النظر إلى الأدب

السبت 2016/11/12

كل كاتب وهو ينشر كتاباته بين الناس إلا ويرغب في أن يجد القارئ الذي يبحث عنه ويعجب بكتاباته. وتختلف أوجه الإعجاب هنا بين المدح والتعليق والمناقشة. وفي بعض الحالات يتجلى هذا الإعجاب حتى في النقد الذي يوجه إلى هذه الكتابات، لأن هذا النقد في الواقع ما هو سوى اهتمام معكوس بهذه الكتابات. وإذا كانت الكتابة تنقذ من النسيان، نسيان الكاتب من لدن الناس، على غرار الكلام الذي ينقذ صاحبه من الموت كما هو الحال في “ألف ليلة وليلة”، فإنَّ وجود القارئ يمنح لهذه الكتابات امتدادا بعيدا، ويجعلها تحضر في مختلف المحافل التي تسعى للوصول إليها. فلا وجود فعليا لكتابة لا يعيرها القارئ اهتماما. هكذا يظل الكاتب عن وعي وحتى عن غير وعي بذلك يسعى للوصول إلى القارئ.

تحضرني هنا صيحة المتنبي في وجه خصومه مفتخرا بكتاباته-أشعاره في بيته الشهير “أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي / وأسمعت كلماتي من به صمم”. المتنبي هنا في الواقع يركز على أن أدبه-شعره قد تجاوز المعتاد، بحيث لم يعجب به المبصرون فحسب وإنما حتى العميان، وأنه بفضل هذا الأدب-الشعر تمكن العميان من الرؤية، على الأقل رؤية هذا الشعر والوقوع في دائرة سحره. كما أن هذا الأدب- الشعر قد جعل الصم يسمعون، بحيث ما إن تُلي عليهم حتى استمعوا إليه. طبعا المتنبي هنا يبالغ في الاعتداد بأدبه وينقله من إطار الشعر الرفيع إلى إطار الشعر المُعجز. لكن تعالوا نذهب في التأويل بعيدا، فربما كان المتنبي يقصد بهذا البيت الشعري، أو في الواقع بالشطر الأول منه تحديدا، قارئا محددا سيأتي في مستقبل الأيام؛ كان يقصد قارئا عالما بالشعر يعجب بهذا الشعر أيما إعجاب و ينافح عنه ويتعرض حتى للإهانة وربما الضرب والطرد، في سبيل ذلك، وأن هذا القارئ النموذجي على عكس المتوقع كان أعمى، لكنه كان ذلك الأعمى الرائي.

هنا سيذهب بنا الظن حتما إلى أبي العلاء المعري؛ فقد عُرف فيما عرف عن المعري إعجابه الشديد بالمتنبي وبشعره إلى حدود أنه قد شرح ديوانه وعنونه باسم “معجز أحمد”، كما أنه قد دافع عن المتنبي واعتبره الشاعر في مقابل غيره من كتاب الشعر، وقصته مع الشريف المرتضى معروفة في هذا الباب.

هل كان المتنبي بحس الشاعر الكبير فيه يعرف أنه لا يمكن قراءة أدبه-شعره إلا من لدن قارئ كبير لا يمكن أن يكون إلا المعري، ذلك الأعمى البصير؟ سيقول قائل هنا بأن المتنبي لم يكن مُعاصرا للمعري، وأنه قد مات قبل أن يولد حتى، فأنى له أن يعرفه ويقصده بالتالي ببيته الشهير هذا؟، وهو، أي هذا القائل، محق في ما قاله، ولكن مع ذلك ألا نجد أن الكثير من الكتاب حين يوجه إليهم السؤال عن قرائهم يقولون بأن قراءهم هم الذين سيأتون من المستقبل، بمعنى أن كتاباتهم هذه هي كتابات متجاوزة لعصرها، وبأن “المعاصرة حجاب”، فكيف لا يمكن لنا اعتبار المتنبي وهو المليء كبرياء وإعجابا بأدبه-شعره قد فكر بالمنطق ذاته وقال ما قاله اعتمادا على ذلك؟

ومع كل ذلك يبقى ما قلناه هنا مجرد تأويل بعيد للشطر الأول من بيت المتنبي، الذي وجدناه ينطبق تماما على المعري، وتبعا للتأويل ذاته يطرح السؤال هنا علينا: وماذا بخصوص الشطر الثاني من هذا البيت؟ أي الشطر المتعلق بالقارئ الأصم الذي ما إن سمع أدب-شعر المتنبي حتى زال عنه الصمم؟ أظن أن ذلك القارئ الأصم المقصود هنا في بيت المتنبي هو ذلك القارئ الذي يبتعد عن قراءة تراثه، وحين يكتب له أن يقرأه بمحبة وعمق تنفتح أذناه من جديد ويسمع جيدا نبض الجَمال العميق الموجود فيه.

كاتب من المغرب

14