النظم السياسية العربية ومؤشرات البؤس المتفاقمة

السبت 2013/10/12

أشارت دراسات وأخبار صحفية خلال الأعوام الأخيرة إلى عملية سطو مدروسة من قبل النظم العربية المستبدة طالت عشرات المليارات من الدولارات. وقد أدت عملية الفساد المالي والإداري إلى زيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فضلا عن تفشي ظواهر خطيرة في غالبية الدول العربية، وفي مقدمة تلك الظواهر ظاهرة القطط السمان حول النظم السياسية الحاكمة، وتلك الشريحة لا يهمها إلا تراكم رأس المال بعيدا عن القيام باستثمارات تعود بمنفعة مباشرة على الأوطان والشعوب.

وهذا أدى إلى ارتفاع وتيرة مؤشرات البؤس في غالبية الدول العربية، فتفاقمت معدلات البطالة وازدادت قيمة الديون الخارجية وارتفعت معدلات الفقر إلى معدلات فلكية، رغم وجود المصادر الطبيعية الوطنية الكبيرة، وهذا بدوره كان من عوامل انطلاقة انتفاضات شعبية تنادي بالتحول الديمقراطي.

لقد انعكست سياسات النظم السياسية العربية على كافة مناحي الحياة، ومن بينها الحياة السياسية والاقتصادية. وتجلى التعبير عن ذلك من خلال سوء توزيع الدخل القومي للدول العربية، حيث تتحكم أقلية من السكان تعيش في كنف النظام السياسي القائم بالقسم الأكبر من الدخل القومي لهذه الدولة أو تلك، في حين بقيت أكثرية المجتمعات العربية عرضة لتفاقم ظاهرة الفقر والبطالة.

في مقابل ذلك يتوزع الدخل القومي بشكل أكثر عدالة نسبيا في الدول المتطورة. وبالأرقام، ثمة 20 في المئة من سكان الوطن العربي يستحوذون على 80 في المئة من الدخل القومي، الأمر الذي يجعل 80 في المئة من السكان تحت خط الفقر المدقع، ويضعف خياراتهم من صحة وتعليم ورفاه اجتماعي.

وتشير دراسات مختلفة إلى أن معدلات البطالة تتراوح بين 10 في المئة كحد أدنى و30 في المئة كحد أعلى في الدول العربية، ويشار إلى أن نصف الإناث العربيات البالغات ونحو ربع الإناث المراهقات هنّ من الأميات.

ومن الأزمات التي تعاني منها المجتمعات العربية- بسبب السياسات الفاشلة للنظم العربية- عدم الاستفادة من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتُعزَى الفجوات الكبيرة في هذا المجال بين الدول العربية والدول المتطورة في العالم إلى ارتفاع معدلات الأمية بين الشباب العربي، التي كان مردّها كما أسلفنا سياسات النظم العربية الرسمية، حيث لم تخصص الموازنات الكافية للارتقاء بمستويات التعليم والبحث العلمي.

واللافت أن المؤشرات تزداد سوءا عند الإشارة إلى ضعف المشاركة السياسية الشعبية في غالبية الدول العربية، فضلا عن ضعف مشاركة المرأة العربية في مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية كافة، هذا في وقت أصبحت فيه مشاركة المرأة من المعايير الرئيسية لمستوى التطور والتنمية في دول العالم. إذن المسؤول عن تدني مؤشرات التنمية البشرية في غالبية الدول العربية هو النظم السياسية وسياساتها الاقتصادية الفاشلة.

وتبقى الإشارة إلى أن الاستمرار في حالة النظم السياسية العربية المترهلة سيؤدي إلى تراجع في المؤشرات الدالة على تطوّر المجتمعات العربية، إن على المستوى الداخلي أو الخارجي، ويمنع العرب من اللحاق بركب الحضارة، ومن هنا فإن الدول العربية ستشهد مزيدا من الانتفاضات والثورات الشعبية للمطالبة ببناء مؤسسات ومنظمات اجتماعية حقيقية، فضلا عن المطالبة بالتغيير الشامل وترسيخ مبدأ الديمقراطية وسيادة القانون عوضا عن مبدأ الفردية في الحكم.

إن ترسيخ المبدأ المذكور سيهيئ الظروف السانحة لعودة رأس المال العربي المهاجر، وستكون الطريق معبدة لعودة الأدمغة العربية المهاجرة إلى أوطانها.

وبعودة رأس المال المالي والقوى البشرية المهاجرة إلى الدول العربية، يمكن التأكيد عندئذ على أن ثمة قدرات وطنية كامنة ستدفع باتجاه تنمية قدرات الوطن والمواطن العربي، وتحسين شروط الأداء الاقتصادي لكافة القطاعات الاقتصادية في إطار الاقتصاديات الوطنية وتحقيق معدلات نمو اقتصادي من شأنه تعزيز الخيارات للدول والشعوب العربية على حد سواء.

* كاتب فلسطيني

9