النفاق الدبلوماسي الإيراني

السبت 2013/12/14

حرص وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف خلال جولة قام بها إلى بعض دول الخليج على توجيه الرسائل إلى المملكة العربية السعودية بأنه على استعداد لزيارتها، لاسيما بعد توقيع الاتفاق مع أميركا حول الملف النووي الإيراني. القارئ لتصريحات ظريف يدرك أنها لا تخرج عن الإطار الدبلوماسي، باعتبارها مواقف غير مبنية على رغبة حقيقية في معالجة الملفات التي تعوق فتح الباب السعودي أمام الإيرانيين، لاسيما أن هذا الباب فتح أكثر من مرة، لكن المكابرة الإيرانية كانت تسارع إلى إغلاقه بصفاقة ما بعدها صفاقة.

بالتزامن مع رسائل ظريف، أطلق أمين عام حزب الله حسن نصر الله سلسلة اتهامات إلى المملكة السعودية بأنها تسعى إلى دعم الإرهابيين في سوريا، وأنها تدعم الائتلاف السوري المعارض، حتى أنه ذهب إلى اتهامها بأنها تقف وراء تفجير السفارة الايرانية في بيروت. في القراءة السياسية لهذه الحال الإيرانية يمكن استدلال أمرين:

الأول: أن الدبلوماسية الإيرانية غير قادرة على تفعيل دورها بما يسهم فعلا في رأب الصدع في العلاقات الإيرانية-السعودية، وأن هذا الدور يتحرك ضمن أطر مرسومة لا يمكنه تجاوزها.

الاستدلال الثاني أن تصريحات نصر الله تعبّر عن تطلعات الحرس الثوري الذي يقوده قاسم سليمان، والذي لا يرى للدبلوماسية مكانا في البعد الإقليمي الإيراني. وبالتالي، فإن تصريحات ظريف لا تخرج عن كونها صدى سياسيا لا يسمن ولا يغني من جوع. ثمة حقائق لا يمكن تجاهلها في المواقف الإيرانية. فالمتابع لوسائل الإعلام الإيرانية يلاحظ أنها تصب جام غضبها على كل ما له صلة بالسعودية. فضلا عن قيام هذه الوسائل بإفراد الصفحات والمقالات والتعليقات والتغطيات لحراك المعارضة البحرينية ووضع اللوم على السعودية ودورها الداعم للحكم البحريني.

ولا يمكن سرد كل المعطيات الإيرانية التي تصب في خانة التحامل على السعودية، انطلاقا من اليمن ودعم الحوثيين. وقبل ذلك، تغذية بعض الجهات في المملكة بوسائل الدعم الإعلامي وغيرها لإيجاد شرخ في العلاقات بين أبناء البلد الواحد، وهي العلاقات التي لم تشهد سابقا ما يشوبها.

في المقابل، هل يمكن للمملكة السعودية أن تمتنع عن الرد على الرسائل الإيرانية وتجاهلها في ضوء الانتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة التي حملت حسن روحاني إلى رئاسة الجمهورية، وما رافق ذلك من مواقف وصفت بالمعتدلة، وسعي لإعادة إيران إلى الخريطة الدولية عبر الاتفاق مع الدول الغربية حول البرنامج النووي؟

في المتابعة للمواقف السعودية، أنها لم تترك فرصة إلا وعملت على الاستفادة منها لتقريب وجهات النظر مع إيران. والكل يتذكر استضافة العاهل السعودي لشخصيات إيرانية بارزة وإحاطتها بالحفاوة والتكريم، بدءا من الرئيس محمد خاتمي، مرورا برئيس مصلحة تشخيص النظام هاشمي رفسنجاني، وصولا إلى الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد. حتى أن البعض قال إن سبب عدم السماح لرفسنجاني بالترشح إلى الانتخابات الرئاسية الأخيرة، أنه قريب من السعودية. من جهة ثانية، فإن تصريحات وزير الخارجية الإيراني جاءت بعد توقيع الاتفاق مع الدول الغربية وليس قبلها.

والمتابع للمنطق السياسي يدرك أن التصريحات قبل الاتفاق النووي شيء وبعد الاتفاق شيء آخر. فلو أن الرئيس الإيراني عرّج على السعودية قبل ذهابه إلى الأمم المتحدة وعمل على تنسيق المواقف معها، لكان استقباله في الرياض ومكة المكرمة أهم بكثير مما يمكن أن يكون بعد الاتفاق.

فالتصريحات الإيرانية بعد الاتفاق تأتي على قاعدة أن إيران باتت خارج إطار العقوبات، وأن العلاقات مع الولايات المتحدة أكسبتها قوة بإطلاق يدها في المنطقة. وهذا الأمر بالنسبة إلى السعودية لا يمكن أن يعتدّ به. فصحيح أن المملكة ترتبط بعلاقات ود وصداقة مع الولايات المتحدة، لكنها لم تكن يوما تابعا لها في سياسات المنطقة. والكل يعلم كم من مرة قامت الولايات المتحدة بتغيير توجهاتها بفعل السياسة السعودية. وآخر تلك الأمثلة، الموقف السعودي الرافض للقرار الأميركي في الشأن السوري.

الرد السعودي على رسائل إيران الدبلوماسية منها أو “الحرس ثورية”، يأتي على قاعدة التجربة. فإذا لمست المملكة تغييرا حقيقيا في أسلوب التعاطي حيال قضايا المنطقة، فإنها لن تتلكأ في التعامل الإيجابي. أما النفاق الدبلوماسي فلا يعنيها بشيء.


إعلامي مقيم في لندن

8