النفوذ التركي يتسلل إلى الصومال بالتواطؤ مع قطر

خسارة الصومال للجهود الإماراتية تعزز الشكوك تجاه التطفل التركي بمساعدة قطرية متعمدة، تأتي في سياق استمرار الدوحة في تعكير الأجواء لتبرير تقاربها مع إيران وتركيا، وانسلاخ سياستها عن محيطها الخليجي.
الاثنين 2018/04/23
قطر منفذ للأطماع التركية سواء في الصومال أو في غيرها

هناك تحالف ثلاثي شبه معلن بين كل من تركيا وإيران وقطر، على أساس الحد الأدنى من التفاهمات، التي بدورها لم تكن لتوجد بين الفرقاء المتناقضين، لولا الانتهازية السياسية المغلفة بأحلام طوباوية تتصل بأوهام استعادة الخلافة والتمكين ونشر الأسلمة على طريقة الإخوان وتركيا وإيران، إلى جانب مراهنة الدول الثلاث على القوة المعنوية للخطاب الديني والهياكل التنظيمية النشيطة للإسلام السياسي.

إنه تحالف ثلاثي للشر الإخواني، رغم أن إيران تبدو على النقيض مذهبيا وطائفيا من التوجه التركي القطري. إلا أن لديها تجربتها السابقة في استثمار الحركات الجهادية والإخوانية في فلسطين، إلى جانب منظورها الخاص لتسييس الإسلام وتثوير ما يوازي جماعة الإخوان في الوسط الشيعي من حركات ومنظمات، تعمل بالآلية الإخوانية ذاتها، وكلها تطمح إلى أسلمة الأنظمة والمجتمعات.

كما لا يخفى على أحد التقاء مصالح إيران في الوقت الراهن مع الأتراك والقطريين، مما يجعلها قريبة من الطرفين ومستعدة للانخراط معهما في مخططات مشبوهة. وما يهم إيران بالدرجة الأولى هو اختراق الأمن الجماعي لمنطقة الخليج، بطرق وأساليب كثيرة، من بينها دعم وتشجيع استمرار الانسلاخ القطري عن دول مجلس التعاون الخليجي، بل وحتى عن الجامعة العربية، فإيران مثل تركيا ترغب في مواصلة الدوحة لتمردها الذي لا تعرف مدى خطورته وإلى أين سيقودها، وإلى متى ستظل أداة بيد تركيا وإيران لإقلاق أمن المنطقة ودعم المشاريع الإسلاموية، ومحاولات بعث الحياة في جسد التنظيم الإخواني العجوز، الذي يتفكك كل يوم منذ انهيار حكم مكتب الإرشاد في مصر التي نجت من فوضى التطرف والأخونة.

وبالتالي تظهر أزمة قطر بشكل مركب وأكثر تعقيدا، مما يجعلها أداة مطيعة لتركيا وإيران لتنفيذ أجندات مشبوهة في المنطقة. ولن تتحرر قطر من هذا الدور إلا إذا حدثت ضغوط داخلية تعيدها إلى أحضان الخليج كجزء من منظومته الأمنية والاقتصادية. بحيث تدرك الدوحة وتعي مرة أخرى أنها لا بد أن تكون شريكة بالضرورة لجيرانها في مواجهة أي تحديات محتملة، لأنها ليست بعيدة عن تلك التحديات أيضا بحكم المعادلات الجيوسياسية الإكراهية، لكن قطر حتى الآن غير مستعدة للقيام بمراجعة إستراتيجية بهذا القدر من الفهم والاستيعاب، من شأنها أن تؤدي حتما إلى تغيير تحالفاتها الأخيرة، التي أصبحت متورطة فيها وغير قادرة على رسم طريق عودة ينقذها من السير باتجاه المجهول، على الأقل في الوقت الراهن.

تحالف الشر الثلاثي الإخواني يعتمد على الخداع ومحاولة بسط النفوذ بالتدريج، عبر التسلل وتشويه جهود الدول الأخرى، إلى جانب دفع الأموال للاستئثار بموطئ قدم هنا وهناك. وأحدث تسلل للنفوذ التركي عبر تمهيد وتعاون قطري كان في الصومال. الدولة التي ظلت تعاني من وضعها على رأس لائحة الأنظمة الفاشلة والهشة، ورغم ذلك حاولت الإمارات إنقاذها والتغلب على الصعوبات الأمنية المستمرة في عاصمتها مقديشو.

 وسعت الإمارات بإخلاص نحو العمل على إعادة بناء أجهزة صومالية قوية ومدربة، وتركزت الجهود بشكل مكثف من أجل الارتقاء بالجيش الصومالي وتدريبه منذ عام 2014 بموجب اتفاقية بين الإمارات والحكومة الصومالية، تشمل مجالات تعاون أخرى إلى جانب التدريب العسكري، لكن الصومال تنكرت فجأة للجهود الإماراتية، وهكذا ظهرت التدخلات القطرية التركية وانعكست على السلوك الصومالي غير المبرر تجاه الإمارات.

كان من الواضح الحرص اللافت على إخراج مشهد نقض الصومال للعهود والاتفاقيات بصورة فيها نكهة لا تخلو من الدراما واختـلاق القصص الخيـالية المناقضة للواقع. وبذلك لم تكن الأصابع القطرية بعيدة عن المشهـد الذي تمت المسارعة بنشره واستنساخ مجموعة تقارير إعلامية من سيـاقه، وإعـادة تناوله في الإعلام القطري بأشكال متعددة ومن زوايا مختلفة، بحيث ظهر أن القصد من وراء ذلك هو إظهار الدوحة للزبون التركي مدى مقـدرتها على تنفيذ التعليمات بـدقة متناهية.

الدليل على أن قطر مجرد منفذ للأطماع التركية، سواء في الصومال أو في غيرها، أن قطر غير مؤهلة الآن من الناحية العملية والاقتصادية للعب دور منفرد خارج أراضيها، نتيجة لتواضع قوتها العسكرية ومحدودية سكانها وافتقارها للكثافة البشرية، مما ينفي من الأساس حاجتها للتمدد ومقدرتها على تحقيق حضور منفرد في القرن الأفريقي.

 بمعنى أن الدوحة مؤهلة فحسب لأن تكون أداة تنفيذ، تتركز مهمتها في القيام بفتح الطريق أمام النفوذ التركي، لتحقيق أطماع رجب طيب أردوغان ذات التوجه السلطاني العثماني. وخاصة أن أردوغان لا يخفي الحلم الذي يداعب به خيالات أعضاء حزبه الإخواني، وهو استعادة الخلافة وبسط السيطرة التركية من جديد على الشرق الأوسط. ولا ننسى أن ما قامت به تركيا في الجغرافيا السورية الممزقة بفعل الحرب فتح شهيتها لاختبار مدى مقدرتها على ممارسة نفوذ أشمل وأوسع في المنطقة العربية.

يجب أيضا عدم تجاهل الترابط بين حصول تركيا على موافقة سودانية لاستغلال ميناء جزيرة سواكن، وبين الإيعاز المشبوه للصومال بوقف التعاون مع الإمارات، وخاصة أن نقض الاتفاق تم من قبل الطرف الصومالي بشكل غير مبرر حتى الآن وغير مقنع. بل إن خسارة الصومال للجهود الإماراتية تعزز الشكوك تجاه التطفل التركي في الصومال بمساعدة قطرية متعمدة، تأتي في سياق استمرار الدوحة في تعكير الأجواء وافتعال المزيد من المماحكات لتبرير تقاربها مع إيران وتركيا، وانسلاخ سياستها عن الدول الأقرب لها في محيطها الجغرافي الخليجي.

صحيح أن التواجد التركي على ضفة البحر الأحمر من جهة السودان أخطر بكثير من الضجة الإعلامية التي رافقت نقض الصومال للاتفاق مع الإمارات، لكن الخطوة الصومالية غير الحكيمة تتزامن أيضا مع تزايد الأطماع التركية، وتجبر المتابع على الربط بين الأحداث ورؤية القاسم المشترك بينها، وهو النفوذ التركي الذي يتسلل بالتدريج ويعثر على من يمهدون له الطريق دون وعي بالمخاطر المستقبلية التي قد تنجم عن الكماشة الإيرانية التركية، إلى جانب المساعي الصينية التي تهدف إلى اختراق المنطقة اقتصادياً عبر مشروع طريق الحرير الجديد.

لم يكن الانتفاخ التركي نتيجة لطموحات أردوغان فقط، بل إنه انتفاخ ناتج عن تخفف اقتصاد تركيا من أزمات العقود السابقة، ودخوله مرحلة انتعاش قد لا تدوم طويلا، لكنها فتحت الأبواب أمام طموحات لم تكن متاحة من قبل. لذلك تستخدم تركيا القفاز القطري، وأصبح مشروع أردوغان التوسعي مدعوما من الناحية العملية بأموال قطر، ومستفيدا من السياسة الخارجية للدوحة، وهي سياسة قائمة على الحماقات وعلى دعم كل ما يتصل بالإسلام السياسي.

لقد كانت الدولة العثمانية ولا تزال حتى الآن تمثل في الوعي العربي شرا وتجسيدا للاحتلال المتخلف والهمجي. وأي أحلام تركية جديدة تهدف إلى التوسع والسيطرة ستكون محكومة بالنظرة السائدة للاحتلال التركي. ولا تزال لدى الأقطار التي تواجد فيها الأتراك عسكريا باسم الخلافة العثمانية حصانة ثقافية وتاريخية ترفض الخضوع مرة أخرى لنفس التجربة القاسية التي خاضتها من قبل مع تركيا العثمانية.

حتى أوروبا لم توافق على انضمام تركيا للاتحاد الذي يجمع دول القارة، رغم أن الطلب الرسمي الذي تقدمت به تركيا وُضع على طاولة التفاوض منذ منتصف عام 1987 وعلى مدى عقود من الزمن وتركيا تحاول الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي دون أن يتم قبولها، سواء في المرحلة التي كان فيها صوت الأتاتوركية العلمانية عاليا، أو في زمن أردوغان، الذي بعد أن استسلم ويئس من الحلم الأوروبي اتجه نحو الشرق، ليوجه سمومه الإخوانية نحو العرب والمسلمين. وكأن دول أوروبا برفضها لانضمام تركيا إلى منظومة اتحادها كانت على علم مسبق بأن تركيا سوف تتحول إلى منصة راعية للإخوان المسلمين، الذين يلتقي مشروعهم مع طموحات أردوغان التسلطية الخبيثة.

8