النفاق الفرنسي الإيطالي وشبح "الترنزيت" التونسي الليبي

من النفاق السياسي أن تبحث روما وباريس عن حلول للهجرة غير الشرعية عبر تصدير أزماتهما، في حين أن حل الهجرة غير الشرعية يكون بحوار حقيقي بين العاصمتين يفضي إلى إعادة بناء الدولة الليبية.
الخميس 2018/08/09
نفاق سياسي

أن يصدر الاتحاد العام التونسي للشغل بيانا يحذّر فيه من تحويل تونس إلى شرطي حدود لصالح الدول الأوروبية أو تحويل تونس إلى منطقة “ترنزيت” للمهاجرين غير الشرعيين، فهذا يؤكد أنّ المنظمة الشغيلة واعية بالمشاريع الإقليمية الخطيرة التي تطبخ في منطقة البحر المتوسط.

تحدّث بيان اتحاد الشغل والذي جاء على خلفية سماح تونس لقارب هجرة غير شرعية من الرسو في الموانئ التونسية بعد أن رفضت كافة السواحل الأوروبية إيواءه، بلسان الدولة التونسية وبعقلها، واختزل ما قالته الحكومة مفصلا “فالتعامل الإنساني مع قضية المهاجرين غير الشرعيين لم ولن يحوّل تونس إلى مركز إيقاف إقليمي لانتخاب المهاجرين وتقسيمهم إلى صنف مقبول في الجغرافيا الشمالية، وآخر مقصور على الجغرافيا الجنوبية”.

في السياق الاستراتيجي، يأتي بلاغ المنظمة الشغيلة في وقت تتحرك فيه الدبلوماسية الفرنسية على مختلف الأصعدة حيث اتصل وزير الخارجية جون إيف لودريان بوزير الخارجية التونسي خميس الجهيناوي وكانت الهجرة غير الشرعية العنوان الأبرز للمهاتفة، فيما سارعت الدبلوماسية الإيطالية إلى تحريك خطها السياسي مع القاهرة لإقناعها بصحة المقاربة الإيطالية في مواضيع الهجرة والأزمة الليبية، وسط إحياء مريب للتكتل الإقليمي الاتحاد من أجل المتوسط الذي شيّع كافة المراقبين جثمانه إلى هامش الذاكرة والنسيان.

تدرك تونس أن قضية الهجرة غير الشرعية باتت جزءا من كل وفرعا من أصل، يستحيل حلّها أو التقليص من أثرها دون تسوية ناجعة وناجحة للمحنة الليبية والتي صارت محلّ تقاسم نفوذ ومكاسرة إقليمية بين أسياد المتوسط من الضفة الشمالية.

وطالما أنّ المسألة الليبية لا تزال مجال حرب بالوكالة تارة وبالأصالة أطوارا أخرى، بين روما وباريس، وبين عواصم إقليمية ودولية أخرى تبحث عن موطئ قدم لها في سلة الذهب الأسود بشمال أفريقيا، فإن المأساة الإنسانية في بحر المتوسط لن تهدأ.

وقد يكون من باب النفاق السياسي أن تبحث روما وباريس عن حلول للهجرة غير الشرعية عبر تصدير لأزماتهما السياسية والهوياتية والاجتماعية والاقتصادية إلى دول مغاربية أكثر تأزما منهما، في حين أنّ حل الهجرة غير الشرعية يكون بحوار حقيقي بين العاصمتين يفضي إلى تسوية ضامنة لإعادة بناء الدولة الليبية وإرساء الأمن في البلاد. أما أن تعمد كل دولة إلى اختطاف الملف الليبي وتطويعه وفق طموحها، وتجيير بعض الدول الكبرى لصالح مقارباتها، والسعي إلى إضعاف ما تبقى من شرعية لصالح وكلائها، ومن ثمة التنديد بأن قوارب الهجرة غير الشرعية لا تجد في السواحل الليبية السلطات الأمنية التي تحول دون إبحارها، فهذا هو عين النفاق ولبّ المزايدة.

وإن كانت دولتا فرنسا وإيطاليا جادتين، في التقليص من الفاتورة الأخلاقية والمادية لملفّ الهجرة غير الشرعية، فلن يتأتى هذا الأمر إلا بتسوية جامعة بمخرجات عملية توافقية، تتجاوز اجتماع باريس وتحول دون تنظيم روما لاجتماع إقليمي دولي جديد ينسف كل ما تحقق من قرارات واجتماعات لتسوية المعضلة الليبية.

صحيح أنّ جزءا أساسيا في موضوع الهجرة غير الشرعية متعلق بالمظلومية الاقتصادية والاجتماعية في بلدان المنفذ وبفشل منظومات التنمية والتشغيل والاستثمار في بلدان شمال أفريقيا، ولكن الصحيح أيضا أّن هذه المشاكل تزداد ضراوة وحدة في ظلّ أمن مهترئ وسواحل تحرسها ميليشيات متناحرة ودولة فاشلة وإقليم مضطرب ومنطقة مغاربية على حافة الهاوية.

روما وباريس استغلتا ليبيا أربع مرات، الأولى في مرحلة العقيد معمر القذافي حيث أبرمتا أبرز اتفاقيات النفط، والثانية عندما انقضتا على الجغرافيا الليبية إبان الثورة فأسقطتا الدولة وحافظتا على تدفق النفط إلى شرايين اقتصادها، والثالثة عندما تقايضان مصالحهما التاريخية والمباشرة بأمن الليبيين ومستقبل بلادهم، والرابعة عندما تسعيان إلى ترويج مشاريع ترنزيت تونسي ليبي للمهاجرين غير الشرعيين وتحويل جغرافيتهما إلى أراض عازلة تقبل العقول والكفاءات البعض من اللاجئين السياسيين، وتلفظ الباقي من الفائض البشري لمعمورة يبدو أنها باتت عامرة أكثر من اللازم.

عندما يتحدث وزير الشؤون الخارجية خميس الجهيناوي في حواره لفورين بوليسي عن حروب بالوكالة في ليبيا بعد 2011 وعن تأثر تونس بهذا الوضع، فهو يعي العواصم المتداعية على ليبيا والمتباعدة في ليبيا إلى حد صيرتها دولة فاشلة.

ولكن ألا تتحمل تونس جزءا من وزر التدخل وقسطا من مسؤولية سقوط الدولة في ليبيا، قطعا نعم، وقطعا أيضا أن تونس التي اختارت طوعا أو كرها ركوب موجة الدول الإقليمية تحت عنوان الناتو، مطالبة اليوم برفع الفيتو ضدّ مشاريع القوى الإقليمية، لا لمنع التدخل القائم بل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من فرص الحل والتسوية في ليبيا الغد.

9