أبريل 16, 2018

النقابات تختطف قوت التونسيين لحسم معركتها مع الحكومة

اتحاد الفلاحين يهدد بإيقاف عمليات إنتاج الحليب واللحوم، وأكبر نقابة عمالية تصعد تهديدها لمستقبل الإصلاحات الحكومية.
حمل ثقيل يكسر ظهر التونسيين

تونس - رفعت النقابات التونسية من مستوى ضغوطها على الحكومة، وسط تزايد القلق من اختطاف الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري لقوت التونسيين هذه المرة لاستخدامه كسلاح في معركته مع الحكومة.

ويأتي هذا التصعيد في ظل انتقادات الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر النقابات العمالية في البلاد، لإصلاحات الحكومة، والتي حملها مسؤولية تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي.

ويؤكد خبراء إن المواطنين الذين يعانون من مشكلات كثيرة ستزداد مع اقتراب شهر رمضان نتيجة تدهور قدرتهم الشرائية، سيكونون الخاسر الأكبر من هذه المعركة.

ويتجه الاتحاد لتنفيذ إضراب نهاية الشهر الجاري في قطاع الحليب وأمهل الحكومة أسبوعا للاستجابة لمطلبه تنتهي الاثنين المقبل، في ظل انسداد الآفاق لحل الأزمة المتفاقمة منذ أربع سنوات تقريبا، وتسبّبت في خسائر كبيرة للمنتجين والمصنّعين.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن رئيس الاتحاد عبدالمجيد الزار قوله إن “الحكومة إذا لم توافق على مطلبنا المتعلق بزيادة سعر لتر الحليب بنحو 0.2 دينار (0.08 دولار)، فإنه سيتم تعليق الإنتاج بشكل تام في الـ30 من أبريل الحالي”.

عبدالمجيد الزار: أمهلنا الحكومة أسبوعا للاستجابة لمطالبنا وإلا فإننا سنوقف الإنتاج
عبدالمجيد الزار: أمهلنا الحكومة أسبوعا للاستجابة لمطالبنا وإلا فإننا سنوقف الإنتاج

وأكد أن الحلول الترقيعية التي تطرحها الحكومة في كل مرة لن تحلّ المشكلة من جذورها بل ”سنصل إلى توريد الحليب بالعملة الصعبة في ظل انهيار قيمة الدينار، بعد أن كانت تونس تسجّل فائضا في الحليب في السابق”.

وواصل التضخّم الصعود، حيث أظهرت بيانات المعهد الوطني للإحصاء، أنه بلغ 7.6 بالمئة في مارس الماضي، مقارنة مع 7.1 بالمئة مع الشهر السابق.

شهد قطاع صناعة الحليب أزمة بسبب وفرة الإنتاج العام الماضي، والذي يقدّر بنحو 1.3 مليار لتر سنويا، وهو ما تعجز الشركات عن استيعابه مع غياب عمليات التصدير التي تراجعت بشكل لافت في السنوات الأخيرة.

وتشير التقديرات إلى أن تدهور قيمة الدينار ساهم في زيادة كلفة توريد مواد التعبئة والتغليف بما تسبّب في خسائر تقدّر بحوالي 65 دولارا عن كل ألف لتر من الحليب.

وتقدر طاقة تصنيع الحليب 850 مليون لتر سنويا، منها 700 مليون لتر لتصنيع الحليب المعلّب والباقي يذهب لصناعة الأجبان وغيرها.

ويضمّ القطاع، بحسب البيانات الرسمية، قرابة 120 ألف مربّ للماشية، ونحو 230 مركز تجميع في مختلف محافظات البلاد، إلى جانب عشر شركات صناعية.

وتبدو مشكلة الحليب بسيطة أمام الارتفاعات الجنونية لأسعار اللحوم الحمراء والبيضاء، والتي تضاعفت في الأشهر الماضية خاصة مع غياب الرقابة الحكومية في بعض الأحيان في العديد من المناطق.

ويلقي الزار بالمسؤولية على الدولة التي اعتبرها “متقاعسة” في دعم المزارعين، خاصة مع ارتفاع أسعار العلف، مؤكدا أن المشكلة تسير نحو الأسوأ مع تسجيل الاتحاد لتهريب حوالي 30 بالمئة من قطعان الأبقار الموجودة في تونس، وهو ما اعترفت به وزارة التجارة.

وقال وزير التجارة عمر الباهي خلال تصريح صحافي فبراير الماضي، لقد “لاحظنا ارتفاعا في أسعار اللحوم الحمراء وهو ناتج عن مشكلة تهريب الأبقار”، لكنه أكد أن الوزارة لجأت إلى توريد 5 آلاف رأس لتعديل السوق.

وحدّدت الوزارة سعر كيلوغرام لحم الأبقار عند 17 دينارا (7 دولارات). وقال الباهي إنه “سيتم إيقاف التزويد كإجراء ردعي في صورة ضبط أي تلاعب بالأسعار”.

ورغم تلك التدابير، إلا أن الاتحاد ينتقد ارتفاع أسعار اللحوم البيضاء، حيث يبلغ الكيلوغرام 7 دينارات (2.9 دولار)، بينما يبيع المربي بنصف ذلك المبلغ.

ووجّه الزار أصابع الاتهام لمحتكري السوق الذين يهربون من أعين الرقابة باستمرار وإلى ارتفاع أسعار العلف والذي يبلغ سعر الطن حاليا ألف دينار (410 دولارا) بعد أن كان في حدود 700 دينار (288 دولارا).

وطالب رئيس الاتحاد، الحكومة بإعادة النظر في ديون المزارعين البالغة 1.2 مليار دينار (450 مليون دولار)، وإيجاد صيغة لطرح هذه الديون أو إعادة جدولتها.

في هذه الأثناء، زاد اتحاد الشغل من لهجته التصعيدية تجاه الحكومة، وهدد بتنظيم سلسلة من التجمعات العمالية، انطلقت بالفعل قبل أيام في عدد من المدن، تنديدا بالوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب في البلاد.

وأكد سمير الشفي الأمين العام المساعد للاتحاد في تجمّع بمحافظة صفاقس أمس، أن التوازنات المالية أصبحت مختلّة في الصناديق الاجتماعية، ما يدلّ على أن الوضع الاجتماعي صعب جدا.

سمير الشفي: الحكومة تتحمل كامل المسؤولية في ما قد تؤول إليه الأوضاع من توتر
سمير الشفي: الحكومة تتحمل كامل المسؤولية في ما قد تؤول إليه الأوضاع من توتر

وقال إن “الحكومة تتحمل كامل المسؤولية في ما قد تؤول إليه الأوضاع من توتر عام للمناخ الاجتماعي إذا واصلت في تعنتها”.

وانعكس الركود الاقتصادي وتباطؤ النمو في تونس طيلة السنوات السبع الأخيرة على وضعيات الصناديق الاجتماعية بعد أن باتت ترزح تحت وطأة العجز المالي، لدرجة أن الأوساط الاقتصادية تتحدث عن إفلاس غير معلن لها.

وأشار رئيس الحكومة يوسف الشاهد الأسبوع الماضي، إلى أن الصناديق في حاجة لحلول عاجلة، وأن الدولة مطالبة بدفع 100 مليون دينار (41.3 مليون دولار) كل شهر لتغطية عجز الصناديق.

ويعود الخلل في التوازنات المالية للصناديق لعدم تسديد العديد من الوزارات مساهماتها، كما أن الكثير من الشركات الخاصة لم تعد قادرة على الإيفاء بالتزاماتها نظرا إلى تعطل عجلة الإنتاج عن الدوران بالشكل الذي كانت عليه في السابق.

وارتفعت أسعار العديد من السلع الرئيسية منذ مطلع العام الجاري، تنفيذا لبرنامج إصلاح اتفقت عليه الحكومة مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 2.9 مليار دولار.

وتحافظ نقابة العمال على موقفها الرافض للإصلاحات. وقال الشفي “نرفض الإملاءات التي يتبنّاها صندوق النقد الدولي التي من شأنها أن تمس من سيادة القرار الوطني”.

ودخلت الحكومة قبل أسابيع في معركة فاصلة في طريق خصخصة الشركات المملوكة للدولة بعد أن سئمت العصي التي تضعها النقابات في عجلات برامجها.

وقال نورالدين الطبوبي الأمين العام للاتحاد خلال تجمّع بمدينة سوسة الساحلية قبل أسبوعين إنه “لا شيء للبيع في تونس والمؤسسات العمومية خط أحمر”.

ويقول محللون إن الوضع القائم حاليا يعطي صورة سلبية لمناخ الاستثمار الذي تراهن عليه السلطات للابتعاد عن دوامة الأزمات التي تكبّل إنعاش الاقتصاد المنهك.

وتأمل تونس في أن تدفع الإصلاحات إلى تحقيق نموّ في حدود 3 بالمئة هذا العام، مع كبح انفلات الدين العام البالغ نحو 71 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، والذي يعتبر من أعلى المستويات حول العالم.

ضغوط على تونس لزيادة أسعار الوقود

10