النقاب يظهر ازدواجية تعامل الحكومة المصرية مع التيار السلفي

الحكومة تقف على مسافة ثابتة من التيار السلفي، وترفض الانجرار وراء رغبة اليسار في اكتساب أرضية في الشارع عبر استثمار قضية النقاب.
الخميس 2019/12/26
النقاب وسيلة للسيطرة على العقل والمجتمع

كشف اختيار منتقبة لإدارة مؤسسة ثقافية رسمية بمصر والتراجع عن تعيينها بعد أيام فقط بقرار من وزيرة الثقافة، نوعا من الازدواجية المتعمدة في التعامل الرسمي مع التيار السلفي، والإبقاء دائما على مساحة للمناورة السياسية مع أفكاره المحورية التي لا يقبل التنازل عنها.

القاهرة- يمثل النقاب الخيط الرفيع الذي تحاول الحكومة المصرية الإبقاء عليه في تعاطيها مع التيار السلفي، فرغم تبنيها خطابا حضاريا ومنفتحا وقامت بتحركات مناهضة لأفكار السلفيين على الأرض، تتحاشى في الوقت ذاته الاستجابة لضغوط التيارات المدنية بحظره تماما في الأماكن العامة بشكل قانوني.

عكس استبعاد فنانة تشكيلية منتقبة من إدارة قصر ثقافة كفر الدوار في دلتا مصر مؤخرا، بعد ثلاثة أيام من اختيارها، تلك العلاقة الملتبسة، ففي حين عزت جهات تابعة لوزارة الثقافة الاختيار إلى الكفاءة، تراجعت عن قرار التعيين واستبدلتها بأخرى ترتدي الحجاب فقط.

وتبدو الحكومة حريصة على الاحتفاظ بمسافة ثابتة مع التيار السلفي، ولا يريد الطرفان تجاوزها، فلم تستجب للدعوات المستمرة منذ ست سنوات بحل حزب النور، الذراع السياسية للسلفيين، رغم وجود مادة بالدستور تحظر تأسيس الأحزاب على أساس ديني، لكنها في الوقت ذاته تحارب أفكار التيار المتشدد بأنواعه بمنع اعتلاء عناصره المنابر، وفتح مجال أوسع لتحرك التيارات المناهضة لهم مثل الصوفيين.

حرب ضد أفكار التشدد

طالبت الدكتورة آمنة نصير، أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة الأزهر وعضو مجلس النواب، مؤخًرا، بإصدار قانون أو قرار حكومي يمنع ارتداء النقاب بوجه عام، وألاّ يقتصر الحظر على الجامعات أو بعض المؤسسات العامة، ورفضت اعتباره من باب الحرية الشخصية، بل هو في نظرها عادة بعيدة تماما عن الدين.

الدعوة التي قدمتها نصير، سبقها مشروع قانون للنائبة غادة عجمي، عضو البرلمان، يحظر ارتداء النقاب في الأماكن العامة وتغريم من ترتديه بـ60 دولارًا، غير أنها تراجعت بعد أيام لأسباب غير معلنة، رغم حصول مشروعها على تأييد 60 نائبًا في الساعات الأولى لإعلانه.

دفاع السلفيين عن النقاب لا يرتبط بغيرة دينية أكثر من اعتباره وسيلة للسيطرة على العقل والوصاية على قطاع كبير من المجتمع

لا تعود أهمية النقاب إلى استناده لمشروعية دينية، لكن كقضية مفصلية للدعوة السلفية، وحظره قد يفتح الباب للتقارب بينهم وجماعة الإخوان مرة أخرى، خاصة وأن الثانية تمارس أجيالها الجديدة صنوفا من التحريض مع أيّ دعوة تتعلق بالبرقع، ويحرّضون الشباب السلفي على الثأر بزعم الحفاظ على كرامة السيدات، ونقلوا القضية إلى بعد يرتبط بالشرف وليس الدين.

يقول صلاح الدين حسن، الباحث في الشؤون الإسلامية، إن “البرلمان والحكومة يعرفان جيدًا أن حظر النقاب قانونيًا مسألة ليست سهلة على الإطلاق، وتعطي انطباعات بالانحياز للتيار العلماني، وإظهار الدولة بأنها تحارب الدين الإسلامي، وتداعيات منعه أكبر بكثير من بقاء الأمور كما هي عليه”.

 صحيح أن دولا مجاورة فرضت تقنينا على النقاب بمنعه في الأماكن العامة، مثل تونس والجزائر، لكن في مصر تردد جيوب الإخوان الباقية مزاعم مستمرة بأن استهدافهم يتعلق باعتبارات دينية، واستغلوا موجة خلع الحجاب في صفوف فنانات، مثل حلا شيحة وصابرين وشهيرة مؤخرا، في تصدير ادعاءات عن توجيه رسمي لهن لخدمة مشروع “علمنة الدولة”، وحظر النقاب بالطبع سيتم توظيفه في هذا السياق.

تيار رمادي

يضيف حسن، لـ”العرب”، أن التيار السلفي يظل رماديًا إزاء الطلبات أو الدعوات المتعلقة بالنقاب، لكن ينقلب إلى النقيض تمامًا حال وصول الأمر إلى التشريعات القانونية أو دخول الأمور إلى دائرة الخطر بالنسبة إليه، وتلك النقطة كانت السبب الرئيسي في حرص حزب النور السلفي على وجود ممثلين له في البرلمان لحماية تصوراته عن الشريعة.

وتفضل الحكومة تحويل النقاب إلى قضية قانونية صرفة محلها ساحات المحاكم، التي يفترض أن تنظر دعوى منتصف يناير المقبل رفعتها 80 باحثة منتقبة، لإلغاء قرار صدر قبل سنوات لرئيس جامعة القاهرة السابق جابر نصار حظر ارتداء النقاب على أعضاء هيئة التدريس.

ويبدو التيار السلفي مرتاحًا لإحالة القضية إلى القضاء مع وجود نصوص دستورية وقانونية تؤكد أن الوظائف العامة حق للمواطنين على أساس الكفاءة دون محاباة أو وساطة، وأن المواطنين متساوون ولا تمييز بينهم بسبب الدين أو العقيدة أو الجنس أو الأصل أو العرق أو اللون أو اللغة أو الإعاقة أو المستوى الاجتماعي أو الانتماء السياسي أو الجغرافي أو لأيّ سبب آخر.

انقسام حاد إزاء النقاب، بين مؤيد ومعارض له من الناحية الدينية
انقسام حاد إزاء النقاب، بين مؤيد ومعارض له من الناحية الدينية

ورفضت محكمة القضاء بمجلس الدولة دعوى قضائية تطالب رئيس الحكومة بحظر النقاب في الشارع والأماكن العامة، رغم الأسانيد القانونية والشرعية التي تتضمنها وتتعلق بكونه زيا دخيلا على المجتمع، ويمثل مشكلة أمنية لإمكانية التخفي وراءه في نقل المتفجرات والمخدرات كما يحجب الرؤية من الزاويتين اليمني واليسرى لقائدة السيارة ما يسبب الحوادث.

وتقتنع الحكومة بأن قضية النقاب لا تمنح هامش مراوغة لرموز التيار السلفي أمام صفوف شباب التيّار مثلما حدث مع موضوعات الوقوف لتحية العلم والسلام الوطني التي تخلوا عن موقفهم المناهض لها، وتهديد السلفيين بتوزيع مليون نقاب مجانا على السيدات حال حظره يظهر استعدادهم للمخاطرة بالمساحة الرمادية التي يعيشون فيها مع تلك القضية بالذات.

ويؤكد حسن لـ”العرب”، أن القوانين قبل اتخاذها تراعي صلاحيتها للتطبيق والتداعيات التي ستحدث حال فرضها بعيدا عن رد فعل السلفيين، وتقتنع الدولة بأن تغريم عشرات الآلاف من السيدات اللاتي يرتدينه ويترددن على المصالح الحكومية يوميًا شبه مستحيل.

اختلاف في الرؤية

يعاني المجتمع المصري ذاته من انقسام حاد إزاء النقاب، بين مؤيد ومعارض له من الناحية الدينية، ويوجد تيار عريض بين المعارضين يدافع عن وجوده لاعتبارات تتعلق بالحرية الشخصية للإنسان في ارتداء ما يشاء.

ويعكس رأي الكاتب محمد الباز، المقرب من الحكومة، تلك الرؤية، فيقول في برنامجه على قناة “المحور” الخاصة، إن “السيدات يلبسن النقاب كعادة مرتبطة بالبيئة المحلية، فالمنتقبات لسن جميعا متطرفات أو يأتين من أسر إرهابية، وضرب المثل بشقيقته المعلمة التي ترتدي النقاب، وتخلعه حال دخولها للشرح أمام التلاميذ وتعيد ارتداءه أمام زملائها.

ويشير وليد البرش، الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، إلى أن دفاع السلفيين عن النقاب لا يرتبط بغيرة دينية أكثر من اعتباره وسيلة للسيطرة على العقل والوصاية على قطاع كبير من المجتمع، متجسدًا في السيدات كمحاولة للتمكين فيما بعد.

انقسام حاد إزاء النقاب، بين مؤيد ومعارض له من الناحية الدينية
انقسام حاد إزاء النقاب، بين مؤيد ومعارض له من الناحية الدينية

وتسعى الحكومة المصرية لإضعاف الفكر السلفي دون القضاء عليه، وتضع في الحسبان أن حزب النور السلفي لعب دورا داعما للدولة منذ ثورة 30 يونيو 2013، فبعد سنوات من إزاحة السلفيين من المنابر ومنعهم من الخطابة، قررت إبعاد غالبية كتب التراث والفقه ذات الأفكار السلفية من مساجد الإسكندرية الشهيرة بوجود تمركز للإسلاميين فيها.

ويوضح البرش، لـ”العرب”، أن التيار السلفي يتبع نوعا من النفعية في التعامل مع معتقداته ومنها النقاب، معتمدًا على قضايا لا يؤمن بها في الأساس مثل الديمقراطية والحرية في ارتداء الزي، أو ربطه بمقارنات مع بعض الأزياء ليصبح السؤال: هل النقاب أفضل أم امرأة متعرية؟

وأظهر مقال كتبه الشيخ شحاتة صقر، القيادي بالدعوة السلفية، عن مساعي حظر النقاب تلك الرؤية حينما قال “كنا ننتظر منهم السعي لإصدار قانون بمنع الملابس الفاضحة في المؤسسات الحكومية والأماكن العامة، ومنْع العري على الشواطئ العامة، وحظر عرض المشاهد الفاضحة في القنوات الفضائية، وإغلاق المواقع الإباحية”.

ويحاول السلفيون الرد على اتهامهم بالرجعية والنظرة الدونية للمرأة بإجبارها على تغطية وجهها ووصمها دائمًا بإثارة الشهوات، عبر حملات تتخذ طابعا مدنيًا آخرها “وعاشروهن بالمعروف” التي تبارى فيها الشباب السلفي في التقاط صور أثناء أداء مهام منزلية كغسيل الملابس وتنظيف المنازل والطهي، للتأكيد على احترامهم للمرأة.

يحافظ مسؤولون على عدم الخوض في النقاب كقضية دينية، فانتقادهم لمن ترتديه يتعلق بالعملية التعليمية وكونه يعزل التواصل بين المعلمات وبين الطلاب، وحينما أصدرت جامعة القاهرة قرارها المتعلق بحظر النقاب قصرته على أعضاء هيئة التدريس دون الطالبات.

ويؤكد باحثون أن الحكومة ترفض الانجرار وراء رغبة اليسار المصري في اكتساب أرضية في الشارع عبر استثمار قضية النقاب، مثل حزب التجمع الذي يجدد مطالبه باستمرار بتطهير مؤسسات الدولة من المنتقبات، وتفضل بقاء القضية للجدل وعدم حسمها.

13