النفاق أفيون الشعوب: الحالة السورية مثالا

الثلاثاء 2013/11/05

أظن أن كارل ماركس حين أطلق مقولة: «الدين أفيون الشعوب» قصد أن (النفاق) أفيون الشعوب، إذ أن نصوص الدين متى طُبقت بحذافيرها من الكتب المقدسة وألسنة الأنبياء والرسل فإنها ستجعل الحياة حقل ورد تغمره العدالة وتعمه المساواة بين البشر. لن يكون هناك استقواء ما دمت ستدير خدك الأيمن لمن صفعك على خدك الأيسر. ولن تفتري ما دمت تحب لأخيك ما تحب لنفسك، أو ما دمت لا تستعبد الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.

النفاق إذن هو أفيون الشعوب ومُخدرها في اتجاه غاياتها الإنسانية السامية.

وهو، أي النفاق، ما يلقي إنسانية عصرنا في شبهات لا حصر لها، تبدأ من النفاق الديني الذي يمتطي السياسة أو تمتطيه، ولا تنتهي بالنفاق الاجتماعي الذي يحفل بالكذب ويعتبر هذا الكذب منجاة من المحاسبة والعقاب، بل وطريقا سالكة إلى المجد الفئوي أو الشخصي. هذا المجد الذي يقطع الطريق على أمجاد الآخرين المنافسين، الذين لا يتمتعون بالنزاهة بقدر ما أن حظهم من أدوات النفاق وفنونه قليلا لا يسعفهم في سباقات التنافس لكسب ولاءات الشعوب وود الجماهير.

ولو أخذنا المسألة واحدة واحدة فسوف نجد، مثلا، أن أعتى المنافقين في عالم اليوم هي الدول العظمى أو الدول الأكثر تقدما على الصعيد الاقتصادي والعسكري، فهذه الدول تنافق مشاعرها الإنسانية وتخدر شعوبها بوضع دساتير وقوانين وأجندات لضبط الإيقاع الإنساني المثالي، لكن هذا الإيقاع المثالي سرعان ما يتبخر أمام المصالح الاستراتيجية ومطامح النفوذ والسيطرة.

وقد رأينا كيف أن بعض هذه الدول، في حال خاضت حربا من أجل هذه المصالح، تبتلع أرقام قتلى وجرحى ومشردي هذه الحرب بمجرد أن تشرب عليها ماء المصالح القومية العليا.

وفي الحالة السورية الآن دليل صارخ على تحول النفاق السياسي إلى سلوك أممي تتنافس فيه الدول وتزايد على بعضها إزاء حقائقه ونتائجه المأساوية، التي لا تخطئها عين المنظمات الإنسانية المنصفة.

وما يوجد على الأرض السورية من أدلة النفاق السياسي يوجد في كل مكان من عالمنا حيث يُقتل الآلاف، حربا أو جوعا، بينما يضع قادة الدول، المستقوية بترساناتها العسكرية، المزيد من مبادئ حقوق الإنسان ومبادرات الطوارئ وتحريم الإبادات الجماعية وأسلحة الدمار الشامل.

وبالتالي فكل ما هنالك في الحقيقة هو مجموعة اختصاصات يقوم بها موظفون محترفون حول هذا العالم الذي تتقاطعه، حتما، المصالح وليس المبادئ. موظفون يبتكرون أسلحة الحرب والدمار، وموظفون يمضغون ويلفظون مزيدا من النصوص الإنسانية باعتبار أن هذه النصوص هي أسلحة الرماد، الذي يذر في عيون الناس متى ما احتاجت الأنظمة لذلك لتغطي سوءاتها. ولو قلبت المسألة على جنبها الآخر فستجد أن أسلحة الرماد أشد فتكا بالشعوب من ترسانات الحروب، إذ أن الأولى تنخر في وجدان الإنسانية ببطء وتربص شديدين إلى أن يصبح هذا الوجدان، كما هو حاصل اليوم، مجرد أوهام أو مجرد أحلام.

وينطبق ذلك، بطبيعة الحال، على أقاليم هذا العالم ودوله القُطرية ومنظماته التي ترضع من ثدي الكبار وتتعلم في مدارس نفاقهم. وقد رأينا أمثلة صارخة على نفاق الأنظمة السياسية القديمة والجديدة، لعل أكثرها وضوحا في عالمنا العربي اليوم، أنظمة الحكم التي جاءت بعد الثورات العربية، فهذه الأنظمة، في أغلبها إن لم أقل كلها، تلبّست لباس الدين وخاطبت الجماهير على أنها ظِل الله في أرضه، وأنها هي الكفيلة بتحرير الناس من الديكتاتوريات السابقة ومن مؤسسات الفساد التي عاثت في الأرض وأصابت معيشة الناس وكراماتهم في مقتل.

وفي ظل مثل هذه الشعارات لم نكن، حين انكشفت أغطية هذه الأنظمة الجديدة، لسبب أو لآخر، قادرين على تصديق مستودعات النفاق التي بنتها لتستر أجنداتها ومؤامراتها على الدولة والناس، من أجل مصالحها ونفوذها الفئوي. أي أن المسألة، رغم لين الأقوال وبريق الشعارات الدينية وغير الدينية، لم تكن سوى حالة مركبة ومعقدة من النفاق السياسي المحلي، الذي كما وجد من يغزل خيوطه سابقا وجد من يغزل هذه الخيوط لاحقا ووجد كذلك من يسوقه ويدافع عنه. بل وجد، أيضا، من يصر عليه- بالروح وبالدم- حفاظا على المغانم الفئوية، التي اتضح أنها تحتل في ذهن (المنافقين) الأولوية القصوى على حساب كل الأولويات الوطنية والمجتمعية التي ابتلعت الشعوب طعومها أثناء تعرضها لفترات الخداع والتدليس.

وكما ساد نفاق الأنظمة الجديدة ساحات الشعوب العربية المحلية بعد ثوراتها حصل الأمر ذاته من هذه الأنظمة على المستوى الإقليمي، فبالعودة إلى الحالة السورية، التي تمثل شاهدا حيا على النفاق الدولي، لم يكن القادة العرب الجدد على مستوى الحدث السوري والمآسي التي يصطلي بنارها السوريون لأكثر من سنتين ونصف.

كل ما رأيناه، في التعامل مع هذا الحدث، هو مناورات سياسية أقل حتى في مستوى ذكائها أو نفاقها من مناورات الأنظمة السابقة لدول الثورات العربية. ما يعني أن هناك حالة من اتساع مدى النفاق السياسي عبر الأقاليم العربية التي تخدرت شعوبها بفعل (الزّن) المتواصل على عواطفها واللعب على أوتار مطامحها أو مصالحها المبدئية. وهو ما يرتب بالضرورة نشوء حالة يأس مزمنة لدى هذه الشعوب التي يلقيها هذا (النفاق) كل مرة في مزيد من أتون التخلف الاقتصادي والاجتماعي، لتعود، أيضا في كل مرة، تبحث عن خلاصها النهائي من هذه الأتون.

الأخطر من ذلك، وهو مما تراكم لدى الشعوب عبر العقود الماضية وما تسببت فيه الممارسات السياسية والفئوية، هو استمراء النفاق والتعامل معه على المستوى الجمعي والفردي على أنه صيغة من صيغ الحياة الطبيعية، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث سقوط تلقائي لقيم العمل والإنتاج وسقوط قيم الحياة بشكل عام.

ونتائج ذلك معلومة للجميع، حيث تصاب المجتمعات (المنافقة) عادة بالأمراض التي تنخر في عظامها شيئا فشيئا إلى أن تتهاوى وتذروها رياح التخلف.

وهذا أيضا ينطبق على المجتمعات المتقدمة، حيث لا تمنعها حصونها الصناعية أو العسكرية، متى ما عاشت حياة النفاق، من أن تتساقط كأوراق الخريف حتى لو طال بها الزمن بعض الشيء.

النفاق إذن، وليس الدين، هو أفيون الشعوب القوية والمستضعفة.


كاتب سعودي

9