النفايات كنوز تعزز جهود الحفاظ على البيئة

الدول العربية تحتاج إلى التصدي لنشاط تدوير النفايات خارج الأطر القانونية والذي يفاقم مشكلة الفضلات ويزيد من تعميق فجوة التعامل مع المنتجات المصنوعة من مواد معاد تدويرها.
الأربعاء 2019/10/02
أكوام من المشكلات الصحية والبيئية

تعاني الكثير من الدول العربية من أزمة حقيقية في علاقة بتراكم النفايات في الشوارع وكيفية التعامل معها ما يجعلها تحديا جديا تواجهه الحكومات، وهو ما دفع البعض منها للجوء إلى عملية التدوير التي تشكل أكبر الحلول الناجحة في مواجهة أزمة الفضلات، ما أثبت أن هذه المخلفات قد تكون هي ذاتها فرص استثمار مربحة بالنسبة لرواد الأعمال وفرص عمل للعاطلين إلى جانب أهمية هذه الجهود في الحفاظ على البيئة وعلى صحة المواطن العربي وترشيد موارد البلاد.

القاهرة- لا تزال مشكلة المخلفات الصلبة تمثل تحديا أمام جهود حماية البيئة والحفاظ على صحة الإنسان في الدول العربية وصداعا بالنسبة لحكوماتها، ففي الوقت الذي تعتبرها بعض الدول الكبرى كنوزا من خلال تطبيق سياسات إعادة التدوير التي تعد استثمارا مربحا، تنظر إليها دول عربية على أنها كارثة يصعب التعامل معها رغم الأرباح المادية التي يمكن أن توفرها النفايات.

وتعد صعوبات التعامل مع النفايات مشكلة قديمة، وهي في تفاقم مستمر بسبب تطور أسلوب حياة الأشخاص والرفاهية التي يعيشونها ما تترتب عنه زيادة حصة الفرد من النفايات، وتوقع برنامج الأمم المتحدة للبيئة ذلك مؤكدا ارتفاع حجم المخلفات في العالم إلى 13 مليار طن مع حلول عام 2050 مقارنة بنحو تسعة مليارات حاليا.

وتنتج المنطقة العربية نحو 200 مليون طن سنويامن الفضلات ويفاقم عدم الاستفادة منها سوء الأوضاع البيئية.

حملات توعية

قطعت دول عربية شوطا في مواجهة تصاعد مشكلة النفايات، ودشنت إمارة الشارقة في دولة الإمارات مركزا لفرز المخلفات، ضمن أكبر خمسة مراكز على مستوى العالم بهدف الاستفادة من الثروات التي تحملها النفايات.

وتسيطر على الدول العربية عادات استهلاكية غير رشيدة يترتب عليها التخلص من كميات كبيرة من الطعام في سلال المهملات، الأمر الذي يعقد عمليات فرز المخلفات ويتسبب في انتشار الأمراض جراء عمليات التخمر والانبعاثات الناجمة عن زيادة حجم المخلفات العضوية في النفايات.

يقدر حجم مخلفات المنازل والمحال والأسواق في مصر بنحو 22 مليون طن سنويا
يقدر حجم مخلفات المنازل والمحال والأسواق في مصر بنحو 22 مليون طن سنويا

وقطعت حكومات عربية جهودا لفك التشابك بين أنواع الفضلات، وبدأت في طرح سلال مهملات في الأماكن العامة بألوان مختلفة في محاولة لفرز المخلفات من المنبع، غير أن سلوك غالبية الأفراد يحول حتى الآن دون نجاح الفكرة.وتتواكب مع هذه الفكرة حملات توعية موسعة لكنها لم تلق التجاوب الكامل، ما يتطلب تدريس مواد للسلوك موجهة للناشئة في المراحل التعليمية الأولى لتربيتهم على الالتزام مبكرا.

وتتصدر الولايات المتحدة المركز الأول عالميا في إنتاج النفايات تليها الصين، ثم الهند بالمركز الثالث. وتتصدر مصر المركز الأول عربيا في حجم النفايات والمركز الـ19 عالميا، فيما نجد السعودية في المركز الثاني عربيا والـ25 عالميا، وتحل الإمارات الثالثة عربيا والـ52 دوليا.

وتقوم الصين بشراء نصف نفايات العالم وتعيد تدويرها وتعيد طرحها مرة أخرى في الأسواق العالمية. وتتباهى شركات كبرى بأن منتجاتها مصنوعة بالكامل من مواد معاد تدويرها.

وعاينت “العرب” خلال زيارة للولايات المتحدة تقديم مطعم مكسيكي في العاصمة واشنطن وجبات في أطباق مكتوب عليها عبارة تفيد بأنها مصنوعة بالكامل من مواد معاد تدويرها، وهو ما جعلنا نتردد في البداية في تناول الطعام في تلك الأطباق.

رواد المطعم الكثر، وهم مواطنون أميركيون وأجانب، التهموا الطعام، ما شجعنا على التصرف مثلهم. وكانت التحذيرات من كون المنتجات المعاد تدويرها قد تسبب الأمراض وراء ردة فعلنا.

في العالم العربي، يتم في البعض من الحالات إعادة تدوير النفايات خارج القانون. ويدير العاملون في هذا المجال أعمالهم دون رقابة صحية بهدف التهرب من الضرائب وسعيهم لتخفيف الأعباء المادية لمشاريعهم وأحيانا كثيرة لغياب الوعي بأهمية اتباع الإجراءات السليمة والقانونية.

وتحتاج الدول العربية إلى التصدي لنشاط تدوير النفايات خارج الأطر القانونية والذي يفاقم مشكلة الفضلات ويهدد صحة المواطنين، ويزيد من تعميق فجوة التعامل مع المنتجات المصنوعة من مواد معاد تدويرها.

ونجحت تكنولوجيا التصنيع عالميا في الاستفادة بالكامل من المنتجات المعاد إنتاجها من المخلفات بصورة آمنة لدرجة أن إحدى شركات المياه الغازية الشهيرة تكتب على عبواتها عبارة “العلبة مصنعة من منتجات معاد تدويرها”.

النفايات تخنق مصر

تعمل في مصر نحو 1500 شركة لجمع الفضلات خارج الاقتصاد الرسمي
تعمل في مصر نحو 1500 شركة لجمع الفضلات خارج الاقتصاد الرسمي

يبدو التعامل مع المخلفات في مصر مختلفا عن الكثير من بلدان العالم، إذ يتم توظيف تربية الخنازير للتغلب على المواد العضوية في المخلفات وذلك بتجميعها في أماكن يطلق عليها تسمية “مقالب” وتتغذى الخنازير في مرحلة أولى على المواد العضوية وبقايا الطعام، وفي المرحلة الثانية تفرز المخلفات وتصنف حسب نوعها: زجاج، بلاستيك، معادن أو غيرها.

وبعد انتشار جائحة أنفلونزا الطيور في العام 2008 في مصر، أصدرت وزارة الزراعة قرارا بإعدام جميع الخنازير في البلاد باعتبارها ناقلة للفيروس، الأمر الذي فاقم مشكلة الفضلات ولم تعد هناك خنازير تساعد في التخلص من المخلفات العضوية.

ويقدر حجم مخلفات المنازل والمحال والأسواق في مصر بنحو 22 مليون طن سنويا، منها 13.2 مليون مخلفات طعام و8.7 مليون مخلفات ورق وكرتون وعبوات مياه غازية.

وقال شحاتة المقدس، نقيب جامعي الفضلات في مصر، إنه تم إعدام نحو 2.5 مليون خنزير خلال مذبحة 2008، ومع ذلك استمر انتشار الفيروس بالبلاد.

وبعد تسع سنوات من إعدام الخنازير، توطن فيروس أنفلونزا الطيور في مصر وبالتالي تمت تبرئة الخنازير من ذلك ما شجع رابطة جامعي الفضلات على تربية هذه الحيوانات سرا في المناطق النائية بأطراف القاهرة وجنوب البلاد في منطقة الصعيد، خوفا من مطاردة السلطات المصرية للمربين.

وحصلت الرابطة مؤخرا على موافقة رسمية من وزارة الزراعة مجددا لتربية الخنازير، بشرط ذبحها في المجازر الحكومية، وكان قبل ذلك يتم ذبحها خارج تلك المجازر. وحدد المقدس عدد الخنازير في مصر حاليا بحوالي مليون ونصف خنزير، وتستهدف الرابطة زيادتها إلى نحو 2.5 مليون مع نهاية عام 2020.

مع تفاقم الأزمة، أطلقت القاهرة مبادرة لشراء الفضلات المنزلية من المواطنين عبر أكشاك منتشرة في المحافظة، لكن الفكرة لم تلق نجاحا كبيرا

ويضيف البعد الاجتماعي تحديا ثانيا يتعلق بمنظومة المخلفات، حيث يعزف الشباب عن جمع الفضلات بسبب نظرة المجتمع الدونية لهذه المهنة ما ساهم في قلة اليد العاملة في هذا المجال مقارنة بحجم الفضلات في الشوارع.

وقدر البنك الدولي حجم خسائر مصر نتيجة عدم تدوير المخلفات والاستفادة منها بنحو 5.7 مليار دولار، وتعادل نحو 1.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي البالغ 383 مليار دولار.

ومع تفاقم الأزمة، أطلقت القاهرة مبادرة لشراء الفضلات المنزلية من المواطنين عبر أكشاك منتشرة في المحافظة، لكن الفكرة لم تلق نجاحا كبيرا. ودفع فشل هذه التجربة وزارة البيئة إلى تأسيس أول شركة مساهمة مصرية لإدارة منظومة المخلفات بالتعاون مع أكبر البنوك الحكومية.

وقالت سوزان حمدي، مدير إدارة الاستثمار في بنك مصر، إن “الشركة ستكون لها فروع منتشرة في جميع المحافظات لضمان تغطية جميع مناطق البلاد”.

وأضافت حمدي لـ”العرب” أنه سيتم تطبيق التجربة في ثلاث محافظات في البداية، ويجري حاليا وضع معايير اعتماد في هذا السياق، ويفضل أن تكون محافظات صغيرة كي تصبح فرص الخطأ غير مؤثرة، وبالتالي سيتم استبعاد القاهرة والإسكندرية في البداية، وحال نجاح التجربة سيتم تعميمها على جميع المحافظات.

وكشف عدد من جامعي الفضلات، لـ”العرب”، عن مخاوفهم بسبب تأسيس وزارة البيئة لشركة حكومية لتدوير المخلفات، ووصفوا الخطوة بأنها منافسة غير متكافئة مع شركات القطاع الخاص كما من الممكن أن يرسخ ذلك ممارسات الاحتكار.

منافسة غير متكافئة

 الحكومات العربية قطعت جهودا لفك التشابك بين أنواع الفضلات وبدأت  في طرح سلال مهملات  في الأماكن العامة بألوان مختلفة في محاولة لفرز المخلفات من المنبع،  غير أن سلوك الأفراد يحول حتى الآن دون نجاح الفكرة
 الحكومات العربية قطعت جهودا لفك التشابك بين أنواع الفضلات وبدأت  في طرح سلال مهملات  في الأماكن العامة بألوان مختلفة في محاولة لفرز المخلفات من المنبع،  غير أن سلوك الأفراد يحول حتى الآن دون نجاح الفكرة

وصف منير نوار، نائب رئيس جمعية جامعي القمامة، استبعاد القطاع الخاص من تلك المنظومة بأنه “كارثة”.

وأوضح لـ”العرب” أن جمعيته تقع في منطقة منشأة ناصر شرق القاهرة وهي من أهم مراكز جمع القمامة وتستقبل ستة آلاف طن من الفضلات المنزلية، نصفها يجمع صباح كل يوم والنصف الآخر في المساء، وهو ما يجعل شركات القطاع الخاص من الركائز الرئيسية لنجاح تلك المنظومة.

ولفت إلى أن كل طن من القمامة يوفر نحو 12 فرصة عمل للعاملين بهذا القطاع، ويقومون بفرز القمامة وكبسها في عبوات تسمى “بالات” ويتراوح وزنها بين 700 إلى 1000 كيلوغرام ثم بيعها للمصانع.

وتعمل في مصر نحو 1500 شركة لجمع الفضلات خارج الاقتصاد الرسمي منتشرة في جميع المحافظات، وتوفر وظائف لأكثر من 360 ألف مواطن يعملون في ظروف غير إنسانية.

وقال علي القريعي رئيس لجنة البيئة بجمعية رجال الأعمال المصريين، إن “الفضلات تعد كنزا لا يعرف قيمته سوى العاملين بهذا النشاط” ويتم جمع القمامة وتصنيفها وفق احتياجات السوق.

وأضاف لـ”العرب” أن صناعة الورق والكرتون من أهم الصناعات التي تبحث عن تلك المخلفات وتقوم بشرائها بأسعار مختلفة حسب جودتها.

ويبدو واقع النفايات في مصر صعبا، ويصل حجم المخلفات الزراعية إلى نحو 40 مليون طن سنويا، ويمكن استخدام هذا الكم في تصنيع الأسمدة العضوية التي تسمى “كومبست”، لكنها لا تستغل بالكامل وتهدر وتتسبب في تلوث البيئة بدلا من الاستفادة منها.

مصر تتصدر المركز الأول عربيا في حجم النفايات والمركز الـ19 عالميا، فيما نجد السعودية في المركز الثاني عربيا والـ25 عالميا، وتحل الإمارات الثالثة عربيا والـ52 دوليا

أما مخلفات هدم المباني فتصل سنويا لنحو خمسة ملايين طن، ويتم إلقاؤها في الطرقات ليلا من جانب أصحاب العقارات بدلا من إعادة تدويرها واستخدامها.

وتشكل المخلفات الصناعية وبالا على البيئة في البلاد، لما تسببه من انبعاثات نتيجة التخلص منها بالوسائل البدائية عن طريق الحرق، ويصل حجمها نحو ستة ملايين طن سنويا.

أما مخلفات تطهير الترع وقنوات الصرف الصحي فيصل حجمها لنحو 20 مليون طن سنويا، وبدلا من استخدامها في عمليات استصلاح الأراضي الرملية تسبب مشكلات بسبب تراكمها في المجاري المائية بعد عمليات التطهير.

ويمكن لمصر مواجهة أزمة البطالة وإحداث فرص عمل جديدة للشباب من خلال تحويل تحدي الفضلات إلى فرص مثمرة، حيث يرصد البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير حزما تمويلية لتطوير منظومة جمع القمامة وتدوير المخلفات في مصر تصل لنحو 993 مليون دولار للمشروعات الخاصة بالحفاظ على البيئة وتدوير المخلفات.

12