النظرة إلى الأقباط كأقلية تهدد مصر بالتقسيم الطائفي

ظل المسيحيون ضحايا للصراعات السياسية رغم تعاقب الأنظمة السياسية وتنوعها في مصر. وقد تلقوا خلال السنوات الماضية رسائل متناقضة، بعضها يسير بخطى واثقة نحو المواطنة وبعضها كان داميا يبشر بمستقبل قاتم، عن هذا المستقبل تحدث القس رفعت فكري نائب رئيس الهيئة العليا للكنيسة الإنجيلية لـ”العرب”.
الجمعة 2017/06/02
ثمن تأييد حكم السيسي

يداهم القلق من المستقبل مسيحيي مصر، وازدادت الهواجس كونهم يستفيقون- تقريبا كل شهر- على حادثة تفجير لكنيسة، أو على مطالب بتهجيرهم وحرق ممتلكاتهم، أو بحوادث قتل وتصفية جسدية من قبل الإرهابيين كان آخرها حادث المنيا (جنوب مصر) راح ضحيته 28 مسيحيا.

ما يطرح تساؤلات حول أوضاعهم الراهنة والمستقبلية وهو ما تحدثت فيه العرب مع القس رفعت فكري راعي الكنيسة الإنجيلية بشبرا بالقاهرة ونائب رئيس سنودس النيل الإنجيلي (الهيئة العليا بالكنيسة الإنجيلية)، ورئيس لجنة الحوار بمجمع القاهرة.

لفت فكري إلى مسألة مفصلية، وهي أن توصيف هموم المسيحيين باعتبارهم أقلية وكتلة يحركها الانتماء الديني بين أغلبية مسلمة فيه صعوبة، لأنهم مثل المسلمين يتباينون اجتماعيا ويذوبون في المجتمع.

وأضاف “أنا على اقتناع بأنه لا يمكن أن تحصل فئة على مكتسبات أو تتعرض للمظالم بمعزل عن باقي الفئات لأن ذلك يعنى ضمنيا القبول بالتقسيم الديني لمصر، ومن جهة أخرى تكريس لمفهوم الأقباط المِلة”.

قسّم فكري هموم المسيحيين إلى قسمين، منها الدينية التي تتكفل بها المؤسسات الدينية مع الدولة كبناء الكنائس، ومنها المدنية وهي الأهم والأكثر اضطرابا بالتوازي مع المناخ العام الذي يتراوح مع نظرة الجماعات الإسلامية إلى الأقباط، ومدى إضفاء المقدس على المجال العام والإخلال بمبدأ تكافؤ الفرص.

الحلقة الرخوة

لم يرق للقس رفعت ما يطلق على المسيحيين بأنهم “أقلية” بمعناها الثقافي أو العرقي، لكنه يراهم قلة عددية، يتعايشون مع المسلمين منذ قرون. ووفقا للتقديرات الإحصائية فإن عدد المسيحيين في مصر يتراوح بين 10 و13 بالمئة من 100 مليون مصري.

وينوّه فكري إلى أن مؤسسات المسيحيين الدينية بكافة مذاهبها ذات ثقل وعلاقة مع السلطات القائمة على الحكم، ولهم في تجمعهم مصالح يحرصون عليها وأخرى يبدو فيها تفرقهم.

راعي الكنيسة الإنجيلية بالقاهرة القس رفعت فكري: المسيحيون أيدوا السيسي ضد مرسي لاستعادة مصر الدولة التي كاد عقدها ينفرط

تلك المصالح “كانت وراء تأييدهم للرئيس عبدالفتاح السيسي لاستعادة مصر الدولة التي كاد ينفرط عقدها خلال فترة حكم الرئيس الإخواني محمد مرسي، حيث رأى الأقباط- شأنهم شأن الكثير من المسلمين- أن اختيار مرشح من قلب المؤسسة العسكرية هو تقليد مستمر منذ ثورة 1952 ولم ينقطع إلا لعام واحد (فترة مرسي) وأنه من شأنه إدارة المشهد والحفاظ على الدولة المصرية بعد ما مرت به من تقلبات”.

وتبلورت العلاقة بين الرئيس المصري والأقباط بعد ظهور تواضروس الثاني (بابا الأقباط) في يوليو 2013 في الصف الأمامي بين الأشخاص المحيطين بالسيسي عندما ألقى خطاب الإطاحة بالرئيس الإخواني.

لم ينكر المفكر القبطي أن الاتجاه الغالب للأقباط كان مدعما بموقف الكنيسة التي كانت ترى في وجود رئيس إخواني تهديدًا مباشراً للأقباط وخطرًا بإمكانه تشتيت وجودهم خارج الأراضي المصرية.

لكنه استنكر ما تروّجه التيارات الإسلامية وتتخذه ذريعة لمهاجمة المسيحيين وهو أنهم كانوا الفصيل الأساسي الذي ذهب إلى صناديق الاقتراع، وأشار إلى أن “المسيحيين اختاروا السيسي شأنهم شأن قطاعات عريضة من المصريين أرادوا أن تستعيد الدولة نظامها الأمني والمؤسسي”.

بعد مرور ثلاث سنوات على حكم السيسي تزايدت المخاوف الأمنية لدى المسيحيين بسبب العمليات الإرهابية المتصاعدة، وبات نزيف الدم المسيحي مستمر. فالمسيحيون “حلقة رخوة” وجزء من الصراع بين الدولة والتنظيمات الإرهابية.

أيقن المتطرفون أن عملياتهم ضد الجيش المصري والشرطة تزيد تعاطف المجتمع مع الدولة، فغيّروا الاستراتيجية لإثارة الأزمات باستهداف فئة تمثل السواد الأكبر الداعم للدولة وهم الأقباط.

وأوضح المفكر القبطي أن “معاناة المسيحيين بدأ يشعر بها باقي المصريين في 2015، حينما أذيع فيديو ذبح تنظيم داعش لـ21 مسيحيا مصريا على أحد السواحل الليبية، تحت عنوان رسالة موقعة بالدماء إلى أمة الصليب”. بعدها توالت الأحداث الدامية فكانت عملية تهجير للمسيحيين من منازلهم بمحافظة بني سويف جنوب مصر ولم تحرك الحكومة أو البرلمان أو الرئاسة ساكنًا. وشهد العام 2016 اشتباكات بين المسلمين والمسيحيين.

انتهاك حقوق المسيحيين بمصر لم يقف عند المتشددين والجماعات الإرهابية، كما يوضح القس فكري بل تعداه إلى التعذيب أحيانا في أقسام الشرطة.

مواطنون {درجة ثانية}

وقع فيض من الحوادث خلال العقود الخمسة الماضية كشفت ثقافة الكراهية في المجتمع المصري. “المناخ العام يعاني انكماشا على كافة المستويات أثر على منسوب التسامح بين المواطنين وجعله أقرب إلى الرغبة في التنفيس بالفئات الأضعف والأقل حماية في المجتمع وهم الأقباط” على حد تعبير فكري.

ودلل فكري على ذلك بالتصريحات المتطرفة ضد الأقباط التي لم تقتصر على الجماعات المتشددة مثل الإخوان والسلفيين بل من جانب البعض من المحسوبين على المؤسسات الدينية المعتدلة، مثل تصريحات الشيخ سالم عبدالجليل ووصفه العقيدة المسيحية بالفاسدة، “وهو ما يهدد التعايش السلمي في المجتمع ويشعل الصراع بين أبنائه”.

وأشار فكري إلى معاناة من نوع آخر تغلغلت في نفوس المسيحيين وهي الشعور المتنامي بأنهم مواطنون “درجة ثانية”، رغم أنه لا يوجد تمييز رسمي من الدولة تجاه الأقباط إلا أن هناك تمييزا مجتمعيا يصل أحيانا إلى إبعادهم من بعض الوظائف المهمة في الجهات السيادية. وأكد فكري أن “موجة التدين في سبعينات القرن الماضي، وإطلاق حرية العمل للجماعات الدينية الإسلامية دفع الكنيسة لتوسيع دائرة خدماتها، وشكّل المجتمع الكنسي البديل المتكامل الموازي والمغلق على الأقباط، وبالتالي قبعت خلف أسوار الكنيسة ثقافة كنسية جعلت انتماء المسيحي للتاريخ الكنسي أكثر من التاريخ المصري، وأنشأت جيلًا غريبا عن المجتمع المسلم”.

السماح للكنيسة بتبني المسؤولية السياسية للأقباط أدى إلى تسييسها فأطلق عليها مفكرون أقباط مصطلح “مانعة الصواعق” بعد أن لعبت دور الوسيط بين الأقباط والنظام الحاكم، وفي بعض الأوقات “قرصًا مهدئًا” للأزمات.

ويعتقد فكري أنه “كان أجدى للمسيحيين التفاعل كمواطنين من خلال الأحزاب والنقابات وغيرها، فتضافر العزلة السياسية مع العزلة الثقافية جعلهم فئة داخل المجتمع وليس جزءًا منه”. وحمل فكري المواطن المسيحي مسؤولية ما يعانيه بسبب سماحه للقيادات الكنسية بغلق الأسوار عليه وصمته على مواطنة منقوصة.

مكتسبات ولكن

السنوات الثلاث الماضية حملت بصمة مغايرة للواقع الكنسي ظهرت عندما ذهب الرئيس السيسي إلى الكاتدرائية في مناسبات عديدة، منها التهنئة بعيد الميلاد، وعندما تقدّم بنفسه جنازة شهداء الكنيسة البطرسية في ديسمبر 2016، وفي عهده اتسع التمثيل البرلماني للأقباط على نحو غير مسبوق، وسن قانون جديد لبناء وترميم الكنائس وهو ما يتيح لهم حرية العبادة.

وأضاف السيسي إلى رصيده عند المسيحيين رسائل متتالية كحرصه على تجديد الخطاب الديني، وإصراره على بناء كنائس أسوة بالمساجد في المدن الجديدة التي يوليها عنايته، وقيامه بالعزاء في الأقباط الذين استشهدوا في العمليات الإرهابية.

وحذّر فكري من أن “مكتسبات المسيحيين ستكون هي والعدم سواء إذا لم يتم تغيير الفكر وليس الخطاب الديني، وتوجيه الخطاب الثقافي والإعلامي نحو تعظيم قيم التسامح والتعايش المشترك رغم الاختلاف العقائدي. وإيجاد دائرة مشتركة بين كل المصريين تجعلهم يجتمعون على مستقبل مصر ومشكلاتها”.

وأضاف “الخطاب المتطرف الذي تبثه القنوات الإعلامية والبعض من التيارات الدينية المتشددة يفرغ أيّ تقدم يحققه

الأقباط من مضمونه، ويجهض جهود الدولة لتحسين حياة الأقباط ومعالجة همومهم ومشكلاتهم”.

واليوم يحتاج خطاب الكراهية في مصر بحسب فكري إلى عصا المجتمع، أي إلى عقاب مجتمعي صارم بنبذ أصحابه.

12