النظرة الدونية لربات البيوت تبخس دورهن في المجتمع

المرأة التي التزمت بواجباتها تجاه أسرتها وتربية أبنائها وتكوين أجيال المستقبل والسهر على راحة زوجها تستحق كل التقدير على المهام الجليلة التي تقوم بها.
الاثنين 2019/02/04
الاعتزاز بالنفس رهين نظرة المجتمع

تفتخر بعض السيدات بأنهن يكرسن حياتهن للاعتناء بالأبناء والزوج والبيت، فيما ترى أخريات أن حياتهن تمرّ روتينية دون أن يحققن أحلامهن، ومن بينهن من اخترن عن اقتناع أن يكن ربات بيوت لينجحن في دور الأم، في حين تضطر أخريات لأسباب مختلفة إلى أن يكن ربات بيوت، وما بين الاضطرار والخيار يفسر المختصون حالة تقدير الذات أو الإحساس بالضياع بسبب الضغوط العائلية والاجتماعية.

حظي هاشتاغ أطلق على تويتر مؤخرا في المملكة العربية السعودية بالآلاف من التغريدات حيث وجه رسالة على لسان ربات البيوت إلى الملك للمطالبة بصرف رواتب لهن. وتراوحت التعليقات بين مؤيدين ومعارضين. ويعتبر المؤيدون أن الراتب حق لربات البيوت يعوضهن عن تكريس حياتهن لبيوتهن ويضمن لهن بعض الاستقلالية. ويقول الرافضون للفكرة أن من تريد راتبا عليها الخروج من البيت والبحث عن عمل.

وقال المؤيدون إن المرأة التي التزمت بواجباتها تجاه أسرتها وتربية أبنائها وتكوين أجيال المستقبل والسهر على راحة زوجها تستحق كل التقدير على المهام الجليلة التي تقوم بها، وتستحق راتبا ثابتا يضمن لها استقلاليتها ويشعرها بأهمية ما تقدمه ويشعرها بالاعتزاز بنفسها، معتبرين أن راتب ربات البيوت حق منطقي وطبيعي لكونهن أساس المجتمع والأسرة.

وعلق الرافضون للفكرة بأن صرف راتب لربات البيوت ليس حلا لتحقيق ذواتهن بل الحل هو التمكين الاقتصادي للمرأة حيث يمكنها الحصول على وظيفة تناسب مؤهلاتها، مؤكدين أنه ليس منطقيا أن تطالب ربة البيت براتب على “قعدة البيت”.

ولا تعتبر هذه الحملة جديدة في السعودية لكونها ليست الأولى التي تطالب بصرف رواتب لربات البيوت، كما لا تمثل ربات البيوت السعوديات استثناء في المجتمعات العربيات فالكثير منهن يشتركن في المعاناة؛ من تحمل مسؤوليات تربية الأبناء إلى جانب الاهتمام بأزواجهن والقيام بالنصيب الأكبر من شؤون البيت، كما يشتركن في نسق الحياة الروتيني وأحيانا من العزلة والملل وما يصاحبها من متاعب نفسية.

ويرى الأخصائي النفسي عبدالحميد بنحمادي، ومدرب التنمية البشرية في تونس، أن ربة البيت امرأة تحمل على أكتافها عبء البيت وما احتوى، ويبدو أنه لا حاضر لها ولا مستقبل إلا المهام اليومية المناطة بعهدتها والتي تكمن في توفير كل أساليب الراحة لأفراد أسرتها، قائلا “يمضي يومها بين طبخ وكي ومشي ومجيء تحت الطلب وفي الخدمة. ويدرك الجميع أنها لا تملك الحق في راحة أسبوعية بل إنها تخشى المرض ليس خوفا على صحتها ولكن لأن مرضها سيقعد أحوال البيت ومن فيه”.

ويشير الأخصائي النفسي إلى أن كلمات ربة البيت حين تقول “سعادتي في سعادة أبنائي وزوجي”، ويردف “رغم الدور العظيم الذي تقوم به هذه المرأة إلا أن حظها من التقدير الاجتماعي يكاد يكون ضئيلا بل نرى في العديد من مجتمعاتنا العربية أنها لا تلقى ما تستحق من تقدير لأن سلم المعايير يعطي قيمة للمرأة التي تشتغل ويجعل من ربة البيت في درجة أقل وكأنه ليس لها دور في الحراك الاجتماعي”.

ولاحظ بنحمادي أن “شقا كبيرا من ربات البيوت يعانين من تدن كبير في التقدير الذاتي، خاصة تلك المرأة التي لا تملك حق التصرف المالي في منزلها بل سيد البيت هو الذي يتولى الإدارة المالية مما يشعرها بالتبعية. هذا الإحساس مرده في الغالب إلى الصراع بين قيمتها الذاتية التي تسعى إلى تحقيقها كعنصر فعال، قيمة تؤسس على غرارها صرح قوامها وفاعليتها في الأسرة والمجتمع، وبين مسؤوليتها التي وجدت نفسها مكبلة بها”.

ويؤكد المختص النفسي “أن الصورة الذاتية التي يحملها الشخص على نفسه تحدد بالضرورة سلوكه تجاه الآخر، فإذا اتسمت هذه الصورة بالإيجابية كان قوام السلوك إيجابيا عموما والعكس صحيح، وتنطبق هذه القاعدة على ربة البيت فكلما كانت نظرتها لذاتها تتسم بالدونية والإحساس بعدم الاستحقاق كلما اتسم سلوكها بنفس الطابع وأحيانا دون وعي، لكن من يتعامل معها يشعر أن هناك طاقة سلبية في سلوكها وقد يؤثر ذلك سلبا على المحيطين بها وخاصة الأطفال لذلك عليها أن تتخلص من هذا القيد السلبي”.

شق كبير من ربات البيوت يعانين من تدن في التقدير الذاتي، خاصة تلك التي لا تملك التصرف المالي في منزلها

وينصح المختص النفسي ربة البيت بأن تنظر إلى نفسها على أنها صانعة أجيال وليست خادمة وأنها محل فخر وليست محتقرة وأن دورها رياديا في المجتمع وليس هامشيا.

ويرى الباحث في علم الاجتماع، طارق بالحاج محمد، أن تكون المرأة ربة بيت في هذا الزمن يعني أن تكون في أسفل السلم الاجتماعي نظرا لأنها تقوم بدور غير مقيّم اقتصاديا ولا يوفر لها دخلا قارا ومكانة اجتماعية مرموقة لأننا ببساطة نعيش في عصر تغلب عليه المادة والصورة والاستهلاك،عصر تغيرت فيه العديد من القيم الاجتماعية والثقافية وغلب عليه التنميط، وقد شملت هذه التغيرات معايير المكانة عند المرأة إلى درجة غلبت مقاييس المحاكاة والتسليع والمردودية على قيم البساطة والخصوصية. فالمرأة ربة البيت اليوم حاضرة في الزرع وغائبة في الحصاد.

ويقول بالحاج محمد “يعتبر هذا الموقف نوعا من العنف المسلط على ربة البيت فهو في أحد جوانبه امتداد للعقلية الذكورية التي ترى في المرأة ربة البيت كائنا قاصر الإدراك والأهلية، ويقتصر دورها على الوظيفة الإنجابية والجنسية وتدبير شؤون المتعة والمنزل. وعندما نقول عقلية ذكورية لا نقصد أنها تسود عند الرجال فقط بل هي ثقافة راسخة لدى النساء والرجال على حد السواء”.

هذا الموقف يمكن أن يعقد وضعية المرأة، حيث تتعرض بسببه لأنواع من التمييز والمضايقات وينظر إليها كامرأة ضعيفة، ما جعل المعنيين بشؤون المرأة يشيرون إلى ما تخلفه هذه الوضعية من آثار تصيب الكيان النفسي والبناء الذاتي للمرأة كما تنعكس على المجتمع بأسره. وما يزيد في تعقيد هذه الوضعية هو ما تتعرض له ربة البيت من ضغوطات اجتماعية ناتجة عن الثقافة السائدة وكذلك استغلال البعض لوضعيتها الهشة اقتصاديا ليزيد في تسلطه عليها بشكل يفقدها احترامها لذاتها ولدورها.

21