النفاق الاستشراقي: لسان الحال ولسان المقال

الأحد 2014/08/10
عقل الشرقي يفتقر بشكل بارز إلى التناظر

“المشكلات التي ينبغي علينا أن نعالجها في مصر تنتمي إلى فصيلة تختلف اختلافاً كبيراً عن تلك المشكلات التي تترك آثارها على منطقة وست رايدينغ في مقاطعة يوركشير”. من كلمة آرثر جيمس بلفور صاحب الوعد الشهير أمام مجلس العموم البريطاني في حزيران عام 1910.

عبارة منطقية مبنية على ثقافة استعمارية غذتها كتابات المستشرقين وأبحاثهم في تلك الفترة الكولينيالية. ثقافة فوقية تتعامل وفق مفهوم المعرفة الواجبة لتسهيل نفاذ القوة البريطانية التي سيدت التاج الملكي على نصف العالم أو يزيد. سيادة مررتها موجة استشراقية أسست لهذا المنطق الطاوسي.

بعد مئة عام على كلمة بلفور وانتهاء الحقبة الاستعمارية عسكريا على أقل تقدير. هل خرج الاستشراق المعاصر من مفهوم الفوقية الغربية؟ هل توقف الاستشراق اليوم عن خدمة الآلة الاستعمارية الغربية؟ أتوقف عن تقديم المبررات الثقافية والفكرية والإعلامية المغذية للجيوش العسكرية والاقتصادية الغربية؟ أم تغيرت الأساليب الحاكمة لهذه المسألة في ظل العولمة؟ جميعها أسئلة للوقوف على حقيقة صدق أو كذب فرضية أن الاستشراق اليوم استحال ثقافة ومغامرة لا جوانب سياسية أو اقتصادية لها.

ربما استحال مادة درامية يخطها المستشرقون الجدد على صفحات كتب تحقق مبيعات كبيرة. عناوين لافتة تعالج الجهاد ورجم الزانية والحجاب والجواري. هذه الإثارة بنقل المواضيع الجنسية ونشرها كانت سابقاً بالطبع ولكنها حملت مفردات سياسية واضحة الدلالة تبرر حكم الغرب المُحدث للشرق القديم وذلك مع نمو القوة العسكرية الأوروبية ما بين 1800 و1900.


الشرق لامنطقي


“الدقة كريهة بالنسبة إلى العقل الشرقي.. الافتقار إلى الدقة، الذي يتحلل بسهولة ليصبح انعداماً للحقيقة، هو في الواقع الخصيصة الرئيسية للعقل الشرقي. الأوروبي ذو محاكمة عقلية دقيقة وتقريره للحقائق خال من أي التباس، وهو منطق مطبوع، رغم أنه قد لا يكون درس المنطق، وهو بطبعه شاك ويتطلب البرهان قبل أن يستطيع قبول حقيقة أي مقولة، ويعمل ذكاؤه المدرب مثل آلة ميكانيكية، أما عقل الشرقي فهو على النقيض مثل شوارع مدنه الجميلة صورياً، يفتقر بشكل بارز إلى التناظر. ومحاكمته العقلية من طبيعة مهلهلة إلى أقصى درجة، ورغم أن العرب القدماء قد اكتسبوا وإن بدرجة أعلى نسبياً، علم الجدلية فإن أحفادهم يعانون بشكل لا مثيل له من ضعف ملكة المنطق. غالبا ما يعجزون عن استخراج أكثر الاستنتاجات وضوحاً من أبسط المقدمات التي قد يعترفون بصحتها بدءاً. خذ على عاتقك أن تحصل على تقرير صريح للحقائق من مصري عادي، وسيكون إيضاحه بشكل عام مسهباً، ومفتقرا للسلامة. ومن المحتمل أن يناقض نفسه بضع مرات قبل أن ينهي قصته، وهو غالباً ما ينهار أمام أكثر عمليات التحقيق ليناً”.

النفاق الاستشراقي يتحدث عن الشرق الجميل وكأنها مغامرة جميلة لطيفة يقضي فيها وقتاً طيباً مع نساء خجولات في فراش وثير

هذا الاستشهاد المسهب أورده حاكم مصر فترة الانتداب البريطاني اللورد كرومر عن الكاتب والمؤرخ البريطاني السير ألفرد لايل، وترجمه إلى العربية الباحث الفلسطيني الأميركي إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق. ولا يمكن إنكار الدلالات السياسية فيه والتي أسست ومازالت لصورة نمطية عن الشرقيين تبرر هدف الغرب “السامي” بحكم هؤلاء المساكين. فهل تغير ما أسس له قول السير لايل الذي نقله كرومر في بدايات الـ1900؟ أم مازال المستشرقون يتعاملون مع الشعوب الشرقية بذات الطريقة.


بعد مئة عام


“رؤية العين تغير منظور العقل” هكذا كان الظن، لكن وفي لقاء مع أحد المستشرقين الهولنديين الجدد الذي أفضّل التحفظ على اسمه لأسباب معقدة. درس العربية ويتحدثها وعاش في سوريا لسنوات يدرس الشريعة الإسلامية وكتب عن تجربته كتاباً باعه في بلاده. التقيته في بلاده وخلال انتظاري وصوله إلى محطة القطارات اتصل يسألني أين أنا؟ فقلت: “في ساحة قرب المحطة فيها ساعة كبيرة”. أجابني: “كل الساحات هنا فيها ساعات مع ضحكة ساخرة”، فأوضحت المكان بدقة أكبر وبعدها عرفت أنها الساحة الوحيدة بالقرب من المحطة التي تحتوي على ساعة كبيرة. مشينا لنأخذ “الترام” إلى بيته وخلال المسير بدأ يشرح لي نظام السير بأن هذا الجزء المخطط من الشارع مخصص للمشاة وإلا قليلاً كان شرح لي إشارات المرور. وقبل كل جملة عبارة نحن في هولندا أو نحن الهولنديين.

في جلسات الحوار التي تحدثت فيها معه عن الإسلام وسألته فيها عن رأيه بأن هذه الديانة اليوم تحتاج لثورة إصلاحية داخلية. وبأن الوقت المناسب اقترب لهذا التحول خاصة مع نمو الحركات الجهادية التكفيرية وصعودها. صدمني رفضه لفكرة التجديد الديني أو الإصلاح من أصله، مع الإصرار على مناقشة مسألة الجهاديين فقط وبأن هذه الديانة أي “الإسلام” بمعنًى ما لا يمكن أن تتغير وأن أهلها فئة اجتماعية غير قادرة على تحديد الصحّ من الخطأ، فكيف يمكنهم إصلاح مسارهم؟


النفاق الاستشراقي


المحادثة الطويلة خلال زيارتي التي استمرت خمسة أيام، أوصلتني إلى نتيجة “النفاق الاستشراقي”، فهو يتحدث عن الشرق الجميل وكأنها مغامرة جميلة لطيفة يقضي فيها وقتاً طيباً مع نساء خجولات في فراش وثير. نعم فهو الأوروبي الغني صاحب الحقيبة العامرة بالمال يمكنه أن يأخذ من يريدها وكأنه في غزوة سلاحها ماله وفقر أؤلئك وحلمهم بالغرب الحر والغربي المتحرر من عقد الرجل الشرقي.

هذا الشبل الهولندي المستشرق المُحدث من ذاك الأسد البريطاني المؤسس لمفهوم الشرق المريض، وبالطبع هما ليسوا إلا رموزاً لمرحلتين، الأولى أسست للثانية، فرغم الحديث عن بطلان الاستعمار وعدم أحقية الغرب في التفرد بقيادة العالم، إلا أن لسان الحال يختلف عن لسان المقال، فلسان الحال مازال يعامل أبناء المشرق على أنهم درجة ثانية وشعوب غير قادرة على المحاكمة المنطقية، في حين لسان المقال يراهم شعوبا ثائرة تستعيد حقها بالحرية والديمقراطية.

ما سبق ليس إلا جزء من بحث لا يُطلق حكماً كُلياً بل هو بداية لسلسلة لقاءات وقراءات تبحث فرضية الاستشراق وعلاقته بالكولونيالية فكراً وثقافة ونتيجة.

11