النظام المصري والشباب: معضلة السير في الاتجاه الخطأ

بدأت بوادر انفراج تلوح في الأفق بشأن العلاقة المضطربة بين النظام المصري وقطاع من الشباب النشطين سياسيا، حيث جرى الإفراج عن الصحافي الشاب عمرو بدر عقب إخلاء سبيل الحقوقي مالك عدلي، وسط وعود بالمزيد من الإفراجات خلال الأيام المقبلة، في خطوة لتحقيق المصالحة مع الشباب وضمان حيادهم على الأقل بعد أن تبين أنه يصعب تطويعهم وفق أهداف تحددها وترسم ملامحها السلطة، فبعد ثورتين متتاليتين زاد الوعي بدرجة كبيرة، وأصبح الأمر بحاجة إلى قدرة أكبر على الحوار العقلاني معهم وأي قمع ضدهم سيكون لفائدتهم على حساب النظام الحاكم.
الاثنين 2016/08/29
أصوات يصعب إخمادها

القاهرة- منذ اندلاع ثورة 25 يناير والإطاحة بنظام حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك قبل نحو خمس سنوات، والعلاقة بين شباب الثورة والأنظمة الحاكمة المتعاقبة، لا تسير على وتيرة واحدة؛ هدوء وانسجام، ثم خلاف وصدام.

كل نظام اقترب من فئة الشباب الذين لعبوا دورا محوريا في ثورتي 25 يناير و30 يونيو، كان اقترابه يتم من منظور مختلف، ووفق حسابات سياسية معقدة، تريد في النهاية تحقيق مصالح أصحابها، فمنهم من استخدمهم كوسيلة للتدليل على الاقتراب، في وقت كان لهم دور مهم في تحريك أو تسكين الشوارع والميادين المليئة بالتظاهرات، ومنهم من عصف بقطاع نشط في أوساطهم، بذريعة أن له امتدادات خارجية، تريد العبث بالدولة. لكن بدا لعموم المصريين أن كل الأنظمة اتفقت (تقريبا) على إبعاد الشباب النشطين سياسيا عن المشاركة الفعالة في صناعة القرار أو الوصول إلى المناصب المهمة في الدولة، أو ما يعرف بتمكين الشباب، الذي تحول إلى شعار نظري يدغدغ المشاعر، دون أن يكون له دور حقيقي على الأرض.

وكلما أراد النظام السياسي الحاكم (أي نظام) أن يفتح قنوات اتصال مع شباب الثورة لاستقطابهم، والاستفادة من قواعدهم السياسية والحقوقية، اصطدم بشروط معقدة من جانبهم، حتى لو كان بمقدوره تنفيذها، لأن حدوث ذلك يتطلب تكلفة باهظة، وربما يؤدي إلى نتائج خطيرة، ما لم يتعامل معها بحكمة. اشترط شباب الثورة على المجلس العسكري، الذي تولى زمام الحكم بعد رحيل مبارك مباشرة في فبراير 2011، أن يحاكم رموز النظام محاكمة ثورية، ويقصي كل من له علاقة به من المناصب المهمة، ومع تراخيه في التنفيذ تباعدت المسافات بين الطرفين، وخرجت هتافات رفعت شعار “يسقط يسقط حكم العسكر”.

شهدت العلاقة بين السلطة وشباب الثورة إبان نظام حكم الإخوان (لم يستمر سوى عام واحد) بعض التحسن، خاصة في الأشهر الأولى من تنصيب محمد مرسي رئيسا، لكنها سرعان ما تعقّدت مع شعور شباب الثورة، من ذوي الميول اليسارية والاشتراكية والعلمانية، أن الإخوان في طريقهم لإقصاء جميع التيارات وتعميم ما يعرف بـ “أخونة الدولة” وإضفاء الصبغة الإسلامية عليها بوضع المنتمين للجماعة في كل المناصب المهمة تقريبا.

وقاد الشباب مرة أخرى ثورة وسقط النظام، وحلّت محله سلطة مؤقتة، ثم انتخب عبدالفتاح السيسي رئيسا للدولة. لكن، علاقته بالنظام الذي حلّ محلّه لم تكن أفضل من سابقتها، بل بلغت ذروة تدهورها، خلال عهد الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي، بسبب تصاعد حدة القبضة الأمنية التي جرى التعامل بها مع الكثيرين ممن يفصحون عن آرائهم المعارضة. وبات وصف مصادرة الحريات العامة متداولا على نطاق واسع، حيث جرى حبس البعض من الصحافيين واعتقال العشرات من المتظاهرين من الشباب، وتنامى دور أجهزة الأمن بشكل أعاد إلى الأذهان ما كان سائدا خلال عهد حسني مبارك.

إفراج النظام المصري عن العشرات من شباب الثورة يفتح باب المصالحة مع شباب الثورة أملا في تحييدهم

تقليص المسافات مع الشباب

مع تصاعد الغضب الشعبي ضد النظام والحكومة حاليا، بسبب “كثرة القرارات الصعبة” التي جرى اتخاذها لعبور الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تواجه البلاد، واستغلال البعض لمثل هذه الظروف للترويج لفشل النظام في إدارة الدولة واتساع نطاق الحديث عن ضرورة إسقاطه، أصبحت الحكومة مضطرة للتنازل عن سياسة “العين بالعين” التي تتعامل بها مع شباب الثورة، وتليين العلاقة معهم لقطع الطريق عن الإخوان لاستقطابهم وحشد الرأي العام ضد النظام الحاكم.

ويرى متابعون أن نظام حكم السيسي وجد في الإفراج عن البعض من الشباب المحبوسين على ذمة قضايا، بادرة لفتح الباب مجددا أمام تحسين العلاقة مع شباب الثورة، لا سيما أنه في كل مرة تجري دعوة البعض منهم إلى احتفالات رسمية وغير رسمية، مثل إفطار رمضان، يكون الرد بالرفض على أي دعوات للجلوس مع النظام قبل الإفراج عن الشباب المحبوسين في السجون.

وكان موقف اتحادات طلاب الجامعات، حاسما في الرفض حيال هذه النقطة، وربما دفع ذلك النظام إلى تغيير حساباته، ومحاولة تخفيف عمليات التضييق الأمني. ويبدو أن النظام المصري الآن في طريقه إلى تقليص المسافات مع شباب الثورة وتحسين العلاقة بين الطرفين، بالإفراج عن البعض منهم بشكل نهائي، خاصة العناصر التي تتمتع بشعبية كبيرة لدى الائتلافات الشبابية والقريبين من الدوائر الحقوقية، أو ممن أثيرت حول حبسهم ردود فعل غاضبة، سواء في وسائل الإعلام الغربية أو مواقع التواصل الاجتماعي، في حين كان الإعلام المحلي يتعامل مع حبس هؤلاء على استحياء.

سياسة الاعتقالات والتضييق ترجح كفة الشباب على حساب النظام

وما يعد بادرة لتوافق نسبي بين الشباب والنظام، أن محكمة جنايات شبرا الخيمة، شمال القاهرة، رفضت الأحد استئناف النيابة العامة لقرار إخلاء المحامي الحقوقي مالك عدلي، والصحافي عمرو بدر، رئيس تحرير موقع “بوابة يناير” وأيدت إخلاء سبيلهما بضمان محل إقامتهما.

وظل كلاهما في الحبس لمدة تجاوزت مئة يوم، حيث كانا يحاكمان بتهمة “الدعوة للتظاهر ومحاولة قلب نظام الحكم وبث أخبار وشائعات كاذبة”، اعتراضا على اتفاقية تعيين الحدود بين مصر والمملكة العربية السعودية، وما ترتب عليها من اعتراف القيادة المصرية بحق السعودية في امتلاك جزيرتي تيران وصنافير.

المصالحة مع الشباب

يرى مراقبون أنه لا يمكن الفصل بين إطلاق سراح عدلي وبدر، وبين ما قاله الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الأسبوع الماضي، من أنه يعتزم الإفراج عن دفعة جديدة من المحبوسين تضم أكثر من 300 شاب من أصحاب الحالات الصحية والإنسانية والبعض ممن شاركوا في مظاهرات احتجاجية، على خلاف القانون، وبينهم صحافيون، وأن هذه التحركات الإيجابية تشي بأن النظام في طريقه لاحتواء التيارات الشبابية المعارضة، بعدما أثبتت التجربة “الأمنية والإقصائية” فشلها في ترويضهم.

وكان إلقاء القبض على الصحافي عمرو بدر، من داخل نقابة الصحافيين، قد أشعل فتيل الأزمة بين النظام والجماعة الصحافية، ودخلت أكثر من نقابة عمالية على خط الأزمة وأعلنت مساندة نقابة الصحافيين ضد الهجمة الأمنية، واستمر التلويح بالتظاهرات عدة أيام، ما دفع منظمات حقوقية ومؤسسات دولية، بينها الأمم المتحدة، لمهاجمة النظام بضراوة، بسبب استمراره في التضييق على الحريات واعتقال الشباب.

وترى دوائر سياسية أن الإفراج عن العشرات من شباب الثورة قريبا، سواء من خلال عفو مباشر من الرئيس السيسي، أو عبر تبرئة قضائية من المحاكم، يفتح باب المصالحة مع شباب الثورة أملا في تحييدهم، على الأقل إذا تعذّرت استمالتهم، لمنع أي تقارب بينهم وجماعة الإخوان المسلمين أو أي جهة أخرى، قد يشكل التحالف معها خطرا على النظام، في حال تصاعدت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية مستقبلا.

وقال أحمد مهران، رئيس مركز القاهرة للدراسات السياسية، إن كل المؤشرات تنبئ بأن النظام المصري أصبح يسير في طريق التخلي عن سياسة العناد والتهديد التي كان يتعامل بها مع شباب الثورة، لأنها لم تؤت ثمارها، بل جاءت بنتائج عكسية خطيرة، ومع الوقت أصبحت تهدد شعبيته وتزيد من الاحتقان في الداخل والاستهجان والاستنكار في الخارج.

كلما أراد النظام السياسي الحاكم (أي نظام) أن يفتح قنوات اتصال مع شباب الثورة لاستقطابهم، والاستفادة من قواعدهم السياسية والحقوقية، اصطدم بشروط معقدة من جانبهم

وأضاف لـ”العرب” أن نظام السيسي أدرك جيدا أنه لا يمكن إحداث تغيير حقيقي دون احتواء الشباب الغاضب، سواء على التعامل الأمني المبالغ فيه مع آرائهم، دفاعا عن قضية وطنية، أو على التعامل مع أزمات الدولة الداخلية، على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، ما جعله يلجأ لسياسة أكثر حكمة وحنكة ومرونة في التعامل مع قطاعات شبابية ثائرة تبحث عن الاحتواء والتغيير.

واستبعد فرضية تدخل النظام لتبرئة شباب الثورة من التهم المنسوبة إليهم، بقدر ما يمكن أن يكون التدخل شفهيا بسرعة الفصل في القضايا المتهم فيها شباب الثورة، لأن البعض منهم قضوا أشهرا طويلة في الحبس دون محاكمة، ما يزيد الاحتقان ضد النظام بأكمله، والبعض منهم يفهمون بالخطأ أن هناك تعليمات بذلك، فأراد النظام تبرئة ساحته من ذلك، ووجه بسرعة الفصل في قضاياهم.

ولم يستبعد مهران أن يكون التغير في علاقة النظام بشباب الثورة يحمل رسائل ضمنية إلى الأنظمة الخارجية، مفادها أن مصر بدأت مرحلة جديدة من الديمقراطية واحتواء الفئات الشبابية، وأنهت عقودا من القبضات الأمنية التي كانت مثار رفض واسع من المنظمات الحقوقية، فضلا عن رسائل أخرى داخلية تفيد بأن النظام يريد قطع الطريق على الإخوان باستقطاب هؤلاء الشباب ويمكن أن يتوحدوا ويشكلوا خطرا على استقرار النظام.

7