النفاق الإيجابي

الخميس 2016/02/18

مقال طريف نشرته نيويورك تايمز قبل عيد الحب بأيام تحت عنوان “العشاق الجيدون يكذبون” دعاني إلى كتابة هذا المقال، وذكرني أيضا، بحادثة روتها لي صديقة منذ فترة عن طلاقها. قالت إن زوجها نظر لها لحظة الطلاق وقال “لو كنت تتميزين ببعض النفاق، ربما كانت حياتنا ستكون أفضل بكثير”.

حكمة المقال تتلخص في أن المحبين يجب أن يمتازوا ببعض الكذب ليحبوا ويٌحبوا، وليحافظوا على علاقاتهم، من قبيل “أحبك” التي يجب أن يرددها الحبيب على مسمع حبيبته حتى بعد أن تفقد معناها تماما بمرور الزمن، على الأقل معناها المجرد العميق لتأخذ صبغة مختلفة. وأيضا عبارات مثل “أنت أكثر شخص فهمني في حياتي”، “لم يسبق أن أحببت بهذه القوة”، “أنت رجل مميز، ولا أشك في أنك ستبلغ أعلى المراتب”، وغيرها من التعبيرات والجمل التي عادة ما نقولها لأطفالنا وهم صغار مثل “أثق بأنك ستصبح شخصا مهما”، “أنت أهم شيء في حياتي”، وهكذا دواليك. واستشهد كاتب المقال ببعض الفلاسفة على غرار جان جاك روسو، وكانط، وشوبنهاور الذين ملأوا آذاننا بحديثهم عن الحقيقة، وضرورة الالتزام بها، وإعلائها دائما، لكنهم، هم أيضا، لم يكونوا صادقين على الدوام.

وحتى قصص الحب الشهيرة؛ كليوباترا، شهرزاد، دون كيشوت، دون جوان، فهي مليئة بالأكاذيب والمبالغات التي تكاد تجعلها قصصا “غير إنسانية” بالمرة. بينلوبي نفسها، حبيبة أوديسيوس الوفية، في أوديسة هوميروس، التي ظلت ترفض الخاطبين الذين تقدموا لها طوال غيبته في رحلته الطويلة حتى عاد إليها في النهاية، من يصدق أنها رفضت الخطاب على مدى 20 عاما وهي تنتظر حبيبها؟ كما يقول المقال.

أعود الآن إلى قصة صديقتي؛ مشكلتها كما حددتها بنفسها لاحقا، أنها لم تكن قادرة على المجاملة أو النفاق كما تسميه، لأنها تعتبره خداعا للشخص الذي معها، وكانت تفضل أن تكون علاقتهما مباشرة وصريحة إلى حد يتصارحان فيه بالحقيقة أيا كانت، كأن تخبره مثلا بأنها لا تحب تسريحة شعره الجديدة، أو سياقته للسيارة (في حين يعتقد هو أنه أفضل من يقود السيارة)، أو كلامه في السياسة المليء بالمغالطات (الذي يعتبره هو أقوى جانب فيه). “غير أن الذي يقدر مثل هذه العلاقة المجردة المباشرة قليل”، كما تقول. وانتهى بها صدقها إلى صدام عنيف، أفضى بدوره إلى طريق مسدود بالكامل.

خلاصة القول أن الأزواج يحتاجون إلى جرعة خفيفة من الكذب ليتمكنوا من الاستمرار، لنسمه مثلا “النفاق الصحي” أو “النفاق الإيجابي”، على غرار “التمييز الإيجابي”، وهو القليل من “الريق الحلو” أو المجاملات والملاحظات التي تشبه تلك التي نوجهها لأبنائنا.

بعض البشر لديه صعوبة في مجاملة غيره، والبعض لديه قدرة على سرد مجاملات طوال النهار بلا توقف، لدرجة تصل إلى الرياء المقصود به التمويه على حقائق أو مشاعر مختلفة تماما. ليس هذا هو المقصود، بل المقصود جرعة ذكية، وفي نفس الوقت ملتزمة من الطرفين، الغاية منها تسهيل الحياة، وتمرير العالق منها والمتوقف على عبارة صغيرة لا تزيد ولا تنقص ولا تكلف شيئا.

21