بعدما عجزت عن ذلك، بادرت إلى تعديل نسختها الثورية والتأثير في جوارها عبر “مشروع الممانعة” بحيث حاولت أن ترث وأن تستغل كل التلوينات الشعبوية في الظهور بمظهر العداء للولايات المتحدة الأميركية بعد أفول نجم الناصرية والتيارات البعثية في الشرق الأوسط. ومن ثم حاولت عبر امتداداتها العرقية والطائفية للضغط على جوارها العربي كي تقبلها واشنطن في الأخير كشريك استراتيجي، بحيث تندرج المفاوضات الإيرانية الأميركية حول الملف النووي في هذا الأفق المنظور، ساعية بذلك إلى إقناع إدارة أوباما بأنها “نظام محافظ” لا يعادي المصالح الأميركية بقدر ما يعارض موقع إيران الحالي في هذه المصالح. لذلك عمدت سلطات إيران إلى التمدد في العراق ولبنان وسوريا واليمن مما أخل بالتوازنات الإقليمية وبات هذا التدخل يشكل تحديا كبيرا للأمن القومي العربي في المنطقة.

علاوة على ذلك، تسعى إيران إلى توطيد نفوذها في العراق والظهور بمظهر الشريك الأساسي في مكافحة داعش والحريص على المصالح الغربية في المنطقة، على نحو يساعدها في التحول إلى قطب إقليمي رئيسي مستغلة بذلك عدم رغبة الولايات المتحدة الأميركية في التدخل عسكريا.

مأزق العمل العربي المشترك

تعثر السياسة العربية الحالية بسبب ظهور رؤيتين متصارعتين حول ما يجري في العراق وسوريا واليمن وليبيا، لا يعني أننا هنا بصدد تكرار صراع قديم/جديد في النظام العربي كالذي حصل بين جبهة الصمود والتصدي والدول العربية الأخرى. بل بتنا اليوم أمام معادلة جديدة وخطيرة قوامها غياب توازن استراتيجي. فضلا عن تصاعد حدة إرهاب عابر للحدود استطاع أن يجهز على الحدود. لذلك إن التبشير بخرائط جديدة تقتطع أجزاء معينة وتصنع أخرى لن يقوم إلا بنشر الفوضى والانفجارات الأمنية الكبرى التي تعكس جليا خطورة المسار الذي آلت إليه المنطقة.

والواقع، إننا اليوم في صراع تتدخل فيه قوى إقليمية غير عربية (إيران وتركيا) لقلب النظام العربي وتسير الأحداث ويتجه الفاعلون فيه في اتجاهين متقابلين.

وأبرز مما فيه شدة الصراع التي لا تتوقف أبدا، بحيث غاب العمل العربي المشترك ولم يساعد دور الجامعة العربية على لملمة الوضع على قاعدة تنازلات متبادلة كما يحدث في الاتحاد الأوروبي.

وبتنا اليوم نجابه الكثير من المشاكل في وقت واحد وظروفا مستعصية بلغ فيها الضعف العربي مداه مع بزوغ هلال شيعي يتمدد على تخوم الوطن العربي وفي محيطه. ناهيك عن خطر التنظيمات الإرهابية والصراع العراق وسوريا وليبيا وفوضى اليمن.

استقرار مصر في صلب الاستقرار العربي وأمنه القومي، لا مناص منه ولا بديل عنه في كسب رهان التنمية الاقتصادية وتحسين مستوى معيشة السكان ومجابهة الفساد ومحاربة البطالة بين الشباب

وقد كشفت التطورات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط أن السياسة الأميركية، هي سياسة مصلحية متناقضة وفاقدة للثبات في موقفها، وهي ذات توجهات متحولة في سياستها بما يتفق مع أهدافها وتعاني من أزمة مصداقية وثقة، بمعنى أن كل الجوار العربي وتمفصلاته أصبح عرضة إلى هزات عنيفة لها ارتدادات آنية ومقبلة.

بوجه عام، كلما ازدادت حدة الاستقطاب داخل التحالف العربي– العربي وبين أعضائه، اتسع هامش التدخل الأجنبي والدولي في قضايا العرب. لذا لا يمكن فك حالة الاستعصاء الحالية إلا بترتيب أولويات دول الاعتدال العربي وفحص سائر الرهانات المحيطة به.

لا يمكن معالجة المنعرج الأخير في النظام العربي الذي تتجاذبه اليوم رؤيتان متنافستان، إلا إذا ربطناه بحل جذري يكمن في اتفاق الجميع على قطع دابر التطرف ومواجهتـه فكريـا وإعـلاميا فضلا عن معالجة الشرخ الكبير الذي حصل في مواقفه حول الإسلام السياسي وأمنه القومي الاستراتيجي، مما يجعل من التعاون وتنسيق السياسات والحفاظ على المصالح أولوية كبرى، بحيث يجب أن يكون حجر الزاوية فيه دول الاعتدال العربي وعلى رأسها السعودية ومصر بما يضمن عدم الوقوع تحت تأثير أطـراف خارجيـة إقليميـة أو دولية.

بتنا نواجه اليوم العبث بخريطة العالم العربي وإعادة رسم جغرافيته على نحو تتفكك فيه دول تمهيدا لظهور دويلات للأكراد والسنة والشيعة أو القبول بكانتونات داخل الدول نفسها، طالما بقي ذلك يحافظ على مصالح دولية بعينها.

هذا الأمر يطرح استراتيجيات وشعارات جذرية يجب أن تضع المواطن العربي وقواه المدنية والإعلامية في أي استراتيجية لمواجهة التحديات والأخطار التي تحيط به. وهذا هو الأهم في هذه المرحلة.

باحث جامعي، مركز أنظمة الفكر المعاصر، جامعة السوربون

6