النقابات اللبنانية تتهم الحكومة بتقويض القطاع العقاري

محاولات إنعاش القطاع تصطدم بتفشي الفساد الإداري، والخطط المرتبكة للنهوض بالإسكان تفاقم الاختلالات المزمنة.
الأربعاء 2018/11/21
المبيعات مؤجلة حتى اكتمال المشروع

دخلت النقابات العمالية اللبنانية في صدام مباشر مع السلطات السياسية والمالية بسبب التخاذل في معالجة أزمة القطاع العقاري، التي تفاقمت بشكل لم يعد معه بالإمكان العودة إلى الخلف، في ظل ممارسة المحسوبية والتمييز بين الأغنياء والفقراء في منح القروض السكنية.

بيروت - حملت اللهجة التصعيدية للاتحاد العمالي العام في لبنان ضد السياسات المرتبكة للنهوض بقطاع العقارات في طياتها أبعادا تعكس مدى تغلغل الفساد في هذا المجال.

واتهم رئيس الاتحاد بشارة الأسمر المصارف المحلية بالإمعان في التعامل بمبدأ التمييز بين الطبقات بمنح قروض سكنية بالمليارات للأثرياء متجاهلة ذوي الدخل المحدود الذين لهم الأولوية.

ونسبت وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية للأسمر قوله إن “المصارف لا تكتفي من الأرباح التي تجنيها من المديونية العامة ولا بالهندسات المالية من المصرف المركزي ولا باستعمال الأموال المدعومة للقروض السكنية لذوي الدخل المحدود، بل تقوم بإقراضها لأصحاب المليارات والمداخيل العالية جدا”.

بشارة الأسمر: نشاط المصارف لتحفيز القطاع العقاري يقتصر على إقراض الأثرياء فقط
بشارة الأسمر: نشاط المصارف لتحفيز القطاع العقاري يقتصر على إقراض الأثرياء فقط

وأوضح أن هذا الأسلوب أدى إلى نفاذ الأموال المدعومة في فضيحة جرى طمسها كما تطمس فضائح الأغنياء على حساب الفئات المفقرة والشباب والشابات الذين يبحثون عن سقف يأويهم ولو بشروط شبه تعجيزية.

وأشار إلى أن جمعية أصحاب المصارف لجأت لاستخدام جميع أنواع المناورات في مفاوضاتها مع إدارة المؤسسة العامة للإسكان ووضعت جميع العراقيل برفع الفوائد التي كانت سائدة سواء على المؤسسة العامة أو على الأفراد المقترضين.

وأقدمت الجمعية على تلك الخطوة بعد إقرار البرلمان مؤخرا تخصيص مئة مليار ليرة (66.3 مليون دولار) للمؤسسة العامة للإسكان إلى حين وضع سياسة حكومية مستدامة تحدد آليات الدعم المستخدمة.

ويختزل هذا الوضع حجم تضارب مصالح رجال الأعمال وأصحاب النفوذ السياسي الذين يمارسون سطوتهم للسيطرة على القطاع.

وتفاقمت معاناة القطاع في السنوات الثلاث الماضية لتنحدر إلى ركود غير مسبوق بسبب الارتفاع الكبير في الأسعار جراء الخطط التي لم تؤت نفعا، وسط غياب شبه كامل لحكومة تسيّر شؤون الدولة.

وأعاد الاتحاد العمالي طرح مطالب نقابة الوسطاء والاستشاريين العقاريين الذين يرون أن خلاص القطاع من أزمته لن يتحقق إلا بإنشاء وزارة للإسكان في الحكومة الجديدة.

وقال الأسمر “يجب إلزام المصارف بالاستمرار بسياسة القروض الإسكانية المدعومة ضمن الشروط السابقة، التي كان يجري العمل بها بانتظار قيام سياسة إسكانية وطنية شاملة وإعادة العمل بوزارة الإسكان”.

وأشار تقرير لوكالة بلومبيرغ أن بيروت تعاني من أزمة ركود حاد في بيع الشقق السكنية وخاصة الفاخرة، نظرا إلى ارتفاع أسعار الوحدات النموذجية، حيث يصل سعر المتر المربع الواحد أحيانا إلى 7 آلاف دولار.

ويرجع خبراء التراجع في السوق العقارية كان ضحية عدم الاستقرار السياسي وصعوبة الحصول على التمويل لبناء العقارات الجديدة وعزوف المستثمرين الخليجيين تحديدا عن الشراء، وارتفاع معدل الديون، وهو ما أدى  إلى نزوح الاستثمارات وركود السوق.

ويعتبر لبنان واحدا من أكثر البلدان مديونية في العالم، وقد وصل حجم الديون الإجمالية إلى قرابة 83 مليار دولار، أي ما يعادل 155 بالمئة من الناتج الإجمالي المحلي.

دراسة لبنك عوده أظهرت انخفاض مبيعات العقارات اللبنانية بنحو 17 بالمئة في الأشهر التسعة الأولى من العام
دراسة لبنك عوده أظهرت انخفاض مبيعات العقارات اللبنانية بنحو 17 بالمئة في الأشهر التسعة الأولى من العام

وساهم في انكماش سوق العقارات عوامل إقليمية كالحرب في سوريا المجاورة، وافتقار شركات التشييد إلى السيولة اللازمة لدفع مستحقات المقاولين لإكمال مشروعات إسكان مختلفة، وقرار حكومي بوقف برنامج قروض الإسكان المدعومة.

وبحسب دراسة أجراها بنك عوده، انخفضت مبيعات العقارات في البلاد 17 بالمئة في الأشهر التسعة الأولى من هذا العام، في حين انخفض عدد تراخيص البناء 23 بالمئة.

وفي محاولة لتحفيز القطاع العقاري في البلاد، بادرت المؤسسة العامة للإسكان في يناير العام الماضي، إلى خفض أسعار الفائدة على قروضها الجديدة.

وكان يهدف الخفض إلى تشجيع الطلب على شراء المساكن، من أجل دعم قطاع البناء وتصريف السيولة بالليرة المتراكمة لدى المصارف، فضلا عن تخفيف حدّة التململ الاجتماعي، لا سيما أن تجارة العقارات بدأت تتراجع.

ولكن أزمة القطاع العقاري بدأت في التفاقم مع تعثّر القروض عندما عدّل المركزي مطلع العام الجاري، من سياسة الدعم التي انتهجها على مدى سنوات وحدد آلية جديدة لمنح القروض.

ونقلت تقارير محلية عن فرهاد عزيزي، الرئيس التنفيذي لشركة عزيزي للتطوير العقاري قوله إنه “رغم مساهمة المصارف في تمويل شراء المنازل، لكن يمكن فعل المزيد لتحفيز نموّ القطاع عبر توفير حلول أسهل للرهن العقاري”.

وأضاف “نتفهّم أسباب المصارف في توخي إجراءات صارمة، ولكن من المهم أن تميز بين مشتري المنازل الحقيقيين وأولئك الذين يشترونها لغايات تجارية”.

وأشار إلى أنه من خلال التركيز على المستخدمين النهائيين الفعليين ودعمهم “نستطيع أن نحقق المزيد من النموّ والاستقرار لسوق العقارات”.

11