النظام يدافع عن "العدو المفيد"

الاثنين 2016/07/04

يبدو مبكرا الحديث عما ستؤول إليه الأمور ما بعد تنظيم داعش، إلا أنه بات من شبه المؤكد أن التنظيم الإرهابي الأخطر في العالم يعاني في الفترة الماضية من ضربات متلاحقة أفقدته توازنه ووضعت احتمال اقتراب نهايته على طاولة البحث.

يجري الحديث حالياً عن تقدم قوات ما يعرف بجيش سوريا الجديد المدعوم من قبل طائرات التحالف الذي تقوده واشنطن باتجاه المناطق الشرقية من سوريا وتحديداً منطقة البوكمال التي احتلها التنظيم أواخر أغسطس آب عام 2014 والبوادر تشير إلى معارك مرتقبة.

وقد تعرض التنظيم مؤخراً لهزائم فادحة آخرها في مدينة الفلوجة العراقية، دون أن ننسى أن هزيمة تنظيم داعش لم تعن في حالة الفلوجة تحديداً انتصاراً لأن أمور المدينة تزداد تعقيداً، وبشكل خاص بعد أن ظهرت الملامح الطائفية في عملية طرد التنظيم وأزمة النزوح التي طفت على السطح بقوة ولن تجد لها حلاً في القريب العاجل، في ظل وجود حكومة عراقية غير قادرة أصلاً على حل أي من المشاكل الأقل صعوبة من هذه المشكلة، بل ربما شكلت الحرب على داعش، والتي قد تستمر لفترة زمنية طويلة، قشة أنقذت حكومة العبادي من الصراع السياسي الذي كاد يطيح به، تماماً كما شكل ظهور التنظيم ما يمكن اعتباره طوق نجاة ألقي لنظام دمشق الذي كان يتهاوى منتصف العام 2013 وجعل العالم يتجاهل جرائمه وينتقل للحديث عن السرطان الإرهابي الذي سيمتد أفقياً وعمودياً.

وقد مثلت جرائم داعش المتلاحقة دليل براءة لنظام دمشق، وجعلته يطرح نفسه شريكاً في مكافحة الإرهاب، وهو الأمر الذي لم ينطل على دوائر القرار الدولي، وإن كان الكثيرون من ممثلي القرار الدولي، كما هو الحال مع الإدارة الأميركية المرتبكة، قد فضلوا الانشغال بالحرب على داعش على التفكير في أسباب نشوئه وتمدده.

وقد ربط أكثر من مسؤول غربي بين التنظيم وبين نظام دمشق، بل وانتشرت وثائق تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك وجود تعاون اقتصادي، بل وحتى عسكري بين الطرفين.

وقد شبه الكثير من المراقبين قيام تنظيم داعش أواخر آذار مارس الماضي بإخلاء مدينة تدمر التي كان يسيطر عليها أمام قوات النظام وحلفائه الروس بالمسرحية الهزلية الرديئة من حيث إخراجها وتمثيلها، مع العلم أن النظام وحلفاءه وجميع الميليشيات الطائفية التي تقاتل إلى جانبه لم يخوضوا صراعاً حقيقياً مع تنظيم داعش، وتركزت ضرباتهم ومعاركهم على ما تبقى من كتائب الثوار والتي بدورها لم تسلم من تنظيم داعش، دون أن ننسى أن أي اعتداء أو هجوم إرهابي يقوم به التنظيم في أي مكان في العالم يستثمره النظام بطريقة كاريكاتورية مضحكة ليقول: ألم أقل لكم، أنا أو الإرهاب؟ إذ لا يمثل ما يقارب نصف مليون سوري قتلتهم آلته العسكرية، ولا الجرائم الوحشية التي ترتكبها قواته منذ خمس سنوات إرهاباً، والتي يعزو إليها الكثيرون انحراف مسار الثورة السورية السلمية وتحولها إلى ثورة مسلحة بداية ثم تسلل آلاف “المجاهدين” من شتى أصقاع الأرض ليشكلوا العشرات إن لم نقل المئات من الميليشيات الراديكالية التي تحولت شيئاً فشيئاً إلى تنظيمات إرهابية، وقد صبت جميعها بلا استثناء في خدمة النظام وحلفائه، لتكوّن ما يمكن وصفه بالعدو المفيد، تماماً كما كانت إسرائيل وعلى مدى عقود عدواً مفيداً، سمحت فكرة العداء لها بتشكيل تنظيم حزب الله المصنف إرهابياً والذي لا يقل إرهاباً وعنفاً عن تنظيم داعش، وتحوّل لبنان إلى مستعمرة إيرانية يخضع قراره بأكمله لرغبة الولي الفقيه، والعذر الجاهز دائماً هو إسرائيل، فيما تحولت سوريا إلى سجن كبير.

وقد حرص النظام على الحفاظ على فكرة اللاسلم واللاحرب عقودا، تماماً كما يحرص الآن على عدم زوال تنظيم داعش، لأن زواله يعني بالضرورة مواجهة حتمية بينه وبين الشعب الثائر من جهة، وبينه وبين المجتمع الدولي من جهة أخرى والذي سيطالبه في أضعف الإيمان بالقبول بحل سياسي يجنب البلاد المزيد من التمزق والخراب، وسيكون مضطراً ساعتها للموافقة خاصة وقد فقد واحداً من أقوى الأوراق في يده، فهل يسمح النظام أصلاً بإنهاء التعاقد مع تنظيم داعش؟ أم أن لديه مخططات جديدة كفيلة بإشعال المنطقة أكثر فأكثر؟

كاتب سوري
7