النفايات في العمل الفني والسياسي: احتجاج على الصورة النمطية

توظيف الفضلات البشريّة ضمن العمل الفني، يمثل في بعض الأحيان احتجاجا على سياسات السوق ومفاهيم الذوق والجمال، خصوصا في الفنون المعاصرة.
الثلاثاء 2019/02/19
نظرة إقصاء لكل ما هو خارج عن نطاق قواعد الفضاء العام

يتجاوز مصطلح “فضلات” في المدونة المجتمعية عامة فكرة القمامة والبواقي من كل ما يستهلكه الإنسان، لتصبح توصيفا لكل ما هو “دوني” اجتماعيا وثقافيا وحتى سياسيا، ودلالة لكل ما هو “منفيّ” و”متسخ” مقارنة بقواعد المنظومة الجمالية “النظيفة”. وفي الفن تتخذ الفضلات منحى معاكسا حيث تقلب الوجه الآخر للتوصيف وتصبح دلالة على الرفض والانتقاد، كما تتخذها بعض المنظمات الحقوقية والبيئية كاحتجاج على سياسات الفضاء العام.

باريس- تُجرّم العديد من الدول الأوروبيّة من يقوم بجمع الطعام ومخلفاته من حاويات القمامة. فحتى لو كان هذا الطعام “صالحا” للأكل، إلا أن علاجه وتكوينه الكيميائيّ المحدد بزمن الصلاحيّة يجعلانه خطرا على الصحة، لنرى أنفسنا أمام أطنان من الطعام المحميّ قانونيا والمصنف على أنه “فضلات” و“نفايات” لا تصلح للاستهلاك البشريّ.

المميز بهذه “الفضلات” أنها تكتسب هذه الصفة بناء على معايير صناعيّة وسياسيّة. وتُرسم قنوات خاصة للتخلص منها. هذا التجريم يمنع “الفضلات” من التأثير على الصناعات الاستهلاكيّة نفسها، التي تسعى دوما للجديد والعصري، ما يدفع بعض المحلات الكبرى إلى إتلاف ما لديها من مواد قبل رميها، لمنع “جمعها” والحفاظ على معدلات الشراء ودفع الأفراد لاستهلاك الجديد.

“الفضلات” كفئة سياسية وثقافيّة لا تقتصر على مخلفات الطعام، بل تنسحب على كلّ ما هو “abject“، الكلمة التي لا معادل عربيا لها، سوى ما هو منفيّ ومتسخ. ويندرج تحت هذه الفئة العديد من الموضوعات البشريّة والصناعيّة والطبيعيّة سواء كانت “ضارة” أم لا.

تعرّف هذه الفئة مجموعة من “الموجودات” بوصفها خطرا على الشكل القائم، وتعرّضها لسياسات “النظافة” و”التطبيع”، التي تبدو أهدافها للوهلة الأولى منطقيّة كونها تسعى للحفاظ على الصحة العامة ونفي كل ما يهدد الفضاء العام.

لكن حقيقة، هي ترسم حدودا قمعيّة، تُساهم بترسيخ شكل سياسيّ يقسّم العالم إلى “وسخ” و”نظيف”. وكل ما هو وسخ، عرضة للعنف الماديّ والرمزيّ، ويخضع للهيمنة والرقابة كونه غير مرغوب به، لا فقط لعطل أو عيب في تكوينه، بل لمجرد مخالفته للسلطة السياسيّة والثقافيّة، التي تتلاعب بتعريفات الفضلات انتصارا لمصالحها.

أشارت جوليا كريستيفا إلى فئة الفضلات في كتابها “قوى الرعب” (1980) بوصفها علامات على انهيار العلاقة بين الذاتي والموضوعيّ، وبين ما هو داخليّ حميميّ-شخصي، وما هو خارجي، سياسي خاضع لقوانين الفضاء العام. والانتقال بينهما يهدد البنية الماديّة والرمزية للعالم. ينسحب هذا التعريف ثقافيا على الجثة، بوصفها علامة على تحول الذاتي الواعي إلى غرض لا بد من التخلص منه.

براز الفنان كانتقاد لسوق الفن
براز الفنان كانتقاد لسوق الفن

لكن هذه المفاهيم تتغير حين النظر إلى التحنيط، بوصفه تحريرا للجثة من تعريفها كفضلات سامّة لا بدّ من إخفائها، إلى أيقونة علنيّة، كحالة جثة لينين مثلا. هنا يدخل السياسي مرة أخرى، الذي يستعرض “الجثة” ضمن إطار علنيّ بوصفها وسيلة لفرض السطوة والهيبة اللتين كانتا تختزنهما الجثة حين كانت حيّة.

وعلى النقيض، حضور الجثة دون أي تحنيط أو كـ”abject”، يجعلها وسيلة لاستعراض انتصار ما. إذ تَتحررُ من قنوات “التنظيف” السياسيّة، لتُترك علنيّة، متاحة للجميع بوصفها دليلا على عنف وخلل في اتزان العالم، كجثة معمّر القذافي، التي تحولت إلى صيغة استعراضيّة للـ”انتصار” وعلامة على استمرار العنف السياسي.

تطور مع الحركات النسويّة مفهوم الـAbject، بوصفه تصنيفا ذكوريا يرى في الجسد المؤنث نوعا من الفضلات المنفيّة، الذي لا بد من تصميمه بأسلوب جماليّ يجعله مقبولا ونظيفا وصالحا للخارج الذكوريّ. يتجلى رد فعل هذه الحركات في توظيف المخلفات والسوائل الجسديّة للمرأة ضمن الأعمال الفنيّة كاحتجاج على سياسات الفضاء العام.

وتوظف أشكال التمثيل الفنيّة للمرأة بوصفها موضوعة جماليّة مثاليّة، لا فردا حيا ذو خصائص جسديّة تمتلك المرأة الحرية الكاملة بتكوينها وتشكيلها. وهذا ما نراه في أعمال الفلسطينيّة منى حاطوم، التي تستخدم شعرها وأظافرها ضمن مجموعة من الأيقونات بوصفها امتدادا لجسدها، نافية عنها تعريف الفضلات، كاحتجاج على أشكال القمع الذكوريّ المختلفة. وكأن حاطوم ترى في “التقليم” و”التنظيف” علامات ماديّة على سياسات الذكورة التي ترسم جسدا متخيّلا للمرأة خاليا من “الفضلات” والزوائد.

الأهم هو توظيف دماء الحيض، التي تعتبر عادة علامة على الدنس، وظهورها ضمن العمل الفنيّ كما في أعمال حاطوم وغيرها من الفنانات، هو تحرير لتعريفات المرأة كمُنتج للدنس، ما يجعل هذه الدماء، لا فقط علامة على الألم النسوي، بل أيضا انتقادا لإيقاع العالم الزمنيّ-الاقتصاديّ المضبوط بالإنتاج الذي يعكس الجهد الرجوليّ و”صحته” دائمة النظريّة.

الدماء هنا تتحرر من قنوات ووسائل الإخفاء، لتصبح علامات مرئيّة على التمييز الجندريّ الذي نراه في مساحات العمل وفجوة الأجور بين الجنسين، التي تعود كلها ولو بصورة رمزيّة إلى إيقاع الجسد المؤنث المختلف عن ذاك المذكر.

الصراع على الدماء

الفلسطينية منى حاطوم تستخدم شعرها وأظافرها ضمن مجموعة من الأيقونات بوصفها امتدادا لجسدها، نافية عنها تعريف الفضلات
الفلسطينية منى حاطوم تستخدم شعرها وأظافرها ضمن مجموعة من الأيقونات بوصفها امتدادا لجسدها، نافية عنها تعريف الفضلات

سياسات العزل للسوائل الجسديّة ترتبط أيضا بالقرار السياسيّ، كما نرى في “سياسات مكافحة عوز المناعة المكتسبة”، التي تم إثرها تصنيف المرض كوباء في الولايات المتحدة في مطلع التسعينات ولا بد من مكافحته. وهنا تغير تعريف الدماء المذكّرة، بل والدماء بأكملها بشكل عام، إذ أصبحت خطرا على الصحة العامة، وانعكس ذلك على عزل المصابين بهذا المرض، كونهم يحملون تهديدا للفضاء العام وصحة الجسد الوطنيّ. ترافق ذلك مع صناعة ثقافيّة جعلت أجساد المصابين بأكملها مساحة خطرة، لا يجوز الاقتراب منها أو لمسها، في اختلاف كليّ عما هو طبيّ والذي يفسّر أِشكال العدوى بأنها باختلاط الدماء، لا باللمس أو الاحتكاك. الأهم هو الوسم الوهميّ لقارة بأكملها بأنها “حاملة لعوز المناعة” كحالة أفريقيا حسب المتخيل الشعبيّ، وكأنها بأكملها ‘abject’ لا بد من تفاديه.

هذه المتخيّلات عن أفريقيا نرى انتقادا لها في أعمال إدوين لاسيند، الفنان النيويوركي الذي يرسم مشاهد مختلفة من الحياة اليوميّة في القارة السوداء، في محاولة لمحاربة المتخيّل الشعبيّ عن سكان أفريقيا بوصفهم “مرضى” ولا بد من نفيهم وتجاهلهم.

توظيف الفضلات البشريّة ضمن العمل الفني، يمثل في بعض الأحيان احتجاجا على سياسات السوق ومفاهيم الذوق والجمال، خصوصا في الفنون المعاصرة، التي تحول إثرها مُسبق الصنع واليوميّ والمبتذل إلى “فن” يعرض في المتاحف والمعارض. لكن، هنا يجب الأخذ بعين الاعتبار القيمة النقديّة لهذه الفضلات، بوصفها سخرية من المؤسسة الفنيّة، التي ترى في كل ما عليه توقيع فنان “عملا فنيا” حتى لو كان برازا، كما في أعمال بييرو أمانزوني، الذي أنتج مجموعة من العبوات المغلقة التي تحوي 30 غراما من برازه الشخصي، وعرضها للبيع عام 1961 بـ37 دولارا، وفي عام 2007 بيعت الواحدة منها بـ124 ألف دولار.

تقارن هذه المحاولة النقديّة والتهكمّية بين “الإنتاج البشريّ” و“الإنتاج الصناعي” وسياسات التسويق المرتبطة بهما، وقوانين السوق التي يمكن ضمنها بيع “أي شيء” طالما هناك هالة حوله.

يتهم جورج باتاي من سردوا حكاية “الجميلة النائمة” بأنهم تناسوا الغبار الذي تراكم على جسدها و”وسخّها”، وتجاهلوا خيوط العناكب التي لا بد أنها تراكمت حولها. من هذا الرأي، يتحول الغبار سواء كان مصدره بقايا ميكروبية للجسد أو المكان الفيزيائي إلى وسيلة لقياس الزمن والحركة ضمنه. كما أنه دليل على “عمليّة” تتغير ضمنها الطبيعة الفيزيائيّة لمكونات العالم.

هنا يبرز الدور الاجتماعيّ مرة أخرى، واقتران التنظيف وأدواته بالمرأة، والتي نراها في الإعلانات المختلفة تحمل مكنسة أو وسائل للتنظيف، وكأن عليها أن تكون كالجميلة النائمة المتخيّلة، نظيفة دوما، مُسجّاة بانتظار فارس لإنقاذها من سباتها الطويل، وتعمل بالخفاء طوال الوقت ليكون كل شيء “مرتبا” و”لماعا” إلى أن يأتي، ما يعني -وهذا ما تروج له الإعلانات- أنها المسؤولة عن عمليات التنظيف في الفضاء الخاص لا لأجلها، بل لأجل ذلك الرجل المنتظر الذي لا بدّ أن تكون حاضرة دوما له بأبهى شكل.

المكونات الدقيقة للفضاءات الخاصة والعامة والتي تعتبر غبارا أو فضلات، تتعرض دوما للتنظيف، في إهمال كامل لأشكال الحياة والمكونات الثقافيّة التي تنتجها. هذا “التنظيف” يؤكد على هيمنة الشكل المادي البشريّ على العالم الماديّ المأهول، بوصفه الأنجح والأكثر فائدة، والذي ينفي مثلا شباك العنكبوت، التي وظفها توماس سارسينو في مجموعة من المنحوتات المعلقة، التي صممتها عناكب مختلفة، بوصفها احتمالات بديلة للفضاءات الداخليّة، يتعاون فيها البشريّ مع الحيوانيّ، في استفادة مما كان سابقا “فضلات” وتحويله إلى شكل من العمارة الهشّة، تلك التي لا تخضع لسياسات النفي، بل تتغير دوما حسب الشروط المحيطة، فهي ليست تكوينات صلبة أنتجها البشر والذكور خصوصا، بل مساحات تتساوى فيها الكائنات وتتلاشى ضمنها تعريفات الفضلات والحدود الثابتة بين “النظيف” و”الوسخ”.

الفضلات كمحرك للهيمنة والعنف

جثة لينين كمعادل رمزي على الهيمنة السياسية
جثة لينين كمعادل رمزي على الهيمنة السياسية

توظف السلطة السياسية عملية الـ”abjection” كوسيلة للهيمنة والسيطرة، وتبيح لنفسها ممارسة أشكال مختلفة من العنف الجسديّ واستثناء فئة من البشر بسبب خصائص دينية أو عرقيّة. وهذا ما كان يحصل سابقا في معسكرات الاعتقال النازيّة، حيث يفقد “البشر” ضمنها تعريفاتهم كمواطنين، ليتحولوا ثقافيا إلى “فضلات” لا بد من التخلص منها عبر قنوات وأجهزة مخصصة لذلك، بهدف عزلهم عن الجسد الوطنيّ “النظيف”.

تلاشت هذه السياسات بصورتها السابقة، واستُبدلت بأشكال لا تختلف عنها قسوة، يتعرض إثرها الجسد الإنساني لتهديد الموت لا الموت المباشر، فما يحصل هو تحول كتلة بشريّة إلى نوع من الفضلات التي لا بد من عزلها ضمن مساحات جغرافيّة محددة ومنعها من الظهور عبر عقبات بيروقراطيّة وسياسات تمنع تحركها ضمن المساحات السياديّة. وهذا ما نراه في مخيمات اللاجئين، التي يمنع الكثيرون ممن هم فيها من المغادرة بسبب عدم امتلاكهم لأوراق شرعيّة ولا بد من تطبيعهم/تنظيفهم قبل إطلاقهم.

وأشد هذه الأشكال قسوة هي تلك التي نراها في أستراليا ضمن جزيرة “ناورو”، حيث يترك طالبو اللجوء سنوات في مخيمات معزولة، غير مرئية، يعيشون فيها ضمن ظروف إنسانيّة قاسية والتهديد بالقتل في حال حاولوا الهروب، وكأنهم محكومون بالإعدام مع وقف التنفيذ.

وهنا تبدو سياسات التنظيف، كوسيلة للحفاظ على التجانس الوطنيّ، وخلق فئات وتصنيفات أساسها سياسي (مواطن-لاجئ)، لا إنساني وكأن ذاك “الغريب” خطر وتهديد على الصحة العامة كونه آتيا من خارج مساحات السيادة، ولا بد أن يبقى على الحواف حتى يموت.

أقسى أشكال هذه السياسات القمعيّة تتجلى بالاغتصاب، بوصفه عمليّة Abjection، يتحول إثرها جسد المغتصبة إلى كيان يحكم عليه بالنفي ويلاحقه العار الاجتماعيّ. هذه العمليات الوحشيّة يوظفها الاحتلال والتنظيمات الإرهابية والأنظمة القمعيّة لتفكيك وحدة الأسرة من جهة، وخلق الرعب بين أفراد المجتمع، كما فعل تنظيم داعش مثلا، من جهة أخرى.

فالاغتصاب هنا يحول جسد المغتصبة إلى علامة على ما يجب تجنبه بوصفه دنسا، لتعيش الضحية عنف الاغتصاب وعنف النظرة الاجتماعيّة، ما يحيلنا إلى أشكال أقسى من التمييز التي تظهر في حال حصل حمل، فالطفل في “الداخل” ليس كليّا لأمه، وفي “الخارج” حين ولادته يوصف بأنه عار وملوث، ويخلق تعريفه القانونيّ إرباكا، ما يخلق سياسات أشد تمييزا، كممارسات الحكومة الفرنسيّة التي تريد استعادة 150 طفلا لآباء فرنسيين كانوا في صفوف التنظيم، بشرط ترك أمهاتهم في سوريا والعراق.

وصف كثيرون هذه السياسات بالعنصرية واللاإنسانية كونها تحرم الأطفال من أمهاتهم اللاتي في الكثير من الأحيان لم يخترن الزواج من مقاتلي التنظيم، كما أنها تساهم بترك الأمهات عرضة للعنف والتمييز الذي لا نعرف أشكاله بدقة ضمن المناطق التي كانت خاضعة لتنظيم داعش.

Thumbnail
17