النظام المالي العالمي في مفترق طرق العملات المشفرة

بتكوين تنهض "مؤقتا" من الرماد رغم كثرة الأيادي التي تحاول خنقها وتتحدى جبهة السلطات المالية الواسعة.
الأحد 2019/06/09
مناجم تعدين عملات بلا سلطة مركزية أو رقابية

من الغريب ألا يحظى مستقبل النظام المالي العالمي وهو يدخل في مفترق طرق العملات الالكترونية المشفرة، بما يستحق من الاهتمام، رغم أنه يمثل العمود الفقري لجميع مظاهر الحياة، في وقت تحتقن في الآفاق المستقبلية بالكثير من المكاسب والتسهيلات المحاطة بمخاوف كارثية.

ويقول المتشائمون أن زحف العملات الرقمية يمكن أن يهدم النظام المالي التقليدي ويقوض سلطة الحكومات وقدرتها على الإنفاق وقد يؤدي إلى انهيار الدول والمجتمعات.

وتعد السلطة النقدية من أهم مقومات الدول، التي تمكنها من الإنفاق على المؤسسات والخدمات والأمن والدفاع، وهي توفر لها موارد مالية تفوق كثيرا ما تجنيه من الضرائب والإيرادات الأخرى، ولذلك فإن انتشار عملات أخرى خارج سيطرتها يمكن أن يهدد أركان السلطات المركزية.

عنصر القوة في العملات الرقمية المشفرة مثل البتكوين، يكمن في أنها غير خاضعة لأي سلطة رقابية مالية. لكن ذلك العنصر هو في الوقت نفسه نقطة الضعف، التي يمكن أن تقتلها أيضا.

هامش حركة ضيق

يمكن القول إن أي سلطة مركزية لن تستطيع قتل تلك العملات بشكل نهائي مهما كانت أسلحتها ومهما استخدمت من سياسات قمعية، ما دام هناك أشخاص يقبلون التعامل بها ويقايضونها بسلع وخدمات فيما بينهم، مثلما يتبادل شخصان سيارة مقابل لوحة فنية.

في المقابل لن تسمح السلطات والحكومات لتلك العملات بتهديد النظام المالي العالمي، أي أنها يمكن أن تتعايش معها بحجمها الحالي الصغير، لكنها سوف تشن عليها أشرس الحروب إذا اقتربت من اقتطاع حصة كبيرة من النظام المالي العالمي.

حتى الآن لا تزال القيمة الإجمالية لجميع العملات المشفرة مجرد قطرة في بحر النظام المالي التقليدي، الذي تصل قيمته إلى آلاف تريليونات الدولارات.

كايتلين لونغ: العملات المشفرة تتذبذب بشدة لأن ارتفاع الطلب لا يقابله ارتفاع في العرض لعدم خضوعها لسلطة مركزية
كايتلين لونغ: العملات المشفرة تتذبذب بشدة لأن ارتفاع الطلب لا يقابله ارتفاع في العرض لعدم خضوعها لسلطة مركزية

ولأن تلك العملات المشفرة المتداولة تتحرك خارج جميع السلطات الرقابية والتنظيمية، فليس هناك إحصاءات دقيقة لقيمتها، لكن أرجح الآراء تقدر قيمتها حاليا بنحو 400 مليار دولار فقط.

وحتى في ذروة صعودها الصاروخي في ديسمبر 2017 فإن القيمة الإجمالية لجميع العملات الرقمية بلغت في أقصى تقدير نحو 820 مليار دولار، وهي قيمة ضئيلة مقارنة بحجم النظام المالي التقليدي.

وهناك تقديرات أخرى تضعها في مستويات أقل بكثير مثل موقع “كوينماركت.كوم” الذي يقدر قيمتها الإجمالية حاليا بنحو 270 مليار دولار فقط.

وتتعلق تلك التقديرات بالعملات غير الخاضعة للسلطات المالية الرقابية، أي أنها لا تشمل مشاريع إصدار عملات مشفرة من قبل المصارف المركزية أو أي جهات تربط إصداراتها بالعملات السيادية وتكون خاضعة للمراقبة.

هناك اليوم أكثر من ألف عملة قيد التداول أو في مراحل الإصدار المختلفة، إلا أن البتكوين لا تزال تشكل لوحدها ما يصل إلى 60 بالمئة من القيمة الإجمالية لجميع العملات الرقمية المشفرة المتداولة حاليا.

في نهاية العام الماضي كانت عناوين الأخبار وتقارير المحللين تلوح بوداع العملات الرقمية المشفرة، بعد أن بدا أن المؤسسات المالية التقليدية تستطيع خنقها بإغلاق نوافذها على النظام المالي وحبسها في الأقبية السرية من خلال منع بيعها وشراءها باستخدام الحسابات المصرفية وبطاقات الائتمان.

وسجل موقع “بتكوين99” الذي يجمع اقتباسات من المعلقين الذين يتوقعون زوال العملة الرقمية، اختفاء وانعدام 93 وحدة بتكوين في العام الماضي، وما مجموعه 359 منذ ديسمبر 2010.

كما تعرضت لضربات عنيفة بسبب سرقات كبيرة لتلك العملات وانهيار منصات لتداولها، إضافة إلى استخدامها من قبل العصابات ومطالبة قراصنة بالحصول على أموال بعملة البتكوين مقابل إيقاف هجمات إلكترونية.

وقد أدى ذلك إلى انحدار قيمة جميع العملات المشفرة خلال عام 2018، حيث فقدت بتكوين نحو 80 بالمئة من قيمتها، بعد أن كانت قد شهدت طفرة مذهلة في عام 2017 حين تضاعفت قيمتها 20 مرة لتصل في نهايته إلى نحو 20 ألف دولار.

 نهوض من الرماد

في الأسابيع الأخيرة عادت العملات المشفرة إلى عناوين الأخبار بعد نهوضها من الرماد. وقد أدى ذلك إلى عودة الجدل بشأن تأثيرها مستقبل النظام المالي العالمي، بعد أن تضاعف قيمتها فجأة منذ بداية العام الحالي.

اليوم يقف العالم حائرا أمام ذلك النهوض والارتفاع الغريب، الذي يتحدى جبهة السلطات المالية الواسعة وكثرة الأيادي التي تحاول خنقها بسبب تهديدها على المدى البعيد لركائز النظام المالي التقليدي.

ويرى مانويل إرنيستو دي لوكي مونتانير، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة بلوك أسيت مانجمنت، التي تتخذ من لوكسمبورغ مقراً لها أن “الكثير من الناس كانوا يعتقدون أن العملات المشفرة انتهت إلى غير رجعة”.

لكنه يؤكد أن الطلب من المؤسسات وصناديق رأس المال الاستثمارية ساعد في تغذية انتعاش الأسعار هذا العام وأخرج العملات المشفرة من شتائها القارس”.

هناك حالة من الوجوم تخيم على المحللين بعد أن قفز سعر بتكوين بأكثر من 140 بالمئة منذ بداية العام الحالي، نصفها تقريبا خلال الشهر الماضي حين اقتربت من حاجز 9 آلاف دولار، رغم أنها تراجعت منذ ذلك الحين لتصل إلى أقل من 8 آلاف دولار.

سبب الحيرة هو عدم وجود مبرر ذلك الصعود الكبير في ظل عدم حدوث أي تغيير يذكر في العوامل الأساسية المحيطة بها.

حظر استخدام بطاقات الائتمان في شراء وبيع العملات الرقمية العام الماضي أكد إمكانية خنقها وسجنها في أقبية سرية صغيرة
حظر استخدام بطاقات الائتمان في شراء وبيع العملات الرقمية العام الماضي أكد إمكانية خنقها وسجنها في أقبية سرية صغيرة

ولم يقتصر الصعود الغريب هذا العام على عملة بتكوين، حيث ارتفعت قيمة اثيريوم، ثاني أكبر العملات المشفرة، بنسبة 110 بالمئة منذ بداية العام الحالي، في حين قفز سعر لايتكوين بنسبة تصل إلى 290 بالمئة هذا العام.

ويبدو أن ذلك الصعود الصاروخي لا يستند سوى إلى زيادة عدد المتعاملين بها واستعدادهم لدفع ذلك السعر لشرائها، وربما أيضا فتور الهجمات عليها من قبل المؤسسات المالية، مقارنة بما حدث مرارا في العام الماضي.

وترى كايتلين لونغ، المصرفية السابقة في بنك مورغن ستانلي، وتعمل حاليا في مؤسسة وايومينغ بلوك تشين إن سبب التذبذب الشديد في الأسعار هو أن “ارتفاع الطلب لا يقابله ارتفاع مماثل في العرض. لا توجد سلطة مركزية للعملات المشفرة للاستجابة والتعامل مع ارتفاع الأسعار.

وتؤكد شركة بلوك تشين المتخصصة في تقدم محافظ العملات المشفرة ارتفاع عدد المحافظ بإيقاع مستقر خلال السنوات الأخيرة، حتى خلال أزمة تلك العملات في العام الماضي، لكنها تقول إن الطلب على فتح المحافظ تسارع قليلا منذ أبريل الماضي.

وبدأ بعض المراقبين يقارنون بين الارتفاع الصاروخي الذي حدث منذ بداية العام الحالي بما حدث في عام 2017. وذهبت بعض التحليلات إلى مكاسبها قد تنبع من تحول واسع نحو إصدار العملات الرقمية.

لكن ذلك التحليل يشوبه الكثير من التبسيط لأن العملات التي يمكن أن تصدرها السلطات المالية المركزية والبنوك الكبرى والشركات، تعد من جنس آخر تماما لأنها ترتبط بالعملات السيادية.

عملات بديلة وشفافة

هناك اليوم تحركات كثيرة من قبل مصارف مركزية عالمية لإصدار عملات رقمية وكذلك في المنطقة العربية حيث تخطط الإمارات والسعودية لإصدار عملة مشتركة، لكن تكون مرتبطة بالعملات السيادية وخاضعة للرقابة وتقتصر وضيفتها على تسهيل التعاملات التجارية.

وبدأ موقع فيسبوك خطواته الأولى لإصدار عملة رقمية جديدة يمكن أن تنتشر على نطاق واسع جدا كوسيلة دفع يمكن أن تقلص دور تنتشر على نطاق واسع بسبب العدد الهائل لمستخدمي موقع التواصل الاجتماعي الذين يزيدون على ملياري نسمة.

وتختلف تلك العملة جذريا عن العملات المشفرة مثل بتكوين، لأنها ستكون مرتبطة بالدولار، أي أن سعرها لن يتذبذب ولن تكون تخضع للمضاربات. ومن المتوقع أن تكون منافسا شرسا لمدفوعات بطاقات الائتمان الحالية مثل فيزا وماستركارد.

كما كشفت مصارف كبرى عن خطط مماثلة مثل بنك جيه.بي مورغن تشس، الذي أصدر عملة رقمية يمكن لزبائنه من الشركات تسوية حساباتهم بها.

وتهدف تلك العملات إلى تسهيل التعاملات وإبرام الصفقات فقط، وهي لا تتذبذب لوحدها بعيد عن العملات السادية، بل إن استخدامها يخضع للرقابة على الفور عبر تقنية البلوك تشين وبدرجة تفوق الرقابة على حركة الأموال النقدية.

فيسبوك يستعد لإطلاق عملة رقمية مرتبطة بالدولار غير خاضعة للمضاربات وستكون منافسا قويا لبطاقات الائتمان التقليدية
فيسبوك يستعد لإطلاق عملة رقمية مرتبطة بالدولار غير خاضعة للمضاربات وستكون منافسا قويا لبطاقات الائتمان التقليدية

ورغم الارتفاع الكبير في قيمة العملات المشفرة هذا العام، إلا أنها لا يزال أمامها طريق طويل للعودة إلى مستويات الذروة التي بلغتها في ديسمبر 2017 حيث لا تزال قيمة بتكوين تقل بنحو 55 بالمئة عن تلك المستويات.

من الواضح أن العملات المشفرة التي تصدرها المصارف والشركات الكبرى سوف تكتسح النظام المالي العالمي لكنها ستنسجم معه بخضوعها لرقابة السلطات والمصارف المركزية.

أما العملات الخارجة عن الرقابة مثل بتكوين فسوف تبقى عملة مضاربات تتذبذب في نطاق واسع بين الصعود والهبوط لأنها مرتبطة بالعرض والطلب وبلا قواعد تنظيمية. وستبقى منطقة فوضوية تنشط فيها تحركات غسيل الأموال ونشاط العصابات والمدفوعات غير القانونية.

سيكون من الصعب القضاء على العملات المشفرة بشكل نهائي، لكنها لن تتمكن من اقتطاع حصة كبيرة من النظام المالي العالمي، لأن السلطات الحكومية لن تسمح لها بالوصول إلى حجم مؤثر يهدد الاستقرار.

عملات أقبية سرية

إمكانية خنق العملات المشفرة اتضحت منذ فبراير 2018 حين قررت مصارف أميركية وبريطانية منع شرائها وبيعها باستخدام بطاقات الائتمان، لتثبت إمكانية حصر تداولها في أقبية سرية خاصة إذا امتد ذلك الإجراء إلى نطاق عالمي.

وأطلق بنك أوف أميركا شرارة الحظر ثم تبعه جيه.بي مورغن ومجموعة سيتي غروب المصرفية ومصرفي كابيتال وان وديسكفر، ما يعني أن 5 جهات رئيسة لإصدار بطاقات الائتمان في الولايات المتحدة فرضت حظرا على التعامل بالعملات المشفرة.

ثم امتدت الخطوة إلى بريطانيا، حيث أعلن بنك لويدز البريطاني حظر شراء شرائها وبيعها باستخدام بطاقات الائتمان التي يصدرها البنك.

قبل ذلك كان الاعتقاد الشائع أن العملات المشفرة قدر محتوم لا يمكن إيقافه، لكن ذلك الإجراء أثبت استحالة هيمنة عملات رقمية لا تخضع لرقابة السلطات المركزية.

وقد انحدرت قيمتها بشكل حاد بعد ذلك الإجراء الذي عزل ملايين الأشخاص عن التعامل بها لعدم قدرتهم على شرائها وبيعها، الأمر الذي يقلص مساحة تداولها بدرجة كبيرة. يمكننا أن نتخيل الحرب مستقبل العملات المشفرة الخارجة على سلطة الحكومات المركزية إذا ما ضغطت الدول الكبرى على جميع دول العالم لفرض حظر عالمي استخدام البطاقات الائتمانية في شرائها وبيعها وهو ما سيبقيها في نطاق ضيق، ربما إلى الأبد.

أما العملات الرقمية الصادرة عن المصارف والشركات والتي تخضع لرقابة السلطات المالية الحكومية فإنها ستهمن حتما على النظام المالي العالمي لتظهر ملامح عصر مالي جديد تتلاشي فيه العملات التقليدية ويكون أكثر شفافية ودقة باستخدام تقنية البلوك تشين.

17