النقاد والمشاهدون يختلفون حول أفضل المسلسلات المصرية في 2015

أبرز سمة في مسلسلات العام الذي نوشك على توديعه أنها تجاوزت مرحلة التركيز على قضايا السياسة، التي انخرطت فيها منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، لتتناول مجموعة من القضايا الاجتماعية والتاريخية. كما توسعت المسلسلات العابرة للجنسيات، التي يشارك فيها نجوم من دول عربية مختلفة، بناء على طلب شركات التوزيع العربية، فشهدت المسلسلات المصرية مثلا أكبر حضور لممثلين عرب في الفترة الأخيرة.
الأربعاء 2015/12/30
"تحت السيطرة".. عابر للجنسيات

في استطلاع أجرته “العرب” حول آراء عدد من النقاد عن المسلسلات المصرية التي تصدرت قائمة الأفضل في سنة 2015 التي أوشكت على الانتهاء، من حيث قدرتها على كسر التابوهات ومعالجة قضايا جادة، كان هناك ما يشبه التوافق على ثلاثة مسلسلات هي: “تحت السيطرة” و“طريقي” و“حارة اليهود”.

وقد رصدنا أن الأفضل من وجهة نظر النقاد لم يكن هو نفسه من وجهة نظر المشاهد في نتائج التصويت على الأعمال الدرامية، التي قامت بها العديد من المواقع الإلكترونية والفنية، وربما يأتي ذلك ليؤكد على أن المعايير التقليدية للحكم على الأعمال الدرامية أصبحت عرضة للتغيير، أو أن زحام المسلسلات لم يعد يتيح الفرصة للجمهور لمشاهدتها جميعا، ومن ثم الخروج بأحكام دقيقة عن كل منها.

الناقد طارق الشناوي اعتبر في تصريحات لـ”العرب” أن دراما 2015 أفضل مما كانت عليه في الماضي، حيث تميزت بإبداع لافت ومخرجين أضافوا لها شكلا جديدا.

وقال إن أفضل مسلسل من وجهة نظره هو “تحت السيطرة”، حيث قدم دراما متميزة عبر تناول موضوع الإدمان بجرأة، جعلت المشاهد يشعر أنه أخطأ في حق كثير من المدمنين عندما ابتعد عنهم، ولم يعترف بحقوقهم في الحياة.

ونجح المسلسل في جذب الجمهور لمتابعة حلقاته، كما أوضحت الناقدة خيرية البشلاوي والناقد خالد ثروت، ما يتميز به من حبكة درامية لحكايات واقعية.

وما أعطى “تحت السيطرة” كل هذا التأييد من جانب النقاد، هو أن موضوع الإدمان، وحالات المدمنين ضمن أكبر الكليشيهات في الدراما العربية، بمعنى أنها نماذج متشابهة جدا، ومنذ الثمانينات لم تخرج عن هذا النمط، باستثناء فيلم “المدمن”، للراحل أحمد زكي والمخرج يوسف فرنسيس عام 1983.

زحام المسلسلات لم يعد يتيح الفرصة للجمهور لمشاهدتها جميعا، ومن ثم الخروج بأحكام دقيقة عن كل منها

ولم يتم تناول حالات الإدمان بأي قدر من القرب والخصوصية، حتى عرض “تحت السيطرة”، فألقى الضوء على قضية المدمن المتعافي في مجتمعاتنا العربية، وكيف أن الناس في الواقع لا تتسامح مع المدمن أبدا ولا تعترف بالمتعافي.

الكاتبة مريم نعوم تمكنت من توصيل رسالة للمشاهد، مضمونها أن المدمنين أشخاص مجروحون، لديهم مشاكل، لكنهم لم يستطيعوا السيطرة على مشاعرهم وتجاوز مشاكلهم بعقلانية فلجأوا إلى مشكلة أكبر اعتقدوا أنها وسيلة للنسيان فغيرت مسار حياتهم للأسوأ.

صوت الحرية

الناقدة المصرية ماجدة خيرالله اختارت مسلسل “طريقي” ليكون الأفضل، خاصة من حيث الثراء الدرامي الذي قدم من خلال المزج بين الفنان السوري باسل خياط والمطربة المصرية شيرين عبد الوهاب.

واعتبرت في كلامها لـ“العرب” أن “طريقي” من أفضل المسلسلات على مستوى السيناريو والحوار والديكور والتصوير والأغاني والإخراج في السنوات الخمس الأخيرة، فالأداء التمثيلي للفنانة شيرين وصفته بالمميز والوقور، حيث اعتمدت على ردود فعل تلقائية، بلا ضجيج لتجسد بصدق رحلة صعود فتاة طموحة تتجاوز الصراعات المحيطة بها.

المسلسل نجح في الخروج إلى الشاشات العربية بروح مصرية خالصة، بالرغم أنه محاكاة للمسلسل الكولومبي “صوت الحرية” الذي يسرد سيرة حياة الفنانة الكولومبية الشهيرة هيلنسيا فرغاس، بالإضافة إلى أنه قدم عالم الفن بواقعية وبكل ما فيه من “شللية”.

المؤلف مجدي صابر يرى أن هذا العام شهد أعمالا كثيرة جيدة ستظل عالقة بذهن المشاهد، فبالإضافة إلى مسلسلي “تحت السيطرة” و“طريقي” كان هناك مسلسل “حارة اليهود”، الذي حقق نجاحا كبيرا، برغم ما أثير حوله من لغط منذ بداية بثه، لكنه سرعان ما تغير الرأي العام تجاهه.

سر اهتمام المشاهدين المتزايد بأحداث المسلسل ودفاع البعض عن مضمونه فسره صابر لـ“العرب” باحتراق دول وأسر عربية كثيرة بنار التطرف والإرهاب والإدمان، وعدم قبول أو فهم الرأي الآخر.

وأشاد صابر بتخلص الدراما من الألفاظ السيئة، وعدم اعتمادها على النجم الواحد، بل كان هناك اتجاه عام لتقديم بطولات جماعيّة، حتى أن أصحاب الأدوار الثانوية كانوا أيضا أبطالا وحصلوا على مساحات تتيح لهم إظهار مدى إتقانهم لعملهم.

نقاد كثيرون أكدوا أن عام 2015 هو الأنجح في دراما المسلسلات، منهم الناقد محمد حبوشة الذي قال لـ“العرب” إن هذا العام الأفضل على مستوى الإنتاج والأداء، لما تضمنه من أعمال ناقشت مشاكل تعكس الواقع المعيش إلى جانب تقديم حلول لها.

والمسلسلات الجيدة من وجهة نظره كانت “حارة اليهود” الذي قال أنه رقم واحد لكونه مسلسلا متكاملا على مستوى السيناريو والحوار والأداء التمثيلي والانبهار.

الأصل والصورة

ودافع الكاتب عن أحداثه بقوله: إن التاريخ يكتب الأحداث كما وقعت، لكن الدراما تكتب الأحداث كما ينبغي أن تقع.

وأضاف حبوشة مسلسل “ولي العهد” بطولة حمادة هلال، إلى قائمة الأفضل لما قدمه من تكريس لمفهوم الأسرة، علاوة على الكوميديا الهادفة في مسلسلي “لهفة” بطولة دنيا سمير غانم، و“أستاذ ورئيس قسم” بطولة عادل إمام.

مركز “بصيرة” للدراسات والأبحاث في مصر، أجرى استطلاعا للرأي حول أهم ما شاهده المصريون من مسلسلات، وأظهرت نتائجه أن الأعمال الأعلى مشاهدة اختلفت عما اختاره كبار النقاد، حيث احتل مسلسل “حق ميت” بطولة حسن الرداد وإيمي سمير غانم المركز الأول، تلاه “حالة عشق” بطولة مي عزالدين، ثم “مولانا العاشق”، بطولة مصطفى شعبان.

وفي استطلاع لأحد المواقع الإلكترونية جاء مسلسل “لعبة إبليس” بطولة يوسف الشريف في المركز الأول، ثم “تحت السيطرة”، أما المركز الثالث فكان لمسلسل “العهد” بطولة سوسن بدر وآسر ياسين. وفاز “العراب: نادي الشرق” بجائزة أفضل مسلسل درامي سوري إلى جانب المسلسل السوري الشهير الأكثر شعبية “باب الحارة 7” في استفتاء مجلة “سيدتي” وموقع “سيدتي نت” لتميزه بنص مكتوب بحرفية درامية عالية، رسمت شخصياته فيه بدقة سهلت تحولها إلى لحم ودم على الشاشة.

الاختلاف بين النقاد والمشاهدين، أكد أن الاختيار قد يكون خاضعا لمزاجية المشاهد وعاطفته، وتاريخ سابق له مع هذا العمل أو هذا الاسم، والدليل على ذلك أنه في الوقت الذي تشدد فيه النقاد على مسلسل “يا أنا يا إنتي” لفيفي عبده وسمية الخشاب، فاز بجائزة أفضل مسلسل كوميدي مصري في استفتاء “سيدتي”.

دراما مريضة

الآراء حول مسلسلات 2015 لم تكن كلها إيجابية، حيث ذكر بعض النقاد لـ“العرب” أن مسلسلات هذا العام تعتبر صفعة على وجه المشاهد، الذي افتقد وجود أعمال فنية تلتف حولها الأسرة كالعادة، وفقد “الحدوتة” التي كانت تجمعه بأسرة المسلسل حتى النهاية.

ووصل بالبعض إلى درجة الاعتقاد بأن ما حدث هذا العام، كان مؤامرة على الفن بجعل الإنسان العربي يلهو مع الفن الهابط بما يحويه من سلبيات، لكن المشكلة الأكبر من وجهة نظرهم أن مساوئ المجتمع المصري في العشوائيات والفيلات والشوارع والملاهي والعمل وغرف النوم ظهرت هذا العام على كل بيت عربي.

وقد شابتها لقطات غير لائقة، يجب أن يكتب عليها “للكبار فقط” لما تحتويه من ألفاظ خادشة للحياء العام، وتعمل على إفساد الذوق وتشجع على العنف اللفظي والجسدي وتعاطي الكحوليات والمخدرات إلى جانب التدخين المفرط، لتكون النتيجة رسم لوحة فوضوية لمنظومة أهدرت فرصة عن المشاهد للنهوض بفكره وحسه الثقافي.

الناقد الفني أحمد يوسف، قال لـ“العرب” إن الكتابة والسيناريو كانت الحلقة الأضعف في مسلسلات عام 2015، فغالبية الأعمال الدرامية اتسمت بعدم النضج وعدم الترابط والغموض، وبعضها عالج عدة خيوط غير مترابطة، وهو نوع من الهروب عند الكاتب، فكأنه يعمل أكثر من مسلسل في مسلسل واحد.

عام 2015 الأفضل على مستوى الإنتاج والأداء، لما تضمنه من أعمال ناقشت مشاكل تعكس الواقع المعيش

وأوضح أنها كانت تحاكي الأفلام البوليسية التي تصل إلى حد التخريف، فاتجه البعض إلى تقليد الأفلام الأميركية، مثل مسلسل “حارة اليهود”، وكان هناك نوع من الاستخفاف والاستهزاء في الكوميديا مثل مسلسل “أستاذ ورئيس قسم”، واتسمت المسلسلات الكوميدية بشكل عام بالمبالغة والتصنع، على عكس الكوميديا الحقيقية الجميلة التي تنبع من المواقف والجمل الحوارية وتتضمن مفارقات كوميدية.

وأرجع يوسف ضعف الدراما وغياب تأثيرها إلى ضعف كتاب السيناريو الذين مارسوا الكتابة بطريقة الهواة وعدم الاحتراف، ومعظمهم لم يقرأ التاريخ جيدا، إضافة إلى دخول العديد من الممثلين المجال الفني بالمحسوبية، وهو ما أضعف الدراما بشكل عام وأضعف تأثيرها في المشاهد.

الواقع الدرامي لمسلسلات 2015 وصفها السيناريست كرم النجار لـ“العرب” بمريض يعاني من أمراض مستعصية، ما فرض نوعا من الأزمات أنهكت عملية الإنتاج بشكل كامل، خاصة أن هناك معضلات تسمم المناخ العام، وتبعد تماما عن المواصفات القياسية لدى الكاتب والمخرج والممثل.

وأرجع النجار ضعف المنتج الدرامي في ثوبه الجديد إلى خضوع العملية الإنتاجية للإعلان والتحكم من جانب النجم في آن واحد، بحيث لحق الصناعة الكثير من المخاطر، فمن لديه القدرة على التحكم في الإعلانات يكسب رهان السباق.

خيـال الكاتب

الروائي يوسف القعيد تحفظ على اختفاء السيناريو المأخوذ عن نص روائي مصري أو عربي أو عالمي مترجم، في وقت تعيش خلاله مصر والوطن العربي، وربما العالم حالة من الانفجار الروائي لم تحدث منذ أن عرف المصريون فن الرواية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

وفسر القعيد عدم وجود مسلسل مأخوذ عن رواية، بأن المنتج والمخرج وكاتب السيناريو والحوار والممثلين ليس لديهم وقت للقراءة، وليس عندهم من يقرأون لهم.

أما السيناريست محفوظ عبدالرحمن فيرى أن الأعمال الدرامية بالأساس تحمل رسالة مهمة تجاه المجتمع والناس، لهذا من الضروري أن تكون من صنع خيال الكاتب بالدرجة الأولى، باعتباره الضلع الأكبر في الفعل الدرامي برمته، لذلك عليه أن يتجه إلى المواضيع الإنسانية الأكثر رواجا الآن.

وقال إنها الأقدر على التعبير الحقيقي عن مشاكل المجتمعات العربية، إذا كانت على مستوى عال من الإبداع الجاد، وليس كما تقدّم الآن في حالة من السوء والتردّي على حساب الموضوعات التاريخية والكوميدية الراقية.

وأشار عبد الرحمن لـ“العرب” إلى أن المشكلة الرئيسية تكمن في الإسفاف الذي جرف الدراما المصرية نحو هوة سحيقة من الابتذال أصبحت تسيء إلى صورة مصر وشعبها، وفشلت في تحقيق رسالة الفن الذي لا يضرّ بالناس، وتحولت إلى مصدر ربح وكأنها سلعة.

ويؤيد ذلك الرأي السيناريست عبدالرحيم كمال، الذي أرجع ضعف الدراما في التأثير على المشاهد إلى سيطرة القطاع الخاص عليها والذي تحكمه اعتبارات المكسب والخسارة، بغض النظر عن الكتابة والمضمون والرسالة التي تبثها. ولذلك شدد كمال على أهمية أن يكون للدولة المصرية في المرحلة القادمة، دور في دعم الدراما، مثل دعم إنتاج الأعمال التاريخية.

16