النقابات ترمي بكرة الأجور الملتهبة إلى الحكومة التونسية

ضغوط صندوق النقد تضع السلطات التونسية في مفترق طرق، فيما تعيش الطبقات الفقيرة في متاهة الوعود والمؤشرات السلبية.
السبت 2018/11/24
سلة فارغة ويد لا شيء فيها

رمت النقابات العمالية في تونس بكرة الأجور الملتهبة إلى أحضان الحكومة محملة إياها أسباب تدهور القدرة الشرائية للمواطنين بشكل غير مسبوق، في وقت يمارس فيه صندوق النقد الدولي ضغوطا شديدة على السلطات التونسية من أجل تأجيل أي خطط الآن إلى حين استعادة التوازنات المالية عافيتها.

 تونس – حمّل الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر قوة عمالية في تونس، الحكومة مسؤولية التلكؤ في معالجة بند الأجور، والذي يشكل محور صراع منذ سنوات وزاد خلال هذه الفترة على خلفية تدهور القدرة الشرائية للمواطنين بشكل لا يطاق.

وتجد الحكومة نفسها في وضع محرج للغاية نظرا لضغوط صندوق النقد الدولي الذي طالبها بتجميد الأجور إلى حين استعادة الميزانية عافيتها، وهو ما رفضته النقابة، التي نجحت هذا الأسبوع في إضرابها الثالث من نوعه منذ 2011.

وشارك آلاف الموظفين في الإضراب العام، معظمهم تجمع أمام البرلمان في باردو، مما عطل سير عمل الدوائر الحكومية رغم استثناء موظفي شركات النقل العام والبريد من ذلك.

ولم تفلح جولة من المفاوضات حول الزيادة في أجور الموظفين، بين الاتحاد والحكومة في وقت سابق الشهر الماضي، الأمر الذي أدى إلى احتقان كبير يرى خبراء أنه يسير بالبلاد إلى حافة الانفجار.

وقال نورالدين الطبوبي رئيس الاتحاد في تجمع حاشد الخميس “نحن لا نطالب بالزيادة في الأجور وإنما بتحسين ظروف الناس حيث لم يعد يكفي راتب الموظف أسبوعا في الشهر في ظل الارتفاع الكبير في الأسعار”.

واتهم الحكومة بالإسراع في تنفيذ أوامر الأطراف الخارجية وإرضائها، في إشارة إلى صندوق النقد، الذي يطالب بإصلاحات لمنح تونس ما تبقى من شرائح قرض بقيمة 2.9 مليار دولار.

وأكد الطبوبي أن تونس ومكتسباتها ليست للبيع، في تلميح إلى خطط الخصخصة، التي تنوي الحكومة تنفيذها على مراحل لإصلاح الشركات الحكومية الخاسرة.

ويعاني الاقتصاد التونسي من تحديات اقتصادية، رغم تحقيقه نموا بـ2.6 بالمئة خلال الأشهر التسعة الأولى من هذا العام، مقابل 1.9 بالمئة بمقارنة سنوية.

نورالدين الطبوبي: نحن لا نطالب بالزيادة في الأجور وإنما بتحسين معيشة التونسيين
نورالدين الطبوبي: نحن لا نطالب بالزيادة في الأجور وإنما بتحسين معيشة التونسيين

ولكن تدهور قيمة الدينار وارتفاع التضخم واتساع العجز التجاري وتباطؤ نمو الاستثمار الأجنبي وضغوط  صندوق النقد لضبط فاتورة الأجور وزيادة الضرائب تحد من قدرة تونس على مواجهة أي مصاريف جديدة.

وتلقي ضغوط صندوق النقد بشأن تجميد الأجور بظلال قاتمة على الحكومة، الساعية للخروج بأخف الأضرار من كمين النقابات، بعد أن انتزعت منها في وقت سابق اتفاقا يقضي بصرف زيادات جديدة قبل نهاية العام وبمفعول رجعي.

وقال مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق جهاد أزعور الأسبوع الماضي، إن “دراسة أجراها الصندوق مؤخرا تُظهر أن فاتورة أجور القطاع العام التونسي من بين الأعلى في العالم، بالنظر إلى حجم اقتصاد البلاد”.

ويعتقد الصندوق أن الإبقاء على فاتورة الأجور تحت السيطرة سيساعد تونس في تجنب مشاكل خطيرة متعلقة بالديون، في اعتراض صريح على موافقة الحكومة مؤخرا على زيادة أجور نحو 150 ألف موظف حكومي.

وسيسمح التحكم في فاتورة الأجور لتونس بتحقيق الأهداف المالية للعام 2019، وسيخفف الضغط الإضافي الذي ستفرضه زيادة الإنفاق على دافعي الضرائب.

وتلتهم فاتورة الأجور سنويا أكثر من ثلث الميزانية، فوفق وثيقة الميزانية الجديدة ستذهب  5.8 مليارات دولار للأجور، أي ما يعادل 14 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

وتتمحور الإصلاحات التي تريد الحكومة  تحقيقها حول إعادة هيكلة المؤسسات الحكوميّة والصناديق الاجتماعية وقطاع الوظيفة الحكومية ومنظومة الدعم.

وتحتاج الصناديق الاجتماعية إلى حلول عاجلة، فالدولة مطالبة شهريا بدفع قرابة 100 مليون دينار (41 مليون دولار) لتغطية العجز فيها.

كما تعاني منظومة الدعم فسادا كبيرا أدى إلى تضخم الفاتورة المخصصة لها في الميزانية، وسط تقديرات تشير إلى أن 80 بالمئة من أموال الدعم تذهب إلى غير مستحقيه.

وتحاول الحكومة بقيادة يوسف الشاهد  منذ توليها السلطة استعراض نجاحاتها في تحسين المؤشرات الاقتصادية مثل زيادة نسبة النمو وخفض نسبة العجز في الميزانية، وتقول إنه كان من الممكن تحقيق نتائج أفضل لو حظيت بدعم سياسي حقيقي.

واعتبر الشاهد في تصريحات سابقة أن الإصلاحات الاقتصادية يجب أن تمضي قدما وبسرعة حتى لو كلفه ذلك منصبه، خصوصا في ما يتعلق بالمؤسسات العامة.

ويرى أن أوضاع تلك المؤسسات أثقلت كاهل الميزانية كثيرا، ولم تعد قادرة على مزيد استيعاب طاقات جديدة أخرى، وهو ما يجعل توفير فرص عمل جديدة من أهم أولويات الحكومة في السنة المقبلة.

وتأمل الحكومة في خفض عجز الميزانية الجديدة إلى 3.9 بالمئة قياسا بنحو 4.9 بالمئة متوقعة بنهاية العام مع استقطاب المزيد من الاستثمارات الخارجية.

11