النقاد أصحاب الحظوة أفسدوا الفن

الناقد أشرف الحساني يرى أن الهيمنة بالنسبة إلى الناقد هي مجرد وهم لأن الناقد لا يمكن أن يُحاصر عكس الفنان الذي قد يحاصر ويمنع من العرض.
الجمعة 2018/07/13
الفن يحتاج إلى عين حرة

لطالما كانت الصحف والمجالات إلى جانب الكتب فضاءات وظّفها الباحثون والنقاد لعرض أفكارهم، فالمقالات النقديّة التي نقرأها تختزن داخلها بذور الأفكار النقديّة والجماليّة ومفاهيمها، التي توظف لاحقا من قبل الفنانين والنقاد ضمن نشاطهم الثقافيّ، إلى جانب دور هذه النصوص في بناء الوعي الجماليّ لدى القارئ، وإضاءة المساحات الجماليّة الجديدة التي تحويها لتجارب فنيّة وأدبيّة مختلفة. “العرب” كان لها هذا اللقاء مع الناقد الفني أشرف الحساني في حديث عن تجربته، والأبعاد السياسية التي يختزنها النقد الجماليّ.

يسعى الناقد الفني والباحث الجماليّ أشرف الحساني إلى مواجهة المؤسسة الثقافّية المغربيّة، مُسائلا أساليب التكريس التي تمارسها عبر منصاتها وفعالياتها المختلفة، هذه الهموم النقدية والآفاق الجماليّة تحضر في كتابه “الحساسية الجماليّة في تخوم الفن والأدب” الصادر عن منشورات “بوجوب برنت” (Bojob print) المغربيّة، والذي يحوي مجموعة من المقالات والحوارات التي تتناول تجارب فنيّة وأدبيّة مختلفة.

مشروع فكري

المقالات والنصوص في الكتاب منشورة مسبقا في الصحف والدوريات المختلفة، نسأل الحساني عن سبب إعادة نشرها في كتاب وعن الصيغة “الجديّة” التي يمكن أن يحويها هذا المؤلف، ليجيب بأن ما يكتبه لا ينتمي إلى المواد الصحافيّة بما تحمله الكلمة من معنى، لأنه ليس صحافيا، بل باحث جمالي يكتب داخل الصحافة العربية.

 كما يرى أن الكثير من الكتاب العرب، جعلوا من الجرائد والمجلات منبرا للتعبير عن آرائهم السياسية والثقافية الفنية والأدبية منها. ويشدد بقوله إن الصحافة العربيّة لا تحوي الكثير من المقالات الجادة التي تناقش المشاكل التي تعتوِر الساحة السياسية والثقافية العربية ولا تحفر في هذه العوالم التشكيلية والسينمائية، لكون الكثير من الصحف تنشر التغطيات الصحافيّة لا المواد النقديّة والفكرية.

ويضيف الحساني أيضا “النصوص في الكتاب ليست صحافية، لأنها تروم في جوهرها لمساءلة مفهوم الجمال بين الفن والأدب، انطلاقا من تجارب فنية وشعرية عربية استطاعت أن تخط لنفسها مسارا شعريا وفنيا وجماليا متميزا، تجارب نراهن عليها كأفق جمالي مغاير داخل المنظومة الثقافية العربية. كما أنني حاولت تجاوز النقد بمفهومه الكلاسيكي، الذي بلورته الثقافة العربية ‘الفقهية’ إبان العصر الوسيط، ليجد الخطاب نفسه في حالة من التشظي بين مختلف المعارف والخطابات الأخرى، كالتاريخية والأنثروبولوجية والفلسفية”.

وهذا النوع من الخطاب، كما يلفت الناقد، هو ما يشتغل عليه بوعي شديد وفق مشروع فكري وجمالي قادم، وهو الأمر الذي يشغله في هذه اللحظة من مساره، فهذه الكتابات تضعنا أمام موقع حساس ومسؤولية فكرية وجمالية أكبر تسمح لنا بالحوار الصامت معها، والحكم عليها ليس كمقالات، بل كمشروع فكري وجمالي قادم ومتجانس.

تجارب فنيّة وأدبيّة مختلفة
تجارب فنيّة وأدبيّة مختلفة

الناقد الحر

يطلق الحساني في مقدمة الكتاب أحكاما قاسية على الساحة التشكيليّة المغربيّة، ويحيل إلى تجارب “راقية” بالمقارنة مع تلك التي يُنتجها “الطحالب” حسب تعبيره، مشيرا إلى نوع من تكريس الرداءة التي تبتعد عن الفن “الراقي” و”القواعد”.

 ويعقب على ذلك بقوله إن المقدمة لا تستهدف ما يسمى بـ”القواعد”، بل هي صرخة وتعبير صادق في آن، تجاه المؤسسات الثقافية الفنية المغربية، التي أصبحت اليوم تعمل على تكريس بعض الفنانين التشكيليين الذين يروج لهم معظم النقاد، الذين لا يدركون ولا يميزون بين مفهوم الفنان في التعريف السوسيولوجي الكبير، وبين أن يكون الشخص هاويا للتشكيل، وهو الأمر الذي أدى إلى تناسل هذه الطحالب الفنية.

ويتابع الحساني قائلا “المؤسسات الفنية لا تتوافر حقا في المغرب، كما هو متعارف عليه الأمر في أميركا وفرنسا، بل هي في الحقيقة عبارة عن قاعات ودكاكين ينعدم فيها مفهوم الجمال، ويتم اختيار الأعمال فيها وفق منطق دفع المال والعلاقات والزبونية والمحسوبية، ولا شيء يشي بالبعد الجمالي الذي يبشر به صاحب “المؤسسة”، ما يجعل عملية تقييم الأعمال الفنية لا تحتكم إلى قيمتها الفنية والجمالية وما تمارسه علينا من سحر وقلق وجودي، بل هي رهينة حجم التوصيات والتزكيات التي يحظى بها صاحب المؤسسة، وما أقوله هنا ليس قذفا أو تجذيفا في حق أحد، إنه عين الواقع بالأساس”.

يرى الحساني أن الناقد كان ذا حظوة لدى المؤسسات الثقافيّة والفنيّة، وهذا ما يثير الاستغراب لكون هذه “الحظوة” تجعله على توافق مع سياساتها التي ترسخ الهيمنة، وتبتعد عن المرفوض والمنفيّ، ما يمحو دور الناقد كمولد للحدث الجمالي، ليتحول إلى مجرد حكم، وهذا ما يشكل دافعا لمراجعة الكثير من النصوص النقديّة المرضيّ عنها وأسباب “حظوة” كتابها.

 ويعقب الناقد على ذلك بقوله إن الهيمنة بالنسبة إلى الناقد مجرد وهم، لأن الناقد لا يمكن أن يُحاصر لأن سلاحه هو الكلمة، عكس الفنان الذي قد يحاصر ويمنع من العرض، فإذا عدنا إلى النصوص “النقدية” الأولى في وطننا العربي سنكتشف أنها عينها لم تكن إلا مجرد انطباعات حول الفن العربي، لكن رغم ذلك لا يمكن أن ننكر قيمة هذه الكتابات كمعلومة وكأرضية، يمكن أن ينطلق منها هؤلاء الذين يكتبون عن الفن اليوم للتفكير بجدية في سؤال الفن والدرس الجمالي العربي ككل.

 ويعقب أشرف الحساني “الناقد الفني كان وسيظل، ذا حظوة معرفية لدى المؤسسات الفنية، لأنه عينها التي بها ترى الأمور، كما أن هذا ‘السلاح’ قد يستعمل لصالحها من خلال الترويج لأعمال فنانين يعانون من فقر دم الجمال، وهو الأمر الذي يحصل عندنا في المغرب اليوم، إذ ظهرت أقلام تدفع لها للكتابة عن تجربة فنية، ولا تهم قيمة الأعمال الفنية المكتوب عنها، بل الأهم هو قيمة الأجر المدفوع، خلافا لما هو متداول بشكل رسمي في الغرب”.

15