النفايات الإلكترونية ثروة مهدورة في المغرب

لمْ يعد تراكم بقايا الطَّعام ومخلفات الصناعة مصدر النفايات الوحيد في بلدان العالم، خاصة بعد الطفرة التكنولوجية التي شهدتها العقود الأخيرة، والإقبال المتزايد والمتجدد على الأجهزة الإلكترونية، حيث إنضافت المعدات الإلكترونية إلى لائحة ما يصل إلى المزابل من نفايات، ليتفاقم إشكال التخلص وإعادة التدوير، حتى أنَّ المغرب يخلفَ حوالي مئة ألف طن من النفايات الإلكترونية سنويا.
الثلاثاء 2017/07/25
الخطر يزداد بقلة الوعي

الرباط - في ظل التطورات التكنولوجية والتقنية المتسارعة التي يشهدها العالم، أصبحت البشرية مرتبطة أكثر من أي وقت مضى بالأجهزة الكهربائية والإلكترونية، ما يعني أن خطر النفايات الإلكترونية يزداد في كل مرة نتخلص فيها من المتقادمة منها.

ويتخلص المغاربة يوميا من هواتف محمولة ومصابيح كهربائية وبطاريات شحن وأجهزة تلفاز وفيديو وراديو وطابعات وكمبيوترات متهالكة واللائحة طويلة، وصلت إلى حوالي 100 ألف طن من النفايات الإلكترونية سنويا، بمعدل 3.7 كيلوغرام للفرد الواحد.

وتتركز نصف كميات هذه النفايات بالمدن الكبرى، ضمنها طنجة والدارالبيضاء والرباط ومراكش وأكادير، بنسبة تصل إلى 54 في المئة.

هذه الأرقام تدق ناقوس الخطر في المغرب الذي سيعيش على واقع خطر النفايات في ظل ارتفاع نسبة استهلاك المغاربة للأجهزة الإلكترونية ولهفتهم على استبدالها بأحدث التكنولوجيات أو لانتهاء صلوحيتها.

مسايرة التكنولوجيات الحديثة لا يوازيها حسن التخلص من الأجهزة الإلكترونية القديمة، فأغلبية المغاربة ما زالوا يتخلصون من هذا النوع من النفايات في الحاويات المنزلية وهو ما يشكل خطرا على الصحة والموارد الطبيعية، كالتربة والمياه، خاصة في ظل غياب شروط السلامة والوقاية الضروريتين.

مخاطر تتزايد

يحذر الخبراء من حجم المضار التي تشكلها النفايات الإلكترونية بحكم مكوّناتها التي تشتملُ على أكثر من المادة مختلفة منها الرصاص والنيكل والقصدير والزنك والبريليوم والزرنيخ والزئبق وغير ذلك من المعادن، كل هذه المواد تهدد صحة الانسان وسلامة البيئة، في حين يمكن استغلالها ثانية بالنظر إلى ما يظلُّ منها من معادن مفيدة.

المعادن الثقيلة خطيرة على صحة الإنسان

كل هذه المواد السامة تهدد الطبيعة والإنسان، سواء بعد طمرها في المطارح أو عند حرقها، إذ تلوث الهواء والمياه الجوفية.

وتكمن خطورة هذه المعادن الثقيلة، في أن تراكمها في الطبيعة، يجعلها تتفاعل في ما بينها، فتنتقل سمومها إلى الإنسان والحيوان والهواء والتربة، عن طريق المزروعات، أو عبر المائدة المائية أو عن طريق الهواء، ما يسبب انتشار أمراض سرطانية ورئوية، حسب ما أوردته العديد من الدراسات حول سم النفايات الإلكترونية.

ويتحول جهاز الكمبيوتر إلى قنبلة موقوتة، خلال شهور قليلة من رميه في المزبلة، لتضمّنه نسبة عالية من الرصاص، يمكن أن تتجاوز الكيلوغرام الواحد، حسب حجم الكمبيوتر، إلى جانب مادة الزرنيخ والكوبالت والزئبق وجميعها تحتوي على مواد سامة.

والأمر مشابه بالنسبة إلى شاشة التلفاز التي تحتوي على كيلوغرامين من الرصاص، حسب ما ورد في عدد من البحوث الأجنبية المنجزة حول الموضوع.

وعند حرق هذه النفايات، شديدة السمية، ينتج عنها غاز ثاني أكسيد الكربون، وأكسيد الحديد والنحاس، ما يؤدي إلى تلوث الهواء.

وعند تعرض هذه الغازات إلى الرطوبة والأمطار، تتكون الأمطار الحمضية ما يؤدي إلى تلوث المياه والتربة، التي بالتأكيد تصل إلى الحيوان أثناء الرعي وإلى الماء الذي يشربه الناس والبهائم، وإلى المنتوجات الفلاحية، التي تُسقى من المياه الجوفية.

ويؤدي تراكم الرصاص في الجسم إلى تلف خلايا الدماغ وانكماش في أنسجة الكليتين وتلف في الكبد، كما يؤدي إلى نقص في الهيموغلوبين وتسبب في الأنيميا، كما قد يؤدي إلى العقم ويؤثر على الأجنة، وعلى القدرة العقلية للأطفال، لأنه يؤدي إلى التخلف العقلي وصعوبات في التعلم.

أما الزئبق الذي يوجد في البطاريات وأجهزة الهواتف المحمولة والشاشات المسطحة، وهو من العناصر السامة، على الجهاز العصبي، وهو سريع التأثير على كبار السن والأطفال، إذ أن الزئبق المنبعث من النفايات، يتحوّل إلى مركّب غازي يمكن أن يدخل ضمن السلسلة الغذائية المختلفة.

المغرب يتوجه من خلال استراتيجية جديدة لمعاجلة النفايات لتوفير حوالي 70 ألف فرصة عمل، وإيجاد استثمارات تقدر بنحو 25 مليار دولار بحلول العام 2022

ثروة في المزابل

كما تحتوي النفايات الإلكترونية على مواد خطرة، فإنها تحتوي أيضا على مواد قيّمة كالحديد والنحاس والألمنيوم والبلاستيك والمعادن الثمينة كالذهب والفضة والبلاتين والبلاديوم، وجميع هذه المعادن من الممكن إعادة تدويرها والاستفادة منها كمصدر لإعادة التصنيع أو الترميم أو حتى إعادة الاستعمال.

ويعتقد الباحثون أن النفايات الإلكترونية تحتوي على ما يصل إلى 7 في المئة من مجمل الذهب في العالم، بما في ذلك الهواتف النقالة وأجهزة التلفاز والكمبيوتر.

ولا يعتبر استخراج الذهب من الهواتف النقالة ظاهرة جديدة، حيث كانت الشركات تقوم بذلك منذ سنوات، ولكن تعتبر الأساليب الحالية غير فعّالة ويمكن أن تكون خطرة على الصحة بسبب استخدام مواد كيميائية سامة.

وفي الوقت الذي اتجهت فيه دول غربية عديدة، منذ عقود، إلى إعادة تدوير هذه النفايات الإلكترونية للحد من آثارها البيئية من جهة، وإطالة أمد حياة الأجهزة الإلكترونية من جهة ثانية، ما يزال المغرب في الأشواط الأولى من المشوار.

ويعمل المغرب على وضع مخططات للحد من التلوث البيئي الناتج عن التخلص العشوائي من البطاريات المستعملة في مطارح النفايات، من خلال توقيع اتفاقيات شراكة تسمح بتدوير البطاريات المستعملة، لوقف تحللها في الطبيعة بشكل يسيء إلى البيئة والصحة الجسدية، من خلال مساهمة المستهلكين في إعادتها إلى الشركات المنتجة لإعادة تدويرها وحماية الإنسان والبيئة من مضارّها الخطيرة.

وتبعا لذلك، أبرمت وزارة الطاقة شراكة مع وزارة الصناعة والتجارة، مع مجموعة منتجي البطاريات، تهمّ تطوير منظومات تثمين البطاريات المستعملة.

وتهدف هذه الشراكة، التي تحمل شعار “لنكن أصدقاء للبيئة ولنعمل على تدوير البطاريات المستعملة”، إلى العمل على التقليص من مخاطر التلوّث المرتبطة بالبطاريات المستعملة، والتي تدخل ضمن النفايات الخطيرة، حسب اتفاقية “بازل” وحسب التصنيف المغربي للنفايات الخطيرة، وتشكّل تهديدا حقيقيا للصحة العمومية وللبيئة بشكل عام.

كما ترمي الاتفاقية إلى تطوير منظومات ذات قيمة مضافة، وتشجيع الاقتصاد الاجتماعي، والمساهمة في تنمية المهن البيئية، إلى جانب وضع هيكلة تهم تطوير هذه المنظومة، وإعداد الإجراءات القانونية والتنظيمية، وإحداث الآليات المالية والتحفيزية، وإنجاز أنشطة للتحسيس والتوعية حول الموضوع.

ويؤكد الخبير المغربي منصف بنحدوش، أن “المغرب يفقد كميات هائلة من المواد الأولية المتواجدة بهذا النوع من النفايات”، مبرزا أنه على المدى البعيد “سنشهد حتما مشاكل حقيقية، لأن المخلفات الإلكترونية ستشكل خطرا على الصحة والموارد الطبيعية كالتربة والمياه، خاصة في ظل غياب شروط السلامة والوقاية الضروريتين أثناء التعامل معها”.

مخلفات تسبب مشاكل كثيرة

وأضاف المدير المكلف بأفريقيا في الشركة الفرنسية “غرين سيستمز”، لقد تواصلنا مع وزارة البيئة بخصوص الاهتمام بهذا المجال، معربا عن استعداد الشركة التي يمثلها للنهوض رفقة الوزارة والمهنيين بهذا القطاع.

وتعمل شركة “غرين سيستمز” المغرب على رسكلة الكمبيوترات والأجهزة الصغيرة (شاشات الكمبيوترات، الهواتف النقالة والبطاريات الجافة…)، كما تقوم بتفكيك الخوادم ووحدات التخزين العملاقة التي انتهت صلاحيتها، حيث يتم الاحتفاظ ببعض المواد المعدنية التي ما تزال قابلة للاستعمال من قبيل الزجاج والرصاص والزئبق والفولاذ وحتى الذهب.

وأوضح بنحدوش أنه “عندما تتقادم الخوادم الضخمة لدى شركة معينة، ويتم تعويضها بوحدات تخزين أخرى، لا يعرفون ماذا يفعلون بالقديمة”، مضيفا أن “عدم القيام برسكلة هذه الأجهزة، أمر يكلفهم الكثير من المال، لأنها تحجز مساحة 400 متر مربع أو أكثر في مقرّاتهم، والتي بإمكانهم استغلالها في أشياء أخرى”.

مبادرات جادة

إن إعادة تدوير أو تصنيع النفايات الإلكترونية من أجل استخلاص المعادن العالقة داخلها، وإعادة استخدام ما تبقى منها يعدّ الخيار الأمثل الذي يمكن من مواجهة تهديد النفايات الإلكترونية. كما أن فوائد إعادة تدوير هذه النفايات يمكن أن يحقق الحدّ من المخاطر الصحية والبيئية للنفايات الإلكترونية ويساهم في الحفاظ على الموارد الثمينة والشحيحة في الوقت نفسه، كالماء والمعادن والثروة الحرجية.

ويعرف المغرب عددا من المبادرات الجادة في مجال إعادة تدوير النفايات الإلكترونية على شاكلة المشروع الشبابي “غرين شيب”، الذي يتوخّى التخفيف من الفاتورة الرقمية بالمغرب، وتعزيز إدماج الشباب في وضعية اجتماعية صعبة، من خلال منح حياة جديدة للأجهزة الإلكترونية المستعملة، في احترام تامّ للمجال البيئي.

وتتمحور فكرة “غرين شيب” حسب منير جويت المسؤول عن المشروع، حول تجميع نفايات الأجهزة الإلكترونية المستعملة لدى المقاولات العمومية والخاصة، وإعادة تدويرها لتجهيز المؤسسات التعليمية، في احترام للمعايير البيئية، وبهدف تكوين الشباب في مجال الصيانة المعلوماتية.

وأوضح جويت، أن “غرين شيب” تقوم بتدوير النفايات المعلوماتية، على أن تتولى شركة “مناجم” معالجة المواد والعناصر غير القابلة للتفكيك التي تحتوي على مواد ضارة بالبيئة.

وبنبرة يسمها طموح جامح، استعاد المتحدث خطوات المشروع الأولى، والذي انطلق على شكل ورشات للتضامن الرقمي، تروم تكوين الشباب، قبل أن ينتقل إلى مرحلة تجميع الأجهزة الإلكترونية، وإعادة تدويرها وتقديمها إلى المؤسسات التعليمية كهبات، آملا في الآن ذاته في تعميم تجربة “غرين شيب” على الصعيدين الوطني والدولي.

ويتوجّه المغرب في السنوات المقبلة إلى معاجلة النفايات المحلية بحسب استراتيجية تتبعها الحكومة للتنمية المستدامة، فمشروع تدوير النفايات الذي تنوي الحكومة اتباعه يتيح توفير ما يقرب من 70 ألف فرصة عمل داخل المغرب، وسيسهم في إيجاد استثمارات تقدر بنحو 25 مليار دولار بحلول العام 2022.

ويتطلّع المغرب إلى تدوير دائم في كل عام لنحو 5.3 مليون طن من النفايات المنزلية في المدن و1.5 مليون طن من النفايات الصناعية، من بينها 260 ألف طن من النفايات الخطيرة.

20