النقد الانطباعي ليس عيبا

الأربعاء 2017/02/08

عندما يحاول البعض، خاصة من الأكاديميين، التقليل من شأن بعض ما يكتب وينشر في مجال النقد، يصفونه عادة بـ”الانطباعي”، فهم يعتبرون الانطباعية أقل شأنا من غيرها من مناهج النقد، ولكن الحقيقة أن للانطباعية نقادها الكبار المرموقين، ففي الأدب العربي مثلا، يعتبر الكثيرون طه حسين ناقدا انطباعيا.

ويعرف أناتول فرانس النقد الانطباعي بأنه “مغامرة الروح بين التحف الفنية”، فالناقد يعبر عن انطباعاته الشخصية عن العمل الفني أو الأدبي، ويستخدم عادة، ضمير الأنا في التعبير عما يشعر به أثناء مشاهدته الفيلم، ويعبر عن أحاسيسه ومشاعره تجاه شخصيات الفيلم، وربما يتوقف عند مشهد معين يعتبره الأهم في العمل، مع إغفال الكثير من المشاهد والأحداث الأخرى التي قد لا تقل أهمية عن ذلك المشهد، فالنقد الانطباعي في اعتماده على المشاعر الشخصية للناقد، لا يخضع العمل الفني لمقاييس محددة أو مناهج صارمة في التقييم، فهو غير مهتم بتقديم بيان تفصيلي شامل، بل المهم أن يعبر عن كيف كان استقباله هو للعمل الفني.

ومع ذلك، يجب أن يكون الناقد الانطباعي مثقفا ومطلعا ومشاهدا جيدا (للأفلام)، يعرف تاريخها وعلاقتها بما أنجزه صاحبها من قبل، ولكنه لا يهتم كثيرا بوضعها في سياق تاريخ السينما والمقارنة بينها وبين ما سبقها من أفلام للمخرج نفسه، فهو يرى العمل كوحدة مستقلة قائمة بذاتها، يدوّن عنها ما انطبع في ذهنه من انطباعات، ما أحبه وما لم يحبه، وأحيانا دون أن يقدم تبريرا أو رصدا للعوامل التي جعلته يصل إلى هذا الشعور (بالحب أو عدم الحب) غير إحساسه بالبهجة والسعادة، وهو ما يعبر عنه بوصف المشهد ووصف مغزاه كما وصل إليه، كما قد يعبّر عن شعوره بالامتعاض والضيق أمام عمل آخر (ربما يراه غيره تحفة فنية)، بينما يجده هو غامضا، صعبا، يقتضي الكثير من الجهد الذهني.

من أعلام المنهج الانطباعي في النقد السينمائي العربي الدكتور رفيق الصبان رحمه الله، الذي كان يستخدم الكثير من التعبيرات الأدبية البديعة العامة في وصف الأفلام التي يكتب عنها. وقد كتب عنه قيس الزبيدي يقول إن الصبان “يستعمل ‘الفيلم’ ليعبر، أدبيا، عن مزاجه وتذوقه الخاص، لكن وفق قدرة أدبية مميزة تحول خطابه النقدي إلى أدب خالص وجميل قلما نقرأ مثله حتى عند بعض النقاد العرب الذين يكتبون في ‘أدب السينما’، وأن منهجه ‘يتشكل من تداخل قاعدتين: قاعدة الإدراك الانطباعي المباشر، وقاعدة الاستقراء التي تقوم على مراجعات عامة لكلية الأجزاء/العناصر وتغفل قاعدتي التحليل والتركيب”.

ولم يكن هذا يعيب الصبان، بل كان ما يكتبه مفيدا في جذب الكثير من الشباب من عشاق السينما إلى الاهتمام الجاد بالأفلام الفنية الرفيعة التي كان الصبان يعشقها ويحتفي بها في كتاباته. أما أكبر أعلام النقد الانطباعي في أميركا والغرب عموما، فهو الناقد الراحل روجر إيبرت الذي ظل يواصل كتابة النقد لأكثر من خمسين عاما، وكانت له بعض الآراء التي تصدم عشاق السينما “الأخرى” الفنية، فقد كتب، على سبيل المثال، يعبر عن شعوره الشخصي بعد مشاهدة فيلم “الاشتراكية” للمخرج الفرنسي جون لوك غودار (نبي السينما الجديدة في العالم منذ الستينات)، يقول “في فيلم ‘الاشتراكية’ الذي أخرجه وهو في في التاسعة والسبعين، انجرف رائد الموجة الجديدة الفرنسية إلى البحر، هذا الفيلم هو إهانة، إنه عمل غير متماسك، يثير الحنق، مبهم عمدا، ينحرف تماما عن الطرق التي يشاهد الناس من خلالها الأفلام”.

ومع ذلك يواصل عدد من النقاد الأميركيين الإبقاء على “مدونة” روجر إيبرت على الإنترنت، يكتبون لها محاولين محاكاة أسلوبه وطريقته، كما أنشأ بعض هواة السينما العرب صفحة خاصة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي لنشر مقالاته بعد ترجمتها إلى اللغة العربية. آن الأوان أن يكف الأكاديميون الذين لا يفهم أحد ما يكتبونه، عن احتقار النقد الانطباعي.

ناقد سينمائي من مصر

16