النعيم في الدنيا والجنة في الآخرة!

يفضل فقهاء الظلام أن يضمنوا لأنفسهم التمتع بالنعيم في الحياة والدنيا، وبالجنة في الآخرة بفتح أبواب المدارس المذكورة أمام أبناء الفقراء والعائلات المعوزة. أما أبناؤهم فيرسلون إلى أرقى المدارس والجامعات الأوروبية والأميركية.
الثلاثاء 2019/03/05
مشروعهم بعث مدارس شبيهة بتلك في باكستان

في قصة له بعنوان “قاتل طيور التم”، يروي الكاتب الفرنسي فيل ليزل-أ دام أن عجوزا يابس السحنة والجسد يدعى الدكتور تريبولات بونهومات اكتشف بعد أن قرأ العديد من المجلدات في العلوم الطبيعية أن طائر التم يطلق أغنية حزينة وبديعة قبل أن يلفظ أنفاسه. وراغبا في أن يستمتع بتلك الأغنية التي قد تكون أفضل من كل السمفونيات التي كان يدمن على سماعها في وحدته القاسية، ترك بيته في ليلة ظلماء، وتوجه إلى بحيرة. وعلى ضفتها كَمَنَ لطيور التم. وحالما انبلج نور الصباح هجم عليها ليقتل ثلاثة منها، ثم مترنحا من فرط الابتهاج، تمدد على عشب ضفة البحيرة ليستمتع بأغانيها وهي تموت أمام عينيه مضرجة بدمائها.

ومنذ عقود، عندنا في البلدان العربية والإسلامية من يشبه الدكتور تريبولات بونهومات. وهم من نسميهم “فقهاء الظلام” الذين يطلقون فتاوى تجيز الذبح والقتل وهدر دماء المثقفين والمفكرين والشعراء، وارتكاب الجرائم من كل صنف ونوع موهمين الناس أن كل هذا يضمن لهم الفوز بالنعيم في الحياة الدنيا، وبالجنة في الآخرة. وبسبب تفاقم الأزمات السياسية والاجتماعية والثقافية، وفساد الحكام وظلمهم وطغيانهم، انجذب الكثيرون من الناس لدعواتهم، وباتوا يستجيبون لها صاغرين فلا يترددون أبدا في تنفيذ ما تحرض عليه بما في ذلك قتل الأبرياء، وذبحهم، وتعذيبهم، وتشريدهم، وحرمانهم من أبسط ملذات الحياة المليئة بـ”الشرور والأشرار” بحسب ما يزعمون.

والظاهرة الخطيرة هي أن “فقهاء الظلام، يرغبون في أن يبدؤوا من الصفر. فالأجيال التي سبقت بروزهم لا تعنيهم لأنها في طور الانقراض والفناء، أو هي رافضة لتعاليمهم. أما الأجيال الشابة فيتوجب الاعتناء بها لخلق “جيش لنصرة الإسلام والمسلمين”. وهذا ما حققته ما يسمى بـ”المدارس  القرآنية” في باكستان التي تربت فيها جماعة “طالبان” التي أعادت أفغانستان إلى عصور الظلام والجهل والتخلف، ناسفة كل قيم التقدم والرقي والتسامح لتنشر ثقافة الموت، وتبيح هدر الدماء، وخراب البلاد، وترويع العباد. كما تربى في تلك المدارس عدد كبير من مرتكبي أفظع الجرائم الإرهابية في العالم بأسره.

وفي تونس، استغل “فقهاء الظلام” الفوضى العارمة التي أعقبت سقوط نظام بن علي في الرابع عشر من جانفي 2011، لنشر تعاليمهم في مناطق مختلفة من البلاد. وكان هدفهم ولا يزال القضاء على دعائم “المدرسة التونسية” التي برزت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بهدي من المصلح الكبير خير الدين باشا، ودعّمها ورسّخ مبادئها القائمة على الإصلاح والتحديث، وقيم الرقي والتقدم الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة. ولتحقيق أهدافهم هم سمحوا لما يسمى  بـ”الجمعيات الخيرية” ببعث مدارس شبيهة بتلك التي في باكستان، وفيها تطبق تعاليمهم التي تفصل الأطفال والفتيان عن عصرهم،  وعن مجتمعاتهم لترمي بهم في عالم افتراضي موسوم بالأكاذيب والأوهام، وفيه يتم التحريض الممنهج على العنف والتطرف والتزمت. ومثل الدكتور بونهومات الذي يحب أن يحصل على المتعة والسعادة الروحية من خلال قتل طيور التم، يفضل فقهاء الظلام أن يضمنوا لأنفسهم التمتع بالنعيم في الحياة والدنيا، وبالجنة في الآخرة بفتح أبواب المدارس المذكورة أمام أبناء الفقراء والعائلات المعوزة. أما أبناؤهم فيرسلون إلى أرقى المدارس والجامعات الأوروبية والأميركية.

14