النقابات التونسية تفرض زيادة رواتب القطاع الخاص وبأثر رجعي

فرض الاتحاد العام التونسي للشغل إرادته مجددا وأرغم اتحاد الصناعة والتجارة على زيادة رواتب موظفي القطاع الخاص وبأثر رجعي منذ أغسطس الماضي. ورغم أن الخطوة ستساعد على استقرار مناخ الأعمال لكن الخبراء يرون أنها تقوض قدرة تونس على جذب الاستثمارات الأجنبية وتفاقم أزمات الشركات المتعثرة.
السبت 2017/03/11
ترقب مفعول الزيادة الجديدة

توصل الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية في تونس أمس، إلى اتفاق يقضي بزيادة رواتب نحو 1.5 مليون موظف في القطاع الخاص، بعد أسابيع من المفاوضات الشاقة.

ويقول خبراء إن الخطوة قد تساعد على خفض التوترات الاجتماعية وتحسين مناخ الاستثمار، لكنها قد تقلص القدرة التنافسية على جذب الاستثمارات الأجنبية وتلحق الضرر بالكثير من الشركات التي تعاني من أزمات كبيرة والتي ستضطر إلى تسريح البعض من العمال لمواجهة الموقف.

ويقضي الاتفاق الذي تم برعاية رئيس الحكومة يوسف الشاهد وتم توقيعه بقصر الحكومة بزيادة أجور الموظفين في القطاع بنحو 6 بالمئة في الأجر الأساسي و6 بالمئة في المنح والحوافز بأثر رجعي منذ أغسطس 2016 وأن تستمر الزيادة حتى أبريل العام المقبل.

وبعد توقيع الاتفاق، قالت وداد بوشماوي رئيسة اتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (منظمة أرباب العمل) في مؤتمر صحافي إن “الزيادة تأتي بينما تعاني عدة شركات تونسية من صعوبات مالية”.

لكنها أكدت في المقابل أن دور اتحاد التجارة هو المحافظة على المناخ والسلم الاجتماعيين. وأضافت “اليوم يتعين أيضا رفع نسق الإنتاج والعمل”.

ويمكن للخطوة أن تعمق الأزمة الاقتصادية وتقوض جهود الحكومة لجذب الاستثمارات الأجنبية لأنها ترفع تكاليف الاستثمار مقارنة بالدول المنافسة مثل المغرب ومصر.

نورالدين الطبوبي: الاتفاق فرصة للاستقرار الاجتماعي ولضمان تنافسية متطورة للشركات

وتعهدت الحكومة بمراعاة القطاعات التي تعاني من أزمات مالية من بينها صناعات الأغذية والنسيج والأحذية، وإيجاد حلول تحافظ على المناخ الاجتماعي وتساهم في المحافظة على ديمومة هذه الشركات مستقبلا.

واعتبر نورالدين الطبوبي، الأمين العام الجديد للاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر نقابة عمال في البلاد، والذي تولى منصبه قبل أسابيع قليلة، أن الاتفاق فرصة جديدة للاستقرار الاجتماعي. وأكد أن تونس “بحاجة اليوم إلى شركات لها قدرة تنافسية وإنتاجية متطورة”.

واستثنى البند الرابع من الاتفاقية الشركات التي تشكو صعوبات اقتصادية أو فنية، لكنه أشار إلى أنه يمكن جدولة المستحقات الناتجة عن الزيادة في الرواتب وذلك باتفاق بين كل شركة ونقابة العمال.

وتحت ضغط اتحاد الشغل، تراجعت الحكومة في ديسمبر الماضي، عن قرار كانت ضمنته في مشروع قانون المالية، ويقضي بتأجيل الزيادة في أجور موظفي القطاع العام لسنة واحدة إذا تحققت نسبة نمو بنحو 3 بالمئة خلال عام 2017.

وتتطلع الحكومة إلى طمأنة المستثمرين المحليين والأجانب بأن مناخ الاستثمار يتجه نحو المزيد من الاستقرار بما قد يساعد في إنعاش الاقتصاد الذي تأمل بأن ينمو بمقدار 2.5 بالمئة هذا العام، مقارنة مع واحد بالمئة في العام الماضي.

ومع ذلك، فرضت في السنة المالية الحالية على كافة الشركات المحلية والأجنبية ضريبة إضافية لعام واحد بنسبة تقدر بنحو 7.5 بالمئة لجمع إيرادات إضافية لخزينة الدولة وخفض عجز الموازنة المتوقع أن يبلغ نحو 4.9 بالمئة هذا العام.

وتتباين آراء المحللين والخبراء من هذه الخطوة بالنظر إلى الوضع الذي تشكو منه العديد من القطاعات الاقتصادية، خاصة أن عودة النشاط كما كان قبل عام 2011 يتطلب المزيد من الجهد والوقت، في ظل الظروف الراهنة.

ويرجع اقتصاديون سبب التوصل للاتفاق إلى الضغوط المستمرة التي يفرضها اتحاد الشغل على اتحاد التجارة لوقف الاحتجاجات بشكل نهائي في الكثير من القطاعات، وهو ما كشفت عنه تصريحات بوشماوي.

وتراجعت مساهمة القطاع الخاص في السنوات الست الأخيرة لتصل إلى قرابة 70 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، أي حوالي 69 مليار دينار (نحو 30 مليار دولار)، بعدما كانت تشكل أكثر من 75 بالمئة في عام 2010.

وداد بوشماوي: هذه الزيادة تأتي بينما تعاني عدة شركات تونسية من صعوبات مالية

ورغم التقدم السياسي الذي تحرزه تونس، فإن الكثير من التونسيين مازالوا يعانون بسبب غلاء الأسعار وارتفاع معدلات البطالة واستمرار تهميش المناطق الداخلية، وهي العوامل الرئيسية التي ساهمت في الإطاحة بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي قبل 6 سنوات.

واصطدم التونسيون مع دخول 2017 بعام آخر صعب من الناحية الاقتصادية بسبب تدابير التقشف التي فرضتها الحكومة من خلال تقليص دعم بعض المواد الاستهلاكية والخدمات مثل الكهرباء والغاز والماء.

وتواجه تونس ضغوطا من المقرضين الدوليين في مقدمتهم صندوق النقد الدولي للمضي قدما في إصلاحات القطاع المصرفي وتحسين مناخ الاستثمار وإصلاح الوظائف في القطاع العام لخفض الإنفاق خاصة بعد تباطؤ أداء قطاع السياحة.

وأدّى تراجع احتياطات النقد الأجنبي والذي يبلغ حاليا نحو 6.5 مليار دولار، إلى هبوط حاد في قيمة الدينار مقابل العملات الأجنبية وخاصة أمام الدولار واليورو وبوتيرة لم تشهدها البلاد من قبل، وهو ما أثار مخاوف الأوساط المالية التي دعت إلى التحرك سريعا لوضع حدّ لهذا النزيف.

وذكر الخبير الاقتصادي مراد الحطاب في نوفمبر الماضي، أن هناك قرارا سياسيا سيقع اتخاذه لإنقاذ الدينار. وأكد أن الحكومة ستقوم بتعويم الدينار على غرار ما حصل مع الجنيه المصري.

10