النفط والغاز في سوريا سلاح في الحرب وفي إعادة الإعمار

دمشق قد تضطر إلى تسوية مع الأكراد لضمان تدفق النفط إليها.
الأربعاء 2019/07/10
قطاع النفط سيلعب دورا أساسيا في إعادة الإعمار

عند تحليل أسباب اندلاع صراع أو حرب في منطقة الشرق الأوسط غالبا ما يأتي قطاع النفط والغاز على قائمة الأسباب التي تبرر هذه الحرب، وإن كان من الأسباب غير المباشرة. وما يحدث في سوريا منذ ثماني سنوات مثال على ذلك؛ فالحرب هناك انطلقت كانتفاضة شعبية ضد النظام الحاكم لكن مع تحولها إلى حرب تغيرت الحسابات والمعطيات وتحول الصراع إلى منافسة بين القوى الكبرى حلبتها سوريا، لا من أجل دعم نظام الأسد أو إسقاطه بل من أجل حماية المصالح المرتبطة بقطاع الطاقة في المنطقة.

بيروت - مُني قطاع النفط والغاز بخسائر جسيمة جراء النزاع المستمر في سوريا منذ ثماني سنوات، تقدّر بعشرات المليارات من الدولارات، في وقت لا تزال فيه أبرز الحقول خارج سيطرة قوات النظام. لكن مع ظهور بوادر تسويات في الأفق وتقلص مساحة الجبهة العسكرية بدأ الحديث عن النفط والغاز في سوريا يأخذ منحى آخر من حيث دوره في إعادة الإعمار. ويرجح محللون أن يلعب هذا القطاع دورا أساسيا في تمويل إعادة إعمار سوريا في حال تم التوصل إلى حل سياسي، لكن بشرط أن يضمن الأكراد الذين عانوا التهميش، احترام مصالحهم في هذا الشأن.

  • ما هي أبرز حقول النفط والغاز؟

- تتقاسم قوات النظام وقوات سوريا الديمقراطية بشكل أساسي ثروات النفط والغاز، إذ تقع أبرز حقول النفط وأكبرها تحت سيطرة الأكراد فيما تسيطر دمشق على أبرز حقول الغاز. وتسيطر قوات سوريا الديمقراطية بشكل رئيسي في دير الزور (شرق) على حقل العمر، وهو الأكبر في البلاد، والتنك وجفرا. كما تسيطر على الرميلان في الحسكة (شمال شرق) وحقول صغرى في الحسكة والرقة (شمال). ويقع حقلا كونيكو للغاز في دير الزور والسويدية في الحسكة تحت نطاق سيطرتها.

في المقابل، تسيطر قوات النظام بشكل رئيسي على حقول الورد والتيم والشولة والنيشان النفطية في دير الزور وحقل الثورة في الرقة وحقل جزل في حمص (وسط). كما تُمسك بحقل الشاعر، أكبر حقول الغاز، وحقول صدد وآراك في حمص.

  • بكم تُقدر قيمة الخسائر؟

- لطالما شكل قطاع النفط والغاز مساهما رئيسيا في إيرادات الحكومة، إذ ساهم في العام 2010 بنسبة 35 في المئة من عائدات التصدير وعشرين في المئة من إيرادات الدولة، وفق تقرير لنشرة سيريا ريبورت الاقتصادية الإلكترونية.

ومع اندلاع النزاع عام 2011، تعرض القطاع لأضرار جسيمة نتيجة المعارك التي طالت حقوله والقصف الذي طال منشآته. وخسرت القوات الحكومية بعد بدء النزاع أبرز حقول النفط والغاز.

وتزامن ذلك مع فرض الدول الغربية عقوبات اقتصادية واسعة على دمشق. ومع تراجع الإنتاج وجراء الأضرار، بلغت خسائر سوريا في قطاع النفط والغاز خلال سنوات النزاع، 7402 مليار دولار أميركي، وفق ما كشف مؤخرا وزير النفط والثروة المعدنية علي غانم لوسائل إعلام رسمية.

قبل النزاع، بلغ إنتاج النفط الخام نحو 385 ألف برميل يوميا مقابل 21 مليون متر مكعب من الغاز، ليصل عام 2016 إلى أدنى مستوياته، مع ألفي برميل نفط يوميا ونحو 6.5 مليون متر مكعب من الغاز. وفي عام 2017، وإثر استعادة قوات النظام السيطرة على حقول حمص بعدما كانت تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، ارتفع الإنتاج بشكل محدود، وفق غانم، في هذه المنطقة إلى ما يقارب “17 مليون متر مكعب من الغاز، و24 ألف برميل من النفط الخام”.

إلا أن هذا الإنتاج لا يسدّ حاجة سوريا، بحسب غانم الذي يقدر حاجة بلاده يوميا إلى نحو 136 ألف برميل نفط. وبالتالي، فإن ما ينتج حاليا يشكل عشرين في المئة من حاجة سوريا إلى النفط وما بين 60 و70 في المئة من حاجتها إلى الغاز.

  • كيف تؤثّر العقوبات؟
    الثروة المهدورة
    الثروة المهدورة

- قبل النزاع، استثمرت عدة شركات دولية في نفط وغاز سوريا، إلا أنّ الغربية منها أُجبرت على الانسحاب لاحقا نتيجة عقوبات اقتصادية فرضتها دولها على الحكومة. ونتيجة الخسائر المتراكمة، باتت دمشق مجبرة على استيراد حاجتها من الدول الصديقة من خلال الالتفاف على العقوبات. واعتمدت بشكل رئيسي على خط ائتمان من إيران لتأمين حاجياتها من النفط.

إلا أن العقوبات الأميركية على طهران عقّدت الموضوع أكثر، فتوقف الخط الائتماني عن العمل. ولم تصل أي ناقلة نفط من أكتوبر 2018 حتى مطلع شهر مايو، وفق صحيفة الوطن المقربة من دمشق.

وأدخلت تلك العقوبات سوريا في أزمة محروقات اشتدت خلال فصل الشتاء وأجبرت الحكومة على اتخاذ إجراءات تقشفية واسعة. وتفاقمت العقوبات تدريجيا لتشمل الموردين وأسماء السفن والمرافق، وطالت “كل السفن التي كانت ترتاد سوريا لتأمين المشتقات النفطية”، وفق غانم.

واعترضت سلطات جبل طارق الخميس ناقلة نفط إيرانية للاشتباه بنقلها النفط إلى سوريا، بعد أسبوع من وصول ناقلة أخرى إلى ميناء بانياس. كما اتهمت دمشق السلطات المصرية بإغلاق قناة السويس أمام السفن المتوجهة إلى سوريا.

وتعرضت مصفاة بانياس الشهر الماضي لعملية “تخريب” طالت عددا من أنابيبها البحرية، وفق ما أعلنت دمشق. وخلال سنوات النزاع توقفت المصفاة عن العمل لأكثر من 112 مرة، وفق غانم، فيما يُفترض “بحسب الضرورات العالمية أن تتوقف المصفاة مرة في العام الواحد للصيانة”. كما عمد النظام خلال سنوات النزاع إلى شراء النفط من خصومه في مناطق سيطرتهم لتأمين جزء من حاجياته.

  • ما هي الخيارات المتاحة أمام دمشق؟

- باعتبار أن أكبر وأبرز حقول النفط موجودة في شرق البلاد، تجد الحكومة السورية نفسها أمام خيارين، استعادتها عسكريا أو التوصل إلى اتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية حول مستقبل تلك المنطقة بما يتضمن تلك الحقول.

وكانت قوات سوريا الديمقراطية قالت في وقت سابق إن أي اتفاق مع النظام يجب أن يتضمن تقاسما عادلا للثروات النفطية. وخلال السنوات الماضية عمد الأكراد إلى استخراج النفط من حقول الرميلان وتكريره لتأمين بعض الاستهلاك المحلي.

ولم تكن توجد مصاف في محافظة الحسكة قبل الحرب، إذ كان النفط المستخرج يُنقل منها إلى مصفاتي حمص وبانياس الوحيدتين في البلاد. وعمد الأكراد إلى إنشاء مصاف بدائية صغيرة، لكنّ المادة المستخرجة ليست بجودة تلك المكررة لدى مناطق الحكومة.

وفي حال سيطر الجيش السوري على المنطقة الشرقية، وفق غانم، ستصل الحكومة إلى “حدود الكفاية المطلقة في كل المشتقات النفطية”.

ويُرجّح محللون أن يلعب قطاع النفط والغاز دورا أساسيا في تمويل إعادة إعمار سوريا في حال تم التوصل إلى حل سياسي. لكن وفق مشهد متغير حيث لم يعد النظام وحده من يتحكم في القطاع، سيعمل الأكراد الذين طالما عانوا التهميش على احترام مصالحهم في هذا الشأن وستوفر لهم ورقة النفط هامشا للمناورة.