النقد الثقافي

الجمعة 2015/01/23

على مدى سنوات طويلة كان المنطق التقليدي، المسيطر في الجامعات الغربية، يقسم الشُعب الأكاديمية إلى شعب للآداب، وللفلسفة وأخرى تالية للدراسات اللغوية اللسانية، أو للتحليل النفسي، وأخرى لعلم الاجتماع، إلخ.. عندما ولدت ظاهرة الدراسات الثقافية تم تجاوز هذا المنطق الأكاديمي القديم والمحافظ، ومثل ذلك ثورة حقيقية بيداغوجيا ومنهجيا، وحل محله المنطق التركيبي من حيث الأساس النظري والممارسة معا، وأصبح يوظف نظريات الأدب، والفلسفة، والتحليل النفسي، واللسانيات ونظرية المعرفة وعلم الاجتماع، وغيرها من الأجهزة والحقول النظرية المتنوعة، التي تشتق حتى من الفيزياء منها النظرية التكاملية عند الفيزيائي الدنماركي الشهير نيل بوهر على سبيل المثال.

إن الدراسات الثقافية تعتمد هذا العنقود النظري المتعدد كمفاتيح لفتح أسرار الوعي واللاوعي الثقافيين، والهدف من وراء هذا هو فهم “كيف تتشكل الثقافة تاريخيا”، وكيف “ينتج المعنى وكيف يستخدم كسلطة” في المجتمعات الطبقية خاصة. أما استراتيجيات الدراسات الثقافية فيمكن تلخيصها في أنها انبعثت كرد على المنظومة التربوية التقليدية ببعديها الرأسمالي والكولونيالي.

أما من حيث التوجه الأيديولوجي فقد ارتبطت الدراسات الثقافية بالنزعة اليسارية في بعدها الثقافي والفكري، ويعني هذا أنها كانت ولا تزال ترمي منذ نشأتها المبكرة ببريطانيا إلى إيجاد موقع متميز للثقافات المهمشة والمنسية عمدا، في منظومة التعليم العالي وخاصة في المرحلة التاتشرية -نسبة إلى مارغريت تاتشر- المعروفة برأسماليتها المتطرفة، وممارساتها اللاغية لثقافات الأقليات.

إن إبراز هذا السياق التاريخي ضروري لفهم ظاهرة الدراسات الثقافية واستراتيجياتها المعرفية الثقافية، والمتمثلة أساسا في النظر نقديا في الثقافة التي كانت تُدرَس وتقيَم على أساس معايير ومنظور الطبقة البرجوازية العليا المسيطرة على الرأسمال المادي والرمزي معا.

أما على مستوى إعادة ترميم الأخلاقيات المعرفية فإن الدراسات الثقافية قد أبرزت المنظورات المتعددة للثقافات ودافعت عنها، وبذلك ساهمت بقسط وافر في مساءلة ما يدعى بالموقف الفوقي المتمركز طبقيا، أو قوميا أو غربيا إزاء الثقافات الأخرى التي تقحم تعسفيا في خانة “الثقافات الثانوية” أو “ثقافات الهوامش”.

إن السؤال المطروح الآن هو: لماذا تخلفت جامعاتنا عن تكوين الإطارات من أساتذة ومشرفين على المناهج والبرامج التعليمية في مجال الدراسات الثقافية بمنظور السياسي الديمقراطي وجهازها النظري المتطور وبنيتها المنهجية التركيبية، وأصرَّت ولا تزال على الإبقاء على المنطق البيداغوجي القديم في دراسة الشأن الثقافي؟


شاعر من الجزائر مقيم في لندن

15