النعامة الذهبية

النعام يحفظ سلامته بغرس رأسه في الرمال.. فمن يحمي مؤخرة من يتخفى خلف أقنعة اللطف واللين وينسى أن مؤخرته عارية لا دروع تحميها من الضربات!
السبت 2019/11/30
الحرب الخاسرة الحقيقية هي؛ حين يبكي الشجاع يضحك الجبان!

تتويج فيلم بجائزة “النعامة الذهبية” بمهرجان نواكشوط الدولي للفيلم القصير، غذّى شهية زميلي وهو الصحافي المتمرس في كل ما يتعلق بالمواد الثقافية، للتهكم قائلا “نعامة.. واضح”، بهاتين الكلمتين حدد أهمية الخبر من عدمها.

هذا الحوار على قصره يعمق مأساة هذا الطائر في علاقة رمزية جمعته بالجبن والغفلة، لأن شائعات مغرضة رمته بذلك.

وقياسا على انتشار القول بأن النعام يخفي رأسه في الرمال عندما يشعر بالخطر، ضربت به الأمثال في الجبن، إذ يقال “فلان يدفن رأسه في الرمال كالنعام”.

ولأنهم قليلون من يبحثون في أصل كل مثل، تغلغل جبن النعام في الثقافات وضرب الأمثال في أصقاع الأرض طولا وعرضا.

لكن دراسة أجريت في عام 1980 برأت هذا الطائر الضخم وأظهرت أن النعامة إذا استشعرت الخطر تركل بساقيها الكبيرتين ويتحول أحد أصابعها إلى سلاح فتاك ضد كل من يحاول أن يهاجمها ويصدر ذكر النعام صوتا غريبا كزئير الأسد به همسة غريبة من أجل الذّود عن نطاقه.

وجاز القول أحيانا إن “من قرب من الأرض كثر جبنه”، غير أن الدارسين أثبتوا أن النعام تعلم بفطرته أن انتقال الصوت في المواد الصلبة أسرع كثيرا من انتقاله في الهواء، لذلك فهو يتقن التنصت على الذبذبات التي ينتشر صداها في الأرض من مسافات بعيدة لوقع خطوات الحيوانات الخطرة، ويميز أيضا الاتجاه الذي تأتي من ناحيته تلك الأصوات، فتكون حافزا له على الهرب في الاتجاه الذي يضمن سلامته.

النعام يحفظ سلامته بغرس رأسه في الرمال.. فمن يحمي مؤخرة من يتخفى خلف أقنعة اللطف واللين وينسى أن مؤخرته عارية لا دروع تحميها من الضربات!

ثم إن تربية النعام تجارة مربحة جدا، إذ يستفاد من لحمها وقشور بيضها وريشها وعظامها ودهونها وجلدها وحتى دمها في مجالات واسعة.. في المقابل، لا ينتفع من الجبن وهو صفة مذمومة عرّفها ابن مسكويه بأنها “الخوف مما لا ينبغي أن يخاف منه”.

فمن الجبن أن نقف مثل الهيثم بن الربيع بن زرارة في وسط الدار ونصرف ردها من الزمن في معركة خاسرة. فمن حوادث هذا الرجل البخيل الكذَّاب مع الجبن ما نقله أبوالفرج الأصفهاني عن ابن قتيبة قائلا “كان لابن زرارة سيف يسميه لعاب المنية، ليس بينه وبين الخشبة فرق، وكان أجبن الناس، دخل ليلة إلى بيته كلب فظنَّه لصًّا، انتضى سيفه، وهو واقف في وسط الدار يقول: أيها المغترُّ بنا، المجترئ علينا، بئس والله ما اخترت لنفسك، خيرٌ قليل، وسيفٌ صقيل.. اخرج بالعفو عنك قبل أن أدخل بالعقوبة عليك.. فبينما هو كذلك، إذا الكلب قد خرج، فقال: الحمد لله الذي مسخك كلبا، وكفانا حربا”.

الحرب الخاسرة الحقيقية هي؛ حين يبكي الشجاع يضحك الجبان!

24