النقابي والسياسي.. كيف يصبح النقابي خصما وحكما؟

التماهي والذوبان بين النشاطين السياسي والنقابي من شأنهما أن يُفسدا الاثنين معا، والتجربة أثبتت في بلدان أوروبيةأن عديد الأحزاب العمالية قد منيت بفشل ذريع رغم تمرسها على العمل السياسي.
الثلاثاء 2019/01/22
كل السياسيين في سلة واحدة

العمل النقابي في صيغته المطلبية، يظل ذا شأن أخلاقي وإنساني رفيع إلى أن تلوثه السياسة بكل ما تحمله من توازنات وتحالفات تراعي قيم الربح والخسارة، وتبحث في أيسر السبل نحو السلطة. الأمثلة فاقعة في التاريخ المعاصر، فكم من نقابي سقط سقوطا مدويا حين راودته شهوة الحكم، وأراد أن يغلّب اللون الأحمر، مثلا، ويصبغ به الياقات الزرقاء والبيضاء من المكافحين بالفكر والساعد.

أن تقود دفة الحكم، وتقرر سياسة البلاد، أمر ليس من شأنك أيها النقابي، وإلا فقدت حظوتك واعتبرك ما تدعي الدفاع عنهم شخصا “له مآرب أخرى”، وعندئذ، يسقط الميثاق النقابي في رغام العمل الحزبي، ويصبح من اختار الدفاع عن حقوق العمال “خصما وحكما” في مسرح الأحداث والتفاعلات السياسية.

جميع المراقبين والمحللين يقولون بصريح العبارة إن منظمة نقابية عريقة مثل “الاتحاد العام التونسي للشغل”، مشهود لها بالنضال الوطني من أجل دولة الاستقلال في بدايات القرن الماضي، مقدّرة وموقّرة في جميع المحافل الدولية بل وتصدرت الرباعي الراعي للحوار الذي نال جائزة نوبل للسلام، ستمارس نوعا من الانتحار إن هي أقدمت على اعتلاء المسرح السياسي تحت أي تبرير كان.

لنتوقف قليلا عند المصائر التي حلت بجميع النقابيين من أولئك الذين اجتذبهم العمل السياسي في مختلف أرجاء العالم.. لقد خسروا مصداقيتهم التاريخية لدى جماهير العمال، وألقت بهم الصناديق خارج اللعبة الانتخابية عاجلا أم آجلا، فلا هم احتفظوا بشرفهم النقابي، ولا حافظوا على ألمعيتهم السياسية التي كانوا يحلمون بها.

النقابيون الذين اجتذبتهم السياسة ألقت بهم الصناديق خارج اللعبة الانتخابية، فلا احتفظوا بشرفهم النقابي ولا حافظوا على ألمعيتهم السياسية

القواعد النقابية تملك من الذكاء العفوي، ما يجعلها تميز بين مدافع عن لقمة الشعب وساع نحو كرسي الحكم، ذلك أن الأسوار شامخة بين النضال العمالي والنشاط الحزبي، فالأول يتعلق مباشرة بعيش المواطن، أما الثاني فتحركه رياح المستجدات.

قد يتذرع الكثير ويتحجج بتداخل النضالين الاجتماعي والسياسي كما في التجربة التونسية التي عرفت تشابكا قل نظيره في العالم، ذلك أن الرواد المؤسسين لهذا الهيكل النقابي، قد عرف عنهم نشاطهم الوطني والتحريري كما هو الشأن بالنسبة للزعيم النقابي فرحات حشاد في أربعينات القرن الماضي.

وقد يبدو الأمر ملتبسا بين المهمة الاحتجاجية للنقابات العمالية وفق النموذج الفرنسي الشائع، والتجربة التشاركية في الحكم كما هو الحال في دولة مثل الدنمارك، لكن الخصوصية التونسية تجعل من العمل النقابي مسؤولية وطنية على ضوء ما حدث ويحدث من تجاذبات، وليس امتيازا سلطويا يتغول من خلاله القادة النقابيون، ويصبحون أداة لإضعاف الدولة.

المشكلة في بلد مثل تونس، هي خشية أن تتحول الشرعية النقابية إلى حالة “مقدسة” لا يمكن الطعن فيها أو التشكيك في مصداقية قادتها، وتصبح فوق النقد والمحاسبة، مما يجعل منها “سلطة محرمة”، لا يأتيها الباطل، ولا يحق للدولة بجميع مؤسساتها الطعن في عملها بما في ذلك التطرق إلى حالات الفساد والتلاعب بالمال العام.. وهو أمر يغمز إليه نقابيون يتصارعون في ما بينهم على المناصب والكراسي في الهيئات الإدارية، لكنهم لا يتحدثون فيه صراحة، أي أنه أشبه بخلافات الكرادلة خلف الأبواب المغلقة في دولة الفاتيكان، ويربط الناس مصيرهم بانتظار الدخان الأبيض.

ماذا تريد منظمة نقابية عريقة مثل “الاتحاد العام التونسي للشغل” أكثر مما أرادته وحصلت عليه منذ فجر الاستقلال، والبلاد قادمة على الانتخابات العام المقبل؟ ليس الأمر هبة من الدولة لمنظمة ساهمت في بناء الدولة نفسها، لكن على هذا الهيكل النقابي أن يعي حدود صلاحياته كي يحافظ على قوته، ويمضي شريكا حقيقيا في تقرير خيارات الدولة وليس طرفا معطلا باسم الحفاظ على مصالح الطبقة العاملة.

لا ينكر أحد أن “ساحة محمد علي” في مدينة تونس كانت ولا تزال رمزا نضاليا، لا يشكك فيه أحد، ولا يطعن أحد في شعارات سياسية مشروعة التصقت بهذا المبنى العريق مثل راية علم فلسطين، لكن التماهي والذوبان بين النشاطين السياسي والنقابي من شأنهما أن يُفسدا الاثنين معا، والتجربة أثبتت في بلدان أوروبية، على وجه الخصوص، أن عديد الأحزاب العمالية قد منيت بفشل ذريع رغم تمرسها على العمل السياسي واحترامها لجملة المواثيق واللوائح التي تفرق بين العمل النقابي والنشاط الحزبي.

12