النظام يريد انتزاع أريتريا من خارطة الثقافة العربية

كثير من الكتاب كتبوا بغير لغتهم الأم وعاشوا في غير بيئتهم الأصلية، لكنهم نجحوا في أن يتركوا لنا أعمالا أدبية مميزة أضافت للمدونة الأدبية العالمية روائع عابرة للأزمنة والأمكنة واللغات، ولعلنا نذكر في هذا الصدد حجي جابر الكاتب الاريتري الذي يكتب بالعربية، والذي التقته “العرب” فكان لنا معه هذا الحوار، غصنا خلاله أكثر في ظاهرة الكتابة بغير اللغة الأصلية ولا في البيئة المعيشة، بهدف اكتشاف عوالم كتاباته.
الثلاثاء 2015/06/09
حجي جابر: الأدب ليس بديلا عن السياسة، هو مجابه لها

فكرة الوطن تبدو غائمة عندي وعند أجيال عديدة من الإرتريين الذين عاشوا حياة الشتات. نحن نتعرف على الوطن بأضداده، باللجوء ومراراته، بالنزوح والقهر ومفارقة مواطن النشأة، ولا يأتي الوطن ليعوّض كل ذلك، بل هو في شكله الحالي ليس إلا امتدادا لهذه المعاناة.

إذن والحال هذه ثمّة فكرة رومانسية عن الوطن تبقي الخيط مشدودا مع إرتريا، لولاه لفقدنا ربما أيّ ارتباط مع هذا الوطن المنتظر.

بهذا البوح يبدأ الروائي والصحفي الإرتري حجي جابر حديثه لـ”العرب”. وحجي جابر هو روائي وصحفي إرتري من مواليد مدينة مصوع الساحلية عام 1976، عمل لسنوات طويلة في الصحافة السعودية، قبل أن يلتحق بالعمل التلفزيوني سواء في التلفزيون الألماني الناطق بالعربية أو في قناة الجزيرة، صدرت له رواية “سمروايت” التي حازت جائزة الشارقة للإبداع، ثم تلتها رواية “مرسى فاطمة” وقريبا ستصدر روايته “مغزل اللعب”.

الانطلاق من الواقع

في أعماله الأدبية هناك دائما وطن بديل، وفي هذا السياق يقول ضيفنا “إنّ الأمر الواقع يفرض شروطه علينا، ومنها أنّ الإنسان قد ينشأ في بلد آخر يستقي منه كل شيء إلا اكتمال فكرة المواطنة كحقيقة ملموسة، لكن هذا لا يلغي الانتماء الوجداني لهذا المكان، الذي هو ليس وطنه آخر المطاف، فالوطن البديل هنا يتشكّل وجدانيا”.

عن معنى أن يكون أديبا من إرتريا، يقول جابر إنّ ذلك يعني له الكثير حتما، فإرتريا تعاني التهميش والإقصاء من النظام الذي يحكمها قبل الآخرين، وهذا يجعل مهمة الأدب والأديب مضاعفة، خاصة حين يكون باللغة العربية، حيث البيئة الثقافية لأكثر من نصف السكان دون أن يكون لهم المنبر المناسب الذي يقابل تطلعاتهم.

في “سمراويت” الفائزة بجائزة الشارقة للإبداع يتناول حجي جابر قصة إرتري يعيش في السعودية، فكان نصف إرتري ونصف سعودي في بحثه عن فكرة الوطن، وفي “مرسى فاطمة” كان واضحا أين يقف الجلاد وأين تقف الضحية، فلا حياد حين نتحدث عن الظلم، كما يؤكّد ضيفنا، الذي سيصدر قريبا روايته الجديدة “لعبة المغزل” -كما يكشف لأول مرّة- حيث يتحدث فيها عن التزييف الذي طال ويطول كل شيء في إرتريا، الماضي، والحاضر، الزمان والمكان، الوجوه.

كاتب يستقي أعماله من واقع إرتريا الحالي، لكنه يسعى إلى وضع بصمته، ولا يقوم مقام الكاميرا في نقل كل ما يحدث
في لعبة المغزل حاول ممارسة الفضح إلى منتهاه، بجرأة يترك للقارئ تقييمها. دلف من باب الحكايات، وخرج من باب التأريخ. كان يسعى كما يقول مع كل كلمة يكتبها إلى نزع اليقين عن أكثر الأشياء وثوقية.

تناوله وانحيازه للمهمّشين واضح بين سطور أعماله، هذا الانحياز يقول عنه إنّ الحياة التي عاشها هي التي فرضته، فهو- أي ضيفنا- مهاجر منذ بداية وعيه، كان ولا يزال يعيش في بلاد الآخرين، يتقيّد بالأنظمة، ولا يرفع صوته، وحين يغضب، يغضب في صمت، إلى غير ذلك مما يفعله الغرباء عادة، حتى يواصلوا حياتهم بشكل شبه طبيعي، فحياته كما يراها ليست طبيعية، فهي شبيهة بذلك.

حجي جابر ينتمي إلى بلد متعدّد الثقافات وأقصد إرتريا بالطبع، وبرغم كل هذا التنوّع إلّا أن مفردات البيئة العربية ساكنة في أعماله الأدبية. عن الواقع اليوم، إن كان ملاذا للروائي كي ينهل منه أفكارا لأعمال أدبية، يقول جابر: إنّي أحاول دائما التشبث بالمقولة الشهيرة، الروائي ينطلق من الواقع لكنه لا يعود إليه.
فهو يستقي أعماله من واقع إرتريا الحالي، لكنه يسعى إلى وضع بصمته، ولا يقوم مقام الكاميرا في نقل كل ما يحدث. للروائي عند ضيفنا دور إضافي على إخبار الناس بما يحدث فقط، لأن هذا يمكن الحصول عليه بسهولة عبر وسائل عديدة كما يرى.

الزمان والمكان في أعمال حجي جابر ثنائية لمن أراد البحث في تركيبتها فالزمان عنده مجرّد والمكان تفرض شروطه الحكاية، يتساءل ضيفنا، ماذا يمكن أن يقال عن مخيم الشجراب في شرق السودان مثلا؟ أو معسكر التجنيد “ساوا” في إرتريا؟ وفي إطار المكان يبرز الحديث عن العاصمة أسمرا، وهي فتنة الشرق الإفريقي وروما الصغرى كما يصفها.

إرتريا والعرب

حديثه عن أسمرا دفعنا إلى سؤاله عن إرتريا في محيطها العربي، عرقيا واقتصاديا وسياسيا، كيف يراها اليوم حجي جابر، ليؤكّد أنّ هناك محاولات حثيثة من قبل النظام الحاكم في إرتريا لانتزاع البلاد من محيطها العربي، وتشويه هوية معظم سكانها، أو جعلها باهتة في أحسن الأحوال، ويقابل هذا موقف لا مبالاة من قبل العرب، الذين بالكاد يحسنون نطق اسم إرتريا.

الزمان عند حجي مجرّد والمكان تفرض شروطه الحكاية
“لكن مع هذا كله لن ينجح ذلك”، يقول ذلك بيقين من يعرف إلى أيّ حدّ يعتز الإرتريون باللغة العربية التي كانت موجودة قبل النظام الحاكم، وستظل بعده بكل تأكيد.

هذا الوضوح المطلق في شعوره تجاه وطنه يسوقنا إلى الحديث عن دور الأديب في ظل ما يحدث حولنا، إن كان الأدب يستطيع إنجاز ما فشلت فيه السياسة كما يرى حجي جابر الذي يقول: إنّ السياسة لم تفشل، لقد حقّقت أهدافها بكل دقة.

السياسيون في بلداننا ليسوا فاشلين، لقد نجحوا في تحقيق مآربهم، حطموا كل جميل فينا وفي أوطاننا كي يظلوا في كراسيهم أطول فترة ممكنة. ولذا ووفق هذه الفكرة، الأدب ليس بديلا عن السياسة، هو مجابه لها، يقاوم تسلطها، ويحاول انتزاع ما يستطيع من هيبتها وتمريغه في التراب.

ضيفنا قادم من خلفيّة صحافية إلى الأدب، وفي هذه النقطة يقول إنّه استفاد كثيرا من أدواته الصحفية، فالصحافة فن، وهو يقف ضد من ينظر إليها باستصغار أو يهوّن من شأنها، يعترف حجي جابر أنّه لم يكن صحفيا لما استطاع أن يكتب “مرسى فاطمة” بالشكل الذي خرجت به، فقد لجأ إلى ما يشبه التحقيق الاستقصائي حتى ينجز شيئا عن أماكن لم تسبق له زيارتها وعن أحداث لم يعشها وتقع في مناطق مغلقة، كمعسكر التجنيد الإجباري في ساوا.

حجي جابر الذي فاز بجائزة الشارقة للإبداع، نسأله عن رأيه بالجوائز العربية في ظلّ كل ما يقال حولها، ليؤكّد أنّ الأمر معقد بعض الشيء. فالجوائز -كما يراها- مهمة لتحريك الراكد وبعث الحياة في الوسط الأدبي، لكنها بشكلها الحالي بدأت تفعل العكس.

فحجم الإحباط الذي تنشره الجوائز العربية بسبب عدم حياديتها أصبح كبيرا، ضيفنا يميل لعدم الاكتراث كثيرا بالجوائز، فمن أجل جائزة لا يجب على الكاتب أن ينتظرها؛ لتكن الجوائز قيمة إضافية على منجزه الروائي، وليست محددة له من الأساس.
15