النفط بالنفط والبادي أظلم

هذا السلوك الاحتلالي الاستعماري التهديمي التخريبي مولودٌ مع نظام الحكم الذي ابتدعه الخميني، والقائم أساسا على فكرة تصدير الثورة إلى دول الجوار، ولفرض الهيمنة على جميع ثروات المنطقة.
الاثنين 2019/09/16
إيران تأمل في فرض وصايتها على المنطقة

حتى أبسط مواطن لا يهتم بالسياسة وعلومها وأخبارها يعرف جيدا أن الهجوم الذي أصاب مصافي البترول السعودية إيراني دون شك، ولكنه يعلم أيضا أن إيران، بهذا الهجوم، لا يعني أنها تحارب السعودية وحدها، بل هي حربٌ معلنة ضد مصادر الطاقة العالمية، وضد أمن منطقة تتركز فيها مصالح حكومات وشعوب غير خليجية وغير عربية عديدة لا تحصى، بدءا بأميركا والصين واليابان والهند، وانتهاء بالصومال وجيبوتي.

فالذي فعله ويفعله الحرس الثوري، مباشرة وعلنا، أو بواسطة وكلائه وعملائه العراقيين واليمنيين واللبنانيين والسوريين، باستهدافه ناقلات النفط العربية والأجنبية في مضيق هرمز والخليج العربي، وبإرسالياته المتكررة من الطائرات المسيرة إلى مواقع إنتاج البترول في الدول التي تضعها إيران في خانة الحلفاء الأقرب والأهم لأميركا ترامب إنما يعني أن القادة الإيرانيين، عسكريين ومدنيين، يقولون للعالم، ولأميركا، تخصيصا، إما أن تطنشوا عن مشاريعنا النووية ونشاطاتنا الاحتلالية في المنطقة العربية الممتدة من شواطئ الخليج العربي إلى شواطئ البحريْن الأبيض والأحمر، أو وجع الرأس الدائم والمؤلم الذي لا ينتهي.

ثم لو أن هذه النشاطات الإيرانية لم تكن إلا ردا على عقوبات ترامب، وعلى سياسة الخنق الاقتصادي والعسكري والسياسي التي يصر على استمرارها حتى نهايتها لكان لها شيء من الفهم والتبرير، على أساس أن “النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص”.

ولكن هذا السلوك الاحتلالي الاستعماري التهديمي التخريبي مولودٌ مع نظام الحكم الذي ابتدعه الخميني، والقائم أساسا على فكرة تصدير الثورة إلى دول الجوار، ولفرض الهيمنة على جميع ثروات المنطقة من أجل ليّ ذراع المجتمع الدولي، وإجبار أقوى الدول قبل أضعفها على القبول بوصاية إيرانية مطلقة على دول الشرق الأوسط، كافة دون اعتراض.

وهنا يبرز هذا السؤال، ألم يصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعدُ إلى قناعة بذلك؟ ثم سؤال آخر، ماذا ينتظر؟

في سنة 1982 بدأت حرب ناقلات النفط بين صدام حسين والخميني، إلى أن أدرك الطرفان أن كليهما خاسر، وإن عليه أن يتوقف، فتوقف.

ثم، بعد سبعة أعوام من الاقتتال، دون أن ينتصر هذا أو أن ينهزم ذاك، لجأ الخصمان العنيدان إلى حرب المدن. فراحت تتساقط صواريخ الخميني على بغداد، وصواريخ صدام على طهران، ثم باشرا بحرب إسقاط الطائرات المدنية وتفجير محطات القطار والموانئ إلى أن أدركا معا، أن الرابح في هذا النوع من الحروب خاسر أيضا، فتوقفا عن هذا النوع من الجنون، ثم تجرع الخميني كأس السم ووافق على وقف إطلاق النار. أليس في كل تلك الصفحات السوداء من تلك الحرب الغبية دروسٌ وعبرٌ لمن يريد أن يعتبر؟

تُرى، إذا كان المرشد الإيراني البادئ بحرب ناقلات النفط ومنابع البترول والمطارات والموانئ قد وجد بيسر وسهولة وكلاء قابلين بالقتال نيابة عنه، ضد حكومات المنطقة وشعوبها، وضد دول العالم ومصالحها، فأليس سهلا، أيضا، ويسيرا، أن تلجأ أميركا الغنية وحليفاتها الثرية الأخرى إلى نفس طريقة علي خامنئي في التقاتل بالوكلاء، فتجد من يتولى فلَّ الحديد بالحديد، ويقارع العدوان بالعدوان، والحرق بالحرق، والطائرة المسيرة بالطائرة المسيرة، ويرسل الصواريخ الموجهة إلى مصافي النفط الإيرانية، ذاتها، وإلى سفن الحرس الثوري وبوارجه وموانئه ومواقع تجمعاته ومخازن طائراته وصواريخه، لتكون واحدة بواحدة، والبادي أظلم، وأكثر ضلالة؟

فدون هذا لن يفهم المرشد الإيراني أن لكل شيء ثمنا في هذا الزمن الرديء. ترى ماذا ينتظر ترامب، وماذا ينتظر حلفاؤه الآخرون؟

8