النقابي والسياسي.. خطان متلازمان لا ينفصلان

أبجديات العمل النقابي تستدعي القيام بدور نقابي ترافقه قرارات ذات محتوى سياسي كلما اقتضى الأمر ودعت الحاجة إلى ذلك.
الثلاثاء 2019/01/22
لا ينصف الشعب إلا من كان منه

هل يجب الفصل بين الفعل السياسي والنقابي؟ وهل يمكن للنقابات أن تكون موجودة بمعزل عن الغوص في ممارسة السياسة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة؟ كل هذه الأسئلة تشغل الرأي العام التونسي منذ ثورة 2011 بعد أن لعب الاتحاد العام التونسي للشغل أدوارا مزدوجة؛ تارة بالإيغال في ممارسة السياسة بشكل معلن وتارة أخرى عبر تصعيد نقابي أهدافه مطلبية واجتماعية لكنّها تؤثر في توجيه وتعديل تصورات ورؤى الطبقة السياسية الحاكمة.

كل هذا الجدل الجديد-القديم المرافق لسياسة اتحاد الشغل، غذّته مؤخرا معطيات منطقية متمخّضة أساسا من أزمة عميقة تعيشها تونس بسبب فشل الطبقة السياسية في ترجمة تطلّعات الشعب وطبقاته المتوسطة والكادحة على أرض الواقع.

هذه الأسئلة الحارقة والتي تساهم في تقوية طرحها كل أجزاء الطبقة السياسية الحاكمة والمتخوّفة من مزيد استقواء المنظمة النقابية قبل استحقاقات انتخابية تشريعية ورئاسية مرتقبة أواخر 2019، زادت في إلهابها نية الاتحاد وإعلانه مؤخرا عقب معركة كسر عظم مع الحكومة عن مشاركته في الانتخابات القادمة لتصحيح مسار الثورة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه تحت شعار تحقيق أهداف الطبقة المتوسطة والأجراء، وكل هذا يتطلب حتما، أولا وجوب تأصيل فكرة العمل النقابي، وثانيا إبراز جانب من تاريخية اتحاد الشغل ومختلف النقابات والتصاقها منذ تأسيسها بالفعل السياسي.

فكريا، لا يمكن رغم الخلافات، إنكار حقيقة ثابتة حفظها التاريخ وهي أن ما يدفع الهياكل النقابية إلى الاهتمام بالشأن السياسي، هو حتما تصادم مصالحها والفئات الاجتماعية التي تدافع عنها مع سياسات السلطة الاقتصادية والاجتماعية، فالشيء الذي يدفع بالنقابات إلى البحث عن تموقع قوي في المجتمع هو الاستثمار في القوة الشعبية الهائلة التي عادة ما تكون سلاحا لممارسة الضغط على السلطة لفرض مطالبها.

الجدل المرافق لسياسة اتحاد الشغل غذته معطيات الأزمة الحالية بسبب فشل الطبقة السياسية في ترجمة تطلعات الشعب والكادحين على أرض الواقع

بعض الأحزاب السياسية في عدة بلدان وليس في تونس فقط، عادة ما تحاجج النقابات في محاولة للحد من نفوذها السياسي بتلك القوانين الليبرالية الأولى المؤسسة للنقابات بالاستناد إلى ما يعرف بـ”ميثاق أميان” الصادر سنة 1906 بفرنسا، لكنها لا تفصح في الوقت نفسه عن أن ذات القانون يعترف أيضا بحقّ النقابيين في ممارسة الفعل السياسي الذي يعبّر في نهاية المطاف عن ثقافة المواطنة والديمقراطية.

أما تاريخيا، فإنه لا يمكن أن تتبجّح الأحزاب السياسية المتوجسة من حدة شعبية النقابات بأن الأخيرة حادت عن سكتها بتوجّهها للسياسة مباشرة، لأن كل التجارب النقابية السابقة بدءا بالحركة “الشارتيّة” بإنكلترا مرورا بزخم الحركة النقابية السريّة في فرنسا وببقيّة الدول الأوروبيّة التي شهدت ثورة صناعيّة أو الثورة البلشفية في روسيا القيصرية، وصولا إلى اتحاد الشغل بتونس أثبتت أن النقابات كانت شريكة في الفعل السياسي الداخلي أو الخارجي عبر نضالات ضد الدول المستعمرة مثلا.

وبالعودة إلى اتحاد الشغل في تونس، لعبت المنظمة منذ نشأتها أدوارا سياسية لا تحصى ولا تعد، سواء كان ذلك في فترة الاستعمار الفرنسي، حيث اغتيل أمينها العام فرحات حشّاد في عام 1952 من المستعمر لأسباب سياسية، أو عبر مشاركة المنظمة في الحياة السياسية وخوضها في عام 1956 أول انتخابات للمجلس القومي التأسيسي آنذاك في قائمات مشتركة مع الحزب الحر الدستوري الذي تزعمه في تلك الفترة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة أول رئيس للجمهورية التونسية.

أما حديثا، فإن اتحاد الشغل المطالب من طرف أحزاب الائتلاف الحاكم بالعودة إلى مقراته النقابية كان له دور سياسي هام في الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي في 2011، كما كانت له بصمة واضحة في 2013 عند إسقاط حكومة الترويكا التي قادتها حركة النهضة الإسلامية، علاوة على مشاركة المنظمة النقابية في عام 2016 في تشكيل ما يعرف بحكومة الوحدة الوطنية التي قادها يوسف الشاهد.

وبالنظر إلى كل هذه التراكمات الفكرية والتاريخية، فإنه لا يمكن أبدا حصر دور النقابات في نشاط نقابي مقتصر على المطالبة بمكاسب ماديّة واجتماعيّة لمنخرطيها، لأن أبجديات العمل النقابي، تستدعي القيام بدور نقابي ترافقه قرارات ذات محتوى سياسي كلما اقتضى الأمر ودعت الحاجة إلى ذلك.

12